//Put this in the section

هل يكتفي ”حزب الله” بالمكاسب التلقائية هدية من إسرائيل ويطوي ردّه الموعود عليها؟

ابراهيم بيرم – النهار

لم يكن في نظر الدوائر المعنية المباشرة بمآلات الوضع الحدودي في الجنوب، أمراً عابراً واعتباطاً أن يخرج في الساعات الماضية الديبلوماسي الأميركي العريق والمتقاعد جيفري فيلتمان عن صمته الطويل مذ ذهابه إلى التقاعد، ويطلق جملة مواقف تتصل بالموقف الدقيق لتنفجر على جانب الحدودين بين لبنان والكيان الصهيوني، وأبرزها ما قاله جازماً من أنه رغم “حماوة الوضع” البادي هناك، فإن طرفي النزاع أي “حزب الله” واسرئيل، يتحاشيان ضمناً الدفع بالوضع القائم نحو مواجهة مفتوحة أو انفجار متدحرج ممتد.




ويستطرد قائلاً إن كلا طرفي النزاع يمارسان لعبة إثبات القوة والقدرة “تجاه العدو” ولكنهما ليسا في وارد الجنوح نحو عمل عسكري واسع الأفق.

هذا الاستنتاج العام الوافد من أكبر الديبلوماسيين الأحياء العالمين بأدق التفاصيل في مسألة الصراع والمواجهة المتنوعة بين لبنان واسرائيل، نظراً إلى أنه شغل طويلاً منصب سفير بلاده في بيروت، منذ أقل من عقد من الزمن، ثم تابع إشرافه على الملف اللبناني خلال انتقاله إلى منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى لفترة ليست بالقصيرة، أوشكت الدوائر عينها أن تتبنى قناعة فحواها، أن كلام فيلتمان المفاجئ في هذا التوقيت، هو بمثابة “رسالة أميركية” غير مباشرة لمن يعنيهم الأمر وفي مقدمهم الحزب، جوهرها “اطمئنوا، اهدأوا ولا تتهوروا، فإسرائيل ليست في وارد التصعيد والتعقيد، وغير مأذون لها بذلك، فضلاً عن أن حساباتها في مكان آخر”.

وعليه، وبناء على هذا الاستنتاج، فإن الحزب وفق قول الخبير الاستراتيجي بقضايا الجنوب اللبناني العميد المتقاعد أمين حطيط، يواصل حصد النتائج الإيجابية الكبيرة لسياسة “الغموض البناء، والصمت الاستراتيجي القاتل التي اتبعها منذ استشهاد أحد كوادره العسكرية علي كامل محسن في الغارة الإسرائيلية على محيط مطار دمشق، قبيل أكثر من 10 أيام، وهي السياسة التي حاول العدو الاسرائيلي مواجهتها استباقياً، وتضييق الخيارات العسكرية وغير العسكرية أمام الحزب، والحيلولة دون رده الموعود من خلال الاشتباك الوهمي الشهير الذي افتعله في مزارع شبعا”.

ولم يعد خافياً في الآونة الأخيرة أن الاستنتاج الذي يتحدث عنه العميد حطيط، يسري سريان النار في الهشيم داخل “حزب الله” قيادة وقاعدة وأنصاراً، فالبنسبة له “ان العدو الصهيوني أهدى للبنان خلال مسرحيته – الملهاة التي أقدم عليها بعد ظهر ذات يوم في الميدان العسكري المباح – أي جغرافية مزارع شبعا، انتصارات قتالية للحزب، هي أكبر من المكاسب التي كان يمكن أن تسجل في حال نفذ الحزب رأساً رده على مقتل كادره العسكري في محيط مطار دمشق.

وفي قاموس الحزب، تتجلى تلك الانتصارات بالآتي:

– المشهد الاسرائيلي العسكري والسياسي المضطرب والفاقد لعنصر الاتزان والتماسك على ما ورد في مقاربة لـ”حزب الله” لما حصل في مزارع شبعا، فالرواية الإسرائيلية عن الحادث الأمني الغامض الذي حصل هناك تتعدد لدرجة التناقض.

