//Put this in the section
فارس خشان

جولة على أنقاض دولة لبنان – فارس خشّان – الحرة

حقق لبنان إنجازا كبيرا، في الأشهر القليلة الأخيرة. ففيما تبرز حاجة البلاد إلى تدفق مالي كبير للخروج من الهاوية التي سقطت فيها، تأكد أن لبنان، وفي ظاهرة دولية نادرة، قد حقق خسائر ضخمة، على مستوى “المال الموعود”.

لقد تبيّن أن مؤتمر “سيدر” الذي انعقد في باريس، في أبريل 2018، وبعدما كان قد خصص للبنان أكثر من 11 مليار دولار أميركي، في إطار خطة تهدف الى إنقاذ “بلاد الأرز” ماليا واقتصاديا، قد تراجع عن “المال الموعود” الذي تقلّص، في سنتين وثلاثة أشهر، إلى أقل من أربعة مليارات.




هذه الخسارة الواقعية من “الأموال الموعودة”، لم تجد شخصا واحدا يتحمّل المسؤولية.

حتى أن وزير الخارجية اللبناني ناصيف حتّي، وهو يعلن عن هذا الفجيعة في مقابلة تلفزيونية، لم يتخلّ عن ابتسامة الفخر التي ترتسم على شفتيّ الطبقة المستجدّة من سكّان “البرج العاجي”، ولم يشعر أنه معني، من موقعه كصلة الوصل الرسمية بين لبنان والمجتمع الدولي، فهو أيضا ينتمي إلى الفئات السياسية اللبنانية التي تتنصّل من المسؤولية اعتقادا منها بأنّ اللوم يقع على غيرها، ووظيفتها تقتصر على هذه الغزارة المملّة في تكرار فعل “يجب” والتذكير بالسيرة الذاتية التي يُعاقَب كل من لا يحفظها “عن ظهر قلب”.

الوزير نفسه لم يجد حَرَجا، وهو يعلن، من موقعه في السلطة التنفيذية، “أننا في لبنان نتحوّل تدريجا من دولة في طريقها إلى الفشل إلى دولة فاشلة”.

لم يعد اللبنانيون، من كبيرهم إلى صغيرهم، يعرفون الفارق بين من هم في السلطة ومن هم في المعارضة، ولا الحدود الفاصلة بين من يُقرّر ومن يُحلّل، ولا التمايز بين الوزير والأستاذ.

ولا لوم على اللبنانيين في ذلك، فهم، مثلا، لم يعودوا يدركون، بفعل هيمنة “حزب الله”، الفواصل الحدودية بين سوريا ولبنان، فإن قتلت إسرائيل عنصرا من “حزب الله” في دمشق، فالرد عليها، وحرصا على استقرار بشّار الأسد في كرسيه المهزوز، يكون من بوابات الجنوب اللبناني، من دون أن أي اكتراث بما يتسبّب به رفع منسوب التوتّر ورفع رايات الحرب، للبنان من تعميق للحفرة التي دُفع دفعا إليها.

كما أن اللبنانيين لم يعودوا يعلمون إن كان منصب وفيق صفا، مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في “حزب الله” أهم من منصب محمد فهمي، وزير الداخلية والبلديات في الجمهورية اللبنانية، حتى يتوسّط فهمي لدى صفا.

ولا أحد يهتم بانعكاسات استنجاد وزير الداخلية بمسؤول في حزب يثير الكثير من الانشقاقات الداخلية، على سلامة المعارضين وحريتهم، وعلى استقامة الإجراءات الأمنية، وعلى حيادية الخدمات العامة.

وممنوع على اللبنانيين أن يروا فرقا بين “حزب الله” وبين الطائفة الشيعية، فإذا جاء، في 7 أغسطس المقبل، الحكم المقرر في ملف اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري ضد المتهمين الأربعة الذين ينتسبون الى الحزب، فهذا يجب أن يعني أنّ الحكم صدر ضد الطائفة الشيعية كلّها، مما يدخل ـ وفق الخطاب الرسمي ـ لبنان في فتنة سنية ـ شيعية.

