//Put this in the section

في ضرورة حسن نصر الله إسرائيلياً

صبحي حديدي – القدس العربي

ليس كثيراً على “حزب الله” اللبناني (وللصفة دلالة خاصة هنا، ضمن مقاربة هذه السطور تحديداً) أن يفاخر بتفصيل واحد على الأقلّ، ضمن تفاصيل الواقعة الأخيرة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي في كفر شوبا ومحيط مزارع شبعا: أنّ الحصيلة انتهت على مستوى المنازلة اللفظية، وحدها تقريباً؛ ولم تتفاقم إلى قصف إسرائيلي موسّع بأيّ معنى يصبّ الزيت على مآزق الحزب، في علاقته الراهنة مع المجتمع اللبناني ومشكلاته وهمومه ومآسيه اليومية.




ذلك لأنّ العكس، أي تنفيذ قصف إسرائيلي أشدّ على الجنوب، يطال أيضاً تلك “الأهداف الحيوية” التي تهدد دولة الاحتلال باستهدافها في كلّ حين؛ لم يكن سيتكفل بخرق “قواعد الاشتباك” الصامدة منذ 2006 رغم كلّ الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة أو التي لم تتوقف عملياً، فحسب؛ بل لعله كان سيطيح بتلك القواعد تماماً، وسيتيح استبدالها بأخرى ليست في صالح الحزب: اللبناني مجدداً، الحاكم في لبنان، المهيمن على الحكومة، المسؤول فيها عن الصحة في أزمنة الكورونا، إذا وضع المرء جانباً اعتلالات لبنان البنيوية الأخرى الكبرى.

والحال الراهنة من “توازن الردع”، المتفق عليه بين الحزب ودولة الاحتلال، تعيد إلى الأذهان تلك المفارقة الفريدة التي عقدها، ذات يوم غير بعيد، المعلّق الإسرائيلي ألوف بِنْ؛ بين: 1) صاروخ فلسطيني من طراز “القسام”، مادّته الانفجارية خفيفة وبدائية، وأمديته تُحسب بحفنة كيلومترات، يسقط على سيدروت أو عسقلان، ولا يخلّف إلا جرح مستوطن أو تحفير طريق إسفلتي؛ و2) صاروخ من طراز “سكود”، محمّل برأس كيماوي، يمكن أن يطلقه النظام السوري فيصيب تل أبيب، ويوقع مئات الإصابات. ولقد استخلص بن أنّ الصاروخ الأوّل هو الأخطر، لا لشيء إلا لأنّ الثاني لن ينطلق في كلّ حال، فعواقب إطلاقه ستستدعي من دولة الاحتلال ردوداً عنيفة أشدّ فتكاً من أن يتحملها النظام السوري.

مقارنة بن كانت تقول إنّ الحكمة ليست في التكنولوجيا التدميرية للصاروخ ذاته، بل في الأصابع التي تضغط على زناد الإطلاق، ولماذا ومتى يصدر الأمر بالضغط؛ وانتقل بالتالي إلى استنتاج آخر ذي صلة، هو حاجة الاحتلال إلى حسن نصر الله فلسطيني/ غزّاوي/ حمساوي، يضبط صواريخ “القسام”، تماماً كما يفعل حسن نصر الله اللبناني مع صواريخ الـ”كاتيوشا” على امتداد الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية. في قراءة أخرى، كان بن يحلم بوضع صواريخ “القسام” قيد السياسة، وليس وضع السياسة رهينة تلك الصواريخ؛ على غرار النهج الذي اعتمده نصر الله، وفرضه “حزب الله”، بعد وخلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب: سلاح واحد/ قانون واحد.

أكثر من هذا، اعتبر بن أنّ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان سنة 2000 لم يكن راجعاً إلى جرأة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، إيهود باراك، فحسب؛ بل كان، كذلك، يدين بالكثير لسياسة نصر الله في فرض وحدة القرارَين السياسي والعسكري، سواء بسواء. وللمرء أن يتخيّل مقادير الحرج الأخلاقي التي كان الحزب سيعاني منها، فوق ما عانى ويعاني لتوّه، لو أنه أرسل ميليشياته للقتال في صفوف النظام السوري، بينما الاحتلال الإسرائيلي يسرح ويمرح على أرض الجنوب. كانت المقاومة يومها جديرة ببعض اسمها، حين تخوض عمليات واضحة ضدّ الاحتلال؛ ولكنها، بعد الانسحاب الإسرائيلي وانخراط الحزب في قتال الشعب السوري، لم تعد جديرة إلا بتسمية بين أهلّة، زائفة وكاذبة ومفرغة من أيّ محتوى ملموس.

والحال أنّ قرار خرق قواعد الاشتباك رهن بشخص نصر الله، المرتهن بدوره إلى القرار الأمّ الذي يصدر حصرياً عن “صاحب الزمان ونائبه بالحقّ الوليّ الفقيه”، حسب تعبير الأمين العام للحزب. وما دامت السياقات المحلية والإقليمية، في الضاحية الجنوبية كما في طهران، لا تسمح بمواجهة مفتوحة واسعة النطاق مع الجيش الإسرائيلي، فما بالك بحرب شاملة، فإنّ السلم حتى إشعار آخر هو القاعدة؛ التي لا تجبّ، مع ذلك، خوض “المنازلة” الأعتى على صعيد اللفظ!