– حال الاستنفار القصوى على طول الحدود مع لبنان التي اضطرت القيادة الاسرائيلية الى اللجوء اليها، حيث زجّت للمرة الأولى بعدد كبير من وحداتها وآلياتها، قدرها العميد حطيط بألوية عززتها لاحقاً بوحدة من القوات الخاصة، فضلاً عن كتيبتي دبابات. كل ذلك مشفوعاً بحال الهلع الذي عاشه المستوطنون الإسرائيليون على طول الحدود.

ولم يعد خافياً، وفق مصادر الحزب نفسه، أن الإعلام الصهيوني استخدم أخيراً مصطلح: “متى ينزل “حزب الله” عن الشجرة التي أصعدنا معه إليها لكي نتنفس الصعداء”.

وفوق ذلك لم يكف الإعلام الاسرائيلي عن ضرب المواعيد لقيام الحزب برده المحتوم. وتقدر المصادر المعنية في الحزب أن حجم الاضطراب والهلع الذي أصاب اسرائيل، وحجم الاستنفار الذي عاشه غير مسبوق على مدى تاريخ المواجهة بين الحزب وبين إسرائيل.

ومع ذلك كله، فإن المصادر المعنية في الحزب تتحدث في مجالسها الخاصة عن “مكاسب أعمق” حققتها يمكن الاستنتاج بأنها ثمة مرحلة في الصراع قد ولت، وثمة صفحة مرحلة جديدة قد بدأت. والفيصل بين المرحلتين وفق المصادر عينها تتبدى من خلال أمرين:

– الرسالة الأولى التي قيل بأن اسرائيل بعثت بها للحزب عبر القنوات الدولية وفحواها، لم نكن نقصد الإغارة على مواقعكم في دمشق ولسنا في هذا الصدد.

– ثم الرسالة الثانية التي شاع أنها وصلت لاحقاً بعد أحداث المزارع للحزب من تل أبيب، وفحواها ألا تلاحظون أننا أوقفنا غاراتنا الجوية على الساحة السورية بعد مقتل كادركم؟ ألا يعني ذلك لكم شيئاً عليكم أخذه بالاعتبار.

وبصرف النظر عن دقة هاتين الرسالتين وإمكان التزام اسرائيل لاحقاً بمضامينهما، فإنه يتملك الحزب شعور بأن معادلة الردع المتبادل التي سعى إليها طويلاً وعمل على تكريسها من جانبه، أتى حين من الدهر وبادر الكيان الصهيوني إلى الإقرار هو بها، لا بل اكثر من ذلك، إشهاره الاستعداد للذهاب الى نوع من وقف مواجهة موقت.

هل كل هذه المعطيات والوقائع ستكون عوامل يعتمدها الحزب لكي لا يبادر الى الرد على الضربة الاسرائيلية الأخيرة؟

بالطبع ليس من إجابة قاطعة أو تعهد حازم من الحزب يكون بمثابة مادة تطمئن كل الخائفين، ولكنها بالتأكيد معطيات ذات قيمة، وعليه بالنسبة للحزب ستزيد من ثقته بنفسه وبمنظومة الردع التي أرساها على مدى عقود من الصراع الدامي والمدمر.

ورغم ذلك كله، فإن العميد حطيط يقدر بأن “شد الحبال الحالي، سيبقى إلى أن يصدر مجلس الأمن قراره بالتمديد لعمل “اليونيفيل” في الجنوب، خصوصاً أن واشنطن ما برحت تضغط بغية أخذ مكسب تعتبره أساسياً وهو السماح لليونيفيل بتنفيذ مهمته الى منطقة جنوب الليطاني باستقلالية عن عين الجيش اللبناني، وهو أمر يبدو صعب المنال بعد رفض لبنان رسميا أي تعديل وموقف روسيا الحازم.