حتى يبدو، من جرّاء هذه الأدبيات التي اعتمدها كبار المسؤولين اللبنانيين، أن رفيق الحريري لا علاقة له بجميع اللبنانيين الذين نزل مليونهم إلى الشارع في 14 مارس 2005، مطالبين بالعدالة، وأن “حزب الله” كان قد نال “باستفتاء سرّي” موافقة الطائفة الشيعية على اغتيال الحريري، في حال جرّمت المحكمة الخاصة بلبنان المتهمين الموصوفين بأنهم من مناصري الحزب.

والأدهى من كل ذلك أنه في لبنان بات الفعل السلطوي ولّاد كوارث، فيما فقد الكلام معانيه.

لا أحد يستمع إلى ما يقوله الآخر. الجميع يتكلّم في الوقت نفسه. الوقائع وجهة نظر، المواقف أصوات عالية، الحقوق في مهب الريح، الدستور خرقة، المواقع مسرح دمى، الوزراء “شاهد ما شفش حاجة”، رئيس الحكومة ندّاب مآتم، رئيس الجمهورية ضعيف برتبة قوي، مجلس النواب ثرثار، “حزب الله” ميليشيا إيرانية برتبة “مقاومة”، المصارف تتحكّم بأموال لا تملكها، المودعون أثرياء على الورق، الطاقة الاغترابية منهوبة، الكهرباء تفرغ الخزينة بدل أن تنير المنازل، فيروس كورونا الذي سبق ولحقت به هزيمة نكراء وشيّدت القصائد بقائد الحرب ضدّه، يجتاح لبنان، الثورة الشعبية تنظيم سياسي، والمعارضة، وهي تنتظر في الصف دورها السلطوي، تكتفي بتسجيل المواقف “المدوزنة”، والطوائف مستنفرة على خطوط التماس المنبرية، والمروج للسدود الفاسدة وشرفات المنازل للزراعة.

لا حلول مرجوّة في ظل هذه الفوضى. حتى العسكريتاريا لم تعد تجدي نفعا، لأن من تسلّمه حريتك، يجب أن يسلّمك دولة، والعسكريتاريا في ظل “الميليشياتياريا” لا استعداد لديها لاسترداد الدولة.

ودعاة السلم في لبنان، أصبحوا دعاة استسلام أنتج الكوارث. هؤلاء روّجوا لاستقرار يقوم على معادلة وطنية مختلّة. وهذه المعادلة أسقطت موقع لبنان في العالم، لأنها أطلقت يد “حزب الله” ليكون حيث يجب ألا يكون، فجرّ على البلاد والعباد مشاكل مكلفة حتى مع الأصدقاء التاريخيين.

ومع ذلك، إن اللاهثين إلى المناصب في لبنان أكثر من الهم على القلب. ليس فيهم من يخشى ممّا سيكتبه التاريخ، لأن التاريخ، أصلا لن يذكرهم. كل همهم محصور بالصفات التفخيمية التي يعتقدون بأنها ستلتصق بهم حتى النفس الأخير. ليس في ذاكرتهم تجربة لبنانية، علّقت نظراءهم على المشانق، أو ساقتهم إلى المقصلة، أو رمت بهم في السجون.

والشعب يتوهم أنه وجد الحل، بإعادة الاعتبار إلى الهجرة، من دون أن يسأل عن الوجهة، ومقبوليتها، ونتاجها، وتضحياتها الجسام.

الجميع تائه، والتائهون لا يصنعون وطنا، بل يمضون العمر، وهم يتجادلون حول الوجهة الأصح التي يجب أن يسلكوها.

الحل الوحيد لمن يواجه الموت، مثل الشعب اللبناني، أن ينتفض لكرامته، وينتهج نصيحة المتنبي الذي لم يجد دواء شافيا من الموت المحتوم سوى الموت بجرأة الكرامة.

من يجرؤ أن يستقيل؟ من يجرؤ أن يواجه؟ من يجرؤ أن ينتفض؟ من يجرؤ أن يصفع متخاذلا؟ من يجرؤ أن يكتب تاريخ الأذلاء؟ من يجرؤ أن يحاول إنقاذ لبنان وشعبه؟

إن اللبنانيين يحتضرون ومع ذلك يقودهم هؤلاء الحكماء الذين ينصحونهم أن يموتوا… جبناء!