//Put this in the section

البعاصيري العائد من واشنطن: لا إصلاحات، لا أموال… والعقوبات جديّة

مجد بو مجاهد – النهار

يجول نائب حاكم مصرف لبنان سابقاً الدكتور محمد البعاصيري أرجاء العالم وهو يُدلي بحديث. الخلاصة الثابتة: زمن الازدهار ليس شعاراً مستحيلاً إذا انطلق العمل على استعادة الثقة. عناوين العودة الى “سويسرا الشرق” مع البعاصيري رحلة يُستخلص منها سبل فنّ الطيران بأجنحة بيضاء في مدينة لا يفقد فيها الأولاد أحلامهم. التذكرة مرمّزة بعبارة محدّدة: ضرورة تحقيق إصلاحات.




يبدو البعاصيري من الذين يؤمنون بمبدأ القناعة. لا جوع إلى تولّي مناصب عندما يتناول الحديث باب السرايا. كان هدفه الحفاظ على مركزه نائباً لحاكم مصرف لبنان للمساعدة في اعادة هيكلة المصارف، وفق تأكيده. يُحكى في المجالس السياسية أن اسمه يثير توتّر من لا يريدونه… فأبعدوه عن نيابة الحاكميّة بواسطة مندوبهم. لا يحبّذ المرجع المصرفيّ الدخول في تفاصيل السياسة. وعندما يشعر بأن الحوار العلميّ يحتاج استراحة، يتحدّث في أم كلثوم وبليغ حمدي. وفي وقت تغرق حكومة لبنان متفرّجة – عاجزة أمام أزمات تقابلها على طريقة poker face، كان البعاصيري يطير فوق سماء واشنطن في جولة مهمّة التقى خلالها مسؤولين بارزين في الإدارة الأميركية، وعُلم أنها بحثت الوضع اللبناني وسبل الانقاذ.

من هنا نبدأ. الأحزمة شُدّت… ورحلة الأسئلة أقلعت! المحطّة الأولى: كواليس الجولة وخلاصاتها والشخصيات التي شكّلت محورها. يروي البعاصيري لـ”النهار” التفاصيل في قوله إنّها “كانت رحلة عمل زرت أصدقائي على هامشها بصفتي الشخصية في وزارة الخارجيّة ووزارة الخزانة الأميركية والتقيت أصدقاءً من البنك المركزي الأميركيّ في نيويورك. وقابلت المسؤول عن ملف مكافحة تبييض الأموال وتمويل الارهاب في وزارة الخزانة الأميركية في إطار زيارة عمل تضمّنت جولة أفق حول القطاع المصرفي اللبنانيّ. ويتمثّل الانطباع الاساسيّ الذي يمكن استخلاصه من الزيارة بأنّ وزارة الخزانة مطّلعة تماماً على الوضع المصرفي في لبنان وصعوبته، وأنّ الحكومة بحاجة الى اتّخاذ إجراءات إصلاحية جذريّة، بما في ذلك إعادة هيكلة القطاع المصرفي ورسملته في ظلّ حاجة ماسّة لاستعادة ثقة المودعين والمجتمعين العربي والدولي. كما التقيت مسؤولين كبار في وزارة الخارجية الأميركية من بينهم مساعد وزير الخارجية ديفيد شينكر، واستعرضت خلال اللقاء الوضع اللبناني وتبادلنا وجهات النظر في الموضوع الاقتصادي والنقدي والمالي والمصرفي”.

يربط البعاصيري بالولايات المتّحدة علاقة صديقٍ بدولة عُظمى من جهة وعلاقة مواطنٍ لبنانيّ – أميركيّ بوطنَين أبوَين من جهة ثانية. هو يقول عندما يذهب باتّجاه رسم وصف هذه العلاقة إنّ “صداقاتي ولدت على مدى 20 سنة خلال فترة عملي في مصرف لبنان. وقد عشت نصف حياتي في الولايات المتحدة وأزور أصدقائي بصفتي الشخصية كمواطن لبناني – أميركي لا يمثّل أحداً أو يتحدّث باسم أحد خصوصاً أنني لا أملك صفة رسمية في الوقت الحاليّ”.

