//Put this in the section

أيّ لبنان نريد؟! – كاتيا سعد – باريس

لا نريد لبنان “الحلم”، بل نحلم بلبنان “الواقع”!

لا نريد لبنان “بلاد الأجانب”، بل نطمح بلبنان الذي يتغنى به “العالم الخارجي”!




نريد لبنان الذي هو “منبع الأعجوبة”، لا لبنان الذي جعل منه السياسيون “بلد العجائب”!

نريد لبنان الذي يشهد له “بغناه” الديني والثقافي والاجتماعي وحتى العلمي، لا لبنان “الفقير” بحكمة رجال سلطته وجهل أبنائه!

آه لو يعلم أهل السياسة الكرام، بأي لبنان نريد أن نعيش!
لسنا بطمّاعين مثلهم، بل نريد لبنان الذي يؤمّن لأبنائه حقوقه الأساسية، ومنها على سبيل المثال:

أولاً، في مجال الطب. أن يكون التطبيب مجانياً أو بسعر “رمزي” للكبار في السن، وبطريقة متساوية للفئات العمرية الأخرى. فمن غير المسموح في عام ٢٠٢٠، أن يكون سبب الوفاة “موت على باب الطوارئ، أو على باب المستشفى لعدم تأمين المال”. هذا وأن يطبّق “قانون الضمان الاجتماعي” بشكل فعلي، وليس “ع ناس وناس”.

ثانياً، في مجال الطاقة. للتذكير نحن في العام ٢٠٢٠، ماذا يعني؟ يعني بأنّه من البديهي أن تضيء الكهرباء ٢٤/٢٤ كل المنازل، وليس فقط منازل أهل السياسة وأقرباؤهم ومن تجمعهم بهم بعض المصالح، كما كل المناطق وليس تلك التي تقيمون فيها ومكان تواجد مكاتبهم. “أعوذ بالله” من التكبّر على أضواء الشموع “الرومنسية”، ولكن فلنترك هذه الأحوال لوقتها.

ثالثاً، في مجال التعليم. أن يكون التعليم متاحاً للجميع. وهنا حدّث ولا حرج سواء المدرسي أو الجامعي. لماذا لا تتساوى السمعة الحسنة في الضمانات التي تقدّم لأساتذة التعليم الرسمي مع المستوى التعليمي؟ “ما شاء الله” موظفو القطاع الرسمي يتقاضون (دون التعميم) أجوراً تكاد تفوق أضعاف ما يقدّمونه في العلم والتعليم. أما في التعليم الجامعي الرسمي، باستثناء بعض كليات الجامعة اللبنانية، من المهم التقليل من الاستهتار واللامبالاة في دعم هذا القطاع: ثمة مجالات تحتاج إلى مواد تُدرّس بلغات أجنبية، وتحتاج إلى المنهج النظري والتطبيقي، وهو ما يغيب مع الأسف في مناهج بعض الكليات. هذا دون أن ننسى نقطة مهمة، ألا وهي رفض العديد من الجامعات الخاصة تعديل شهادة الجامعة اللبنانية، ما يعني دخول الاختصاص كطالب جديد. وهل يعلم القيّمون على وضع ميزانية التعليم الجامعي، بأن تكلفة التعليم الخاص “جنونية”. ونشير هنا إلى أنّ الدافع لسفر البعض إلى الخارج لمتابعة تعليمه ليس حباً بالتباهي، بل لأنه غالباً ما تكون التكلفة بين التعليم والإقامة أقل كلفة، أو بما يوازيها، من أقساط السنوات الدراسية في جامعة خاصة في لبنان.

ولكن، وليكن الحكم موضوعياً، المسؤولية تقع أيضاً على المواطن.
يا عزيزي اللبناني، فلترأف قليلاً بحال الطبقة السياسية، والتفت إلى ذاتك. تعلّم أن تعيش على قدر ما تسمح ميزانيتك بذلك. لا تنظر أبعد مما يسمح لك نظرك بأن تشاهده بوضوح. لا تكابر على القيام بأعمال تخدش الprestige لديك، في حين لو تطلّب الأمر ذلك وأنت في الخارج، ستمارسها و”ع قلبك متل العسل”. لا ترمي كل شيء على السياسة، وتنسى أنك شريكاً أحياناً في هلاك الوطن.

استرخي قليلاً وأنت تمارس طقوسك اليومية، ولا بأس إن قمتَ بين الحين والآخر بتقليص تضخّم أعمال “الأنا”: لا بأس في امتلاك سيارة واحدة بدل من اثنين أو ثلاثة؛ امتلاك شقة واحدة بدل أخرى في الجبل وشاليه على البحر؛ سهرة مرة كل اسبوعين او كل اسبوعين بدل مشاريع على مدار الأسبوع… ثمة فئة بالفعل “تموت من الجوع” بفعل لاإرادي، وثمة أخرى تقتل نفسها بيدها وهي تعاني من آفة المظاهر.

نحن نريد لبنان الذي لا يصدّر فقط أدمغة إلى الخارج، بل ذاك الذي يصدّر ثقافة شعب تكون أبعد ممّا بتنا نسمعه اليوم “انتو شاطرين بمجال عمليات التجميل”. حسناً لا بأس بالتجميل، ولكن ليس هذا هو لبنان. نريد أن يبقى لبنان منفتