//Put this in the section

هكذا سقط حتّي برصاص ”حزب الله” من مسدس دياب

أحمد عياش – النهار

أياً تكن التبريرات التي رافقت الخطوة التي أقدم عليها وزير الخارجية ناصيف حتي، فإن “ملائكة” الحزب القائد للعهد والحكومة حاضرة في أول تصدّع مهم يصيب مركب السلطة التنفيذية. وعلى رغم وجاهة التبريرات التي رافقت الأنباء حول كتاب الاستقالة الذي قرر الوزير حتي تقديمه الى رئيس الحكومة حسان دياب، وأهم هذه التبريرات اعتراض الوزير على مواقف الرئيس دياب في الشؤون الخارجية، فإن تبريراً مهماً بقي بعيداً من الاضواء هو ما آلت اليه السياسة الخارجية للبنان بسبب إمساك الحزب بهذا الملف.




لم تتردد اوساط ديبلوماسية تحدثت اليها “النهار” في ختام الزيارة التي قام بها جان إيف لودريان للبنان قبل أيام في نفي ما رددته أوساط إعلامية عن لقاء تمّ بعيداً من الاضواء بين الوزير الفرنسي وبين نائب الامين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، مستندة الى الزيارة التي قام بها لودريان لمؤسسة عامل في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت وكأنها غطاء لهذا اللقاء. وما قالته المصادر: “لعل حزب الله كان راغباً في مثل هذا اللقاء، لكن الجانب الفرنسي قرر أن لا تكون لوزير الخارجية أية لقاءات مع الاحزاب اللبنانية خلال هذه الزيارة. لذلك، ليس معقولاً ان يقفز لودريان فوق كل الاحزاب ليلتقي فقط من يمثل حزب الله”؟

لم يتأخر “حزب الله” في استهداف زيارة لودريان عبر جهات محسوبة عليه. ففي تصريح أدلى به عضو كتلة الحزب النيابية النائب العميد الوليد سكرية، تزامناً مع الزيارة، قال إنها “من باب منع انهيار لبنان، وقد تكون من خلال ضوء اخضر اميركي، وهي تالياً تشبه إبرة المصل لا اكثر، لان الضغط الاميركي سيبقى على لبنان وعلى سلاح المقاومة”.

قد يكون مفهوماً، بحسب المراقبين ان تنتقد جهة غير رسمية زيارة الوزير الفرنسي. لكن من غير المفهوم أو الجائز ان يتولى الانتقاد طرف رسمي على مستوى رئيس الوزراء. وبدا غير مقنع جواب وزيرة الإعلام منال عبد الصمد بعد جلسة مجلس الوزراء الثلثاء الماضي عندما سئلت: هل مرّ كلام الرئيس دياب عن وجود نقص في المعلومات لدى وزير الخارجية الفرنسي، وعن قرار دولي بعدم مساعدة لبنان، مرور الكرام في الجلسة؟ فأجابت: إن الرئيس دياب عبّر عن رأيه في بداية الجلسة، وهو حق له”.

ربما فات الوزيرة التناقض الذي وقع فيه رئيس الحكومة في أيام قليلة. فهو، وفي النبأ الذي وزعته الوكالة الوطنية للإعلام يوم الخميس 23 تموز الفائت حول استقباله وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي لودريان والوفد المرافق صرّح الرئيس دياب: “…شكر الرئيس دياب فرنسا على الدعم الذي تقدمه إلى لبنان”. لكن رئيس مجلس الوزراء وبعد خمسة أيام فقط، أي يوم الثلثاء 28 تموز، انقلب على موقفه السابق، عندما صرّح في جلسة مجلس الوزراء في ذلك اليوم :”كان واضحاً أن زيارته (لودريان) لا تحمل جديداً، ولذلك اعتمد أسلوب التحذير من التأخير بالإصلاحات، وربط أي مساعدة للبنان بها، كما شدّد على أن صندوق النقد الدولي هو الممر الوحيد لأي مساعدة للبنان. بغض النظر عن تحذيرات الوزير الفرنسي، وعن نقص المعلومات التي لديه عن حجم الإصلاحات التي قامت بها الحكومة، إلا أن كلامه مؤشر الى أن القرار الدولي بعدم مساعدة لبنان ما زال ساري المفعول”.

لم يكن دياب وحيداً في الموقف المتشدد من زيارة لودريان للبنان، بل فاقه تشدداً وزير الداخلية محمد فهمي في سؤاله: “أليس من هاتف بين البلدين. كان في إمكانه ان يتلو علينا عبر الهاتف ما قاله ويستغني عن عناء الرحلة”؟

من الجائز التساؤل: لماذا انبرى رئيس الحكومة في شن حملة على وزير خارجية دولة كبرى موصوفة بعلاقاتها التاريخية بلبنان وصداقاتها لهذا البلد، ولم يحذو حذوه رئيس الجمهورية ميشال عون الذي كان مترئساً الجلسة التي هاجم فيها دياب الوزير الفرنسي؟ لا بل إن الرئيس عون أطل في مستهل الجلسة بكلام إيجابي عن لودريان عندما قال: “إن تدبير اعتماد التدقيق الجنائي Forensic Audit كان موضع ترحيب الوزير الفرنسي معتبراً انه بداية فعلية لبناء الدولة”؟

أظهر رئيس الحكومة في تعامله مع علاقات لبنان الخارجية، انه متماهياً مع “حزب الله” الذي يكتفي في اليوم الأول بالاعراب عن موقفه من هذه الدولة أو تلك، لينبري الرئيس دياب في اليوم التالي بالذهاب نحو الموقف نفسه باسمه الشخصي والمعنوي. الأمثلة، بحسب المراقبين كثيرة التي تثبت هذا التماهي. لكن أشهر هذه الامثلة والتي لم يجفّ حبرها بعد، هو انتقاد أمين عام الحزب السيد حسن نصرالله بشدة قبل أسابيع السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا متّهماً إياها بـ”التدخّل” في كل مفاصل الحياة العامة في لبنان وبأنها تتصرف وكأنها “الحاكم العسكري” فيه. وقال نصرالله إن كتلته النيابية ستطلب من وزير الخارجية ناصيف حتي “استدعاء” السفيرة الأميركية و”مطالبتها بالالتزام بالاتفاقيات الدولية”. ثم صدر قرار قاضي الأمور المستعجلة في صور محمد مازح، يمنع وسائل الاعلام المحلية والأجنبية في لبنان من إجراء “أي مقابلة مع السفيرة الأميركية لمدة سنة، تحت طائلة وقف الوسيلة الإعلامية المعنية، عن العمل لمدة مماثلة”.

ثم جاء دور الوزير حتي الذي استدعى السفيرة الأميركية، لكن الاخيرة خرجت بعد اللقاء في قصر بسترس لتقول:” “لقد طوينا الصفحة”. أما الاجواء الملبدة بين دياب والسفارة الاميركية، فبدأت بالانقشاع سريعاً لتتحول “صفاء” خلال أيام على مأدبة غداء أقامها الرئيس دياب في السرايا على شرف السفيرة الاميركية.

المسار نفسه بدأ يتضح بعد الازمة التي أثارها موقف الرئيس دياب من زيارة وزير الخارجية الفرنسي. ففي 30 تموز الماضي، وبعد يومين على انتقاده لودريان، استقبل رئيس مجلس الوزراء وفدا من السفارة الفرنسية في بيروت برئاسة القائمة بأعمال السفارة سالينا غرونيت كاتالانو، منوهاً كما قالت الوكالة الوطنية للاعلام “بالعلاقات اللبنانية الفرنسية العميقة والمتجذرة في التاريخ وفي القيم المشتركة”، ومؤكداً أن “زيارة الوزير لورديان تأتي في سياق تلك العلاقة التاريخية التي تجمع بين البلدين”.

لماذا يلجأ دياب الى الهجوم ثم التراجع سريعاً؟ ليس من تفسير بحسب اوساط في المعارضة سوى أن رئيس الحكومة مضطر لينحني أمام ضغوط “حزب الله” التي لا يريد بدوره ان تذهب الامور بعيداً في التوتر، فيترك على عاتق من وصف بأنه رئيس حكومته، ان “يتجهم” اليوم و”يبتسم” غداً. إنه وضع لا يحسد عليه رئيس الحكومة بأن يتحوّل “مسدساً” يطلق منه “حزب الله” النار على خصومه، لكن الرصاص أصاب حالياً وزير الخارجية الذي هاله أن يتحوّل متفرّجاً في ملعب كان له فيه تاريخ فيما اللاعب من ليس له علاقة بالديبلوماسية إلا بمقدار ما يجعل من لبنان ملعباً للسياسة الخارجية الايرانية.