تكلّل الهدف الأساسيّ من الجولة في بحث سبل الخروج من الأزمة الاقتصادية اللبنانية. ويؤكّد البعاصيري أنّ “الجولة بحثت آفاق الحلول وإجابة جميع الذين التقيتهم كانت واضحة: لا إصلاح، إذاً لا أموال. أما الاصلاحات المطلوبة معروفة متمثلة على سبيل المثال لا الحصر بحلّ أزمة الكهرباء. يعلم الأميركيون جيّداً أنّ نسبة الدين في القطاع الكهربائيّ تمثّل تقريباً 50% من الدين العام مع عجز تراكميّ سنويّ يُقدّر بملياريّ دولار. ويعلمون أن الكهرباء غير متوافرة في لبنان، علماً أن مؤتمر سيدر لم ينجح لأنّ الدولة اللبنانية التزمت بإصلاحات لم تنفّذها في قطاع الكهرباء تحديداً؛ وهذه المسؤولية لا تتحملها في رأيي الحكومة الحالية وحدها، بل كامل النظام والحكومات والمجالس النيابية السابقة. وإذا كانت الحكومة لم تُراكم العجز إلّا أنّها فشلت بعدما وعدت في حلّ المشكلة. ويُذكر من الإصلاحات المطلوبة أيضاً، تحقيق استقلالية القضاء ومكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة. وتُترجم الإصلاحات أيضاً في إعادة هيكلة القطاع المصرفي، إذ أن تأمين قطاع مصرفي سليم يساهم في نهضة الاقتصاد اللبناني مجدداً. وتنفّذ من طريق ضبط المرافق الحيوية وإقفال المعابر غير الشرعية ومكافحة التهريب والتهرّب”.

وعن العقوبات وامكان أن تطال في مرحلة مقبلة أسماء لبنانية، يشير البعاصيري إلى أنّ “هذا الموضوع مهمّ جدّاً بالنسبة الى الادارات المعنية في وزارة الخارجية ووزارة الخزانة الأميركية. وبرأيي، يعمل المعنيّون عليه جاهدين ويتعاملون بجديّة في تنفيذ عقوبات استناداً إلى قانون قيصر وقانون ماغنيتسكي لكنني لست معنيّاً بالأسماء أو بتوقيت الصدور. إنّ الهدف من الزيارة بالإضافة الى مواعيد العمل، كان البحث في سبل مساعدة لبنان”. وفي ما يخصّ طلب السلطة اللبنانية استثناءات عن قانون قيصر، يستخلص بأنه تولّد لديه انطباعٌ بأن “المطلوب من الحكومة اللبنانية أن تركّز الجهود على موضوع الإصلاحات بما فيها الكهرباء”.

نغوص مع نائب حاكم مصرف لبنان سابقاً في مقاربته الشخصية والخاصة حول ضرورة تشكيل حكومة جديدة، فإذ به يقول: “في رأيي، يكمن العنصر الأهم في استعادة الثقة التي تتطلب حكومة جديدة تعمل على الاصلاحات وتستعيد توازياً العلاقات الطبيعية والجيّدة مع الدول العربية والمجتمع الدولي الذي يساعد لبنان تقليديّاً. أعتقد أن غالبية اللبنانيين فقدوا الثقة بالحكومة. يريد الشعب اصلاحات وكهرباء ويعلم أن مليارات أنفقت على هذا القطاع من دون جدوى”. أمّا الأمل بعودة زمن الازدهار والبحبوحة، فليس حلماً مستحيلاً استناداً إلي البعاصيري الذي يشدّد على أنّه “اذا كانت الثقة حاضرة… فإنّ كلّ شيء سيعود لكن ليس بين ليلة وضحاها”.

إذا كان المطلوب طاقماً ماهراً على متن طاولة السلطة التنفيذية، هل يكون البعاصيري القبطان بعدما تداول اسمه اعلامياً لتولي رئاسة الحكومة؟ وهل باستطاعته تحقيق الوصول الآمن؟، يؤكّد أنّه “لدي خطّة للانقاذ لكن طموحي ليس تولّي منصب رئاسة الحكومة أو منصب سياسي وإنما أطمح أن أكون في خدمة لبنان، ذلك أنّ الشأن الأساس هو المساعدة في الانقاذ. أما المنصب كعنوان ولقب فهذا موضوع ثانوي. لا يعنيني المنصب بقدر ما تهمني مهمة خدمة لبنان في أي موقع، وهذا ليس شعراً بل حقيقة أؤمن بها. ختاماً، لدى البعاصيري القاعدة الذهبية: “الإصلاحات قبل الأموال… لا إصلاحات، لا أموال”.