//Put this in the section

اصطفاف سياسي حول سد بسري وضده… فأين ”القطبة المخفية”؟

منال شعيا – النهار

إنها ذريعة “جرّ المياه إلى أهالي بيروت والضاحية”، التي لا تزال تتحكم بمصير سد بسري، وسط كمّ هائل من الابتزاز السياسي والصفقات والضغوط.




فأي سد شهير هذا تراد به كل هذه المعركة، منذ اللحظة الأولى لإقرار القرض المتعلق به في مجلس النواب؟ منذ تشرين الأول 2015، وشد الحبال على سد بسري مستمر، انما بالتأكيد، ليس السد في ذاته هو جوهر القضية، بل ما وراءه من أموال وحسابات وتنفيعات.

علمياً، لم تنفع الحجج والمبررات في تلميع صورة المدافعين عن السد، بل على العكس زادتها صعوبة، اذ يكفي الإشارة الى قاعدة بسيطة – علمية تقول ان أي جر للمياه ستكون ملوثة بجراثيم ومعادن، فضلاً عن ان عدداً كبيراً من الدراسات يؤكد ان أرض مرج بسري قائمة على فوالق زلزالية، فأين الرد العلمي؟

ثم هل بعد من لا يعلم ان نهر الليطاني هو اكثر الأنهر تلوثاً، وباعتراف الرسميين انفسهم، فلمَ هذا الإصرار على جر المياه من هذا النهر، بدل معالجة التلوث؟

الأخطار العلمية

وفي السياق العلمي نفسه، اختصرت “الحركة البيئية اللبنانية” الاخطار من وراء سد بسري، وابرزها:

“الخطر الأول، على السلامة العامة، بسبب محاذاة السد لفالق روم الناشط زلزالياً ولاحتمال إنزلاق التربة الرملية من سفوح الجبال مما يؤدي إلى تهجير الأهالي من قراهم وأراضي أجدادهم .

الخطر الثاني، الكلفة العالية لإنشاء السد. اذ ان كلفة إنشاء السد قد تصل إلى مليار دولار ومئتي مليون فضلاً عن الأعباء المترتّبة على الخزينة بسبب جر مياه الأولي إلى بيروت .الخطر الثالث، عدم جدوى تجميع المياه بسبب طبيعة الأرض الكارستية المتشققة والمتكسرة، مهما كانت التقنية المعتمدة لمعالجة أرضية السد على كامل مساحة أرض البحيرة فهي لن تحفظ المياه بسبب البنية الركامية الهشة للقعر. الخطر الرابع، بسبب تلوث مياه بحيرة السد بالمياه المبتذلة وغيرها من الملوثات التي تسمم الإنسان والمزروعات مثلما حصل في بحيرة القرعون، وستحمل الأمطار والسيول كل أنواع الملوثات من القرى المحاذية للسد .الخطر الخامس، خسارة الأراضي الزراعية، أي حوالى 5.6 ملايين متر مربع من التربة الخصبة التي تنمو فيها أشجار الصنوبر والزيتون المعمًرة وفيها عشرات المشاريع الزراعية التي يقدر مردودها السنوي بعشرات الملايين من الدولارات سيتم القضاء عليها مقابل تعويضات مادية ضئيلة لأصحاب هذه الأراضي .الخطر السادس، القضاء على الإرث الثقافي بسبب احتواء المرج على آثار تعود لفترات تاريخية متنوعة من آثار فنيقية، رومانية، بيزنطية، مملوكية وعثمانية، إضافة إلى وجود آثار دير القديسة صوفيا وكنيسة مار موسى الحبشي .الخطر السابع، بسبب الضرر البيئي الناتج من القضاء على التنوع البيلوجي وخطر تغيّر المناخ في قضاءي الشوف وجزين بفعل قطع مئات الآلاف من الأشجار وازدياد نسبة الرطوبة بسبب التبخر”.

ما فرّقته السياسة

منذ اللحظة الأولى، لم تكن قضية سد بسري، قضية بيئية بحتة، فالاصطفافات السياسية حولها بدأت تحوم منذ البدايات، وكانت تشتد تبعاً للظروف والعمل على الأرض، لا سيما بعد ارتفاع موجة الغضب والرفض من انشاء السد وتنظيم اكثر من مجموعة ضاغطة، فكانت في الوقت نفسه ترتفع الردود السياسية، حتى بات يمكن الحديث عن خريطة لتوزع القوى من انشاء السد.

وليس عجيباً ان كل ما فرّقته السياسة بين “تيار المستقبل” و”حزب الله” جمعه السد، من ناحية الدفاع المستميت عنه من جانب الطرفين المتصارعين سياسياً، وكأن في المسألة حباً سياسياً ومنفعة مشتركة تتخطى بالطبع ذريعة “جر المياه الى بيروت”.

فأي إصرار هذا؟

ان إصرار “المستقبل” على السد قديم، لا بل يعود الى زمن، إلى28 آذار 2014، لا بل قبل ذلك بكثير، حين كانت تجرى اتصالات بشأنه مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري في تشرين الثاني 2004 والنائب الشهيد باسل فليحان اللذين أبديا حماسة له من دون تحفظ، واقتنعا بفائدته.

ولاحقاً، كان ثمة اقتراح ان “يحمل سد بسري اسم سد رفيق الحريري” وأن يحمل الناقل الرئيسي لمياه الشرب من السد الى بيروت اسم قناة باسل فليحان.

اما المعارضة الشرسة التي تأخرت في الظهور، فكانت من جانب “القوات اللبنانية”، والتي حمل لواءها أخيراً النائب جورج عدوان، لما لهذا الموقف اكثر من دلالة، لكون عدوان رئيساً للجنة الإدارة والعدل، وبات بحوزته اكثر من ملف ودراسة عن مدى تأثير تلوث الليطاني على المياه، ومدى انعكاس ذلك الخطير، ليس فقط على سد بسري، وانما على قضايا بيئية أخرى لا تقل أهمية.

وفي انتظار ان يكشف عدوان عن كل المعطيات التي باتت بحوزته، هو رفع السقف في مؤتمره الصحافي الأخير، في انذار الى ان المعركة ضد السد بدأت عند ” القوات” وستتطور.

بالطبع، ليس جديداً او مهماً تتبع تطور مسار موقف “التيار الوطني الحر”، فالخطة العشرية للسدود وفشل استراتيجية هذه السدود باتا عنوان المرحلة الأخيرة التي طبعت تسلم “التيار” لوزارة الطاقة منذ ما يزيد على العشرة أعوام، فهل نتحدث عن سد بريصا ام سد عين دارة ام سد جنة؟! هي “استراتيجية” السدود عند “التيار” والتي سيقوّمها التاريخ جيداً، مع كل تأثيراتها البيئية والاجتماعية والمالية.

يبقى موقف الحزب التقدمي الاشتراكي الرافض بقوة لانشاء السد، لا سيما بعدما تجلّى اعتراض النائب تيمور جنبلاط بشدة، مما ولد دينامية في صفوف الحزب الاشتراكي و”اللقاء الديموقراطي” تجاه رفض السد، والتي لم تكن موجودة سابقاً.

إنه ” بازل” سياسي ستتعقد تركيبته اكثر، كلما اقتربنا من أيلول: الموعد الجديد للحكومة مع البنك الدولي، فهل ستظهر بعد قطبة مخفية في موضوع السد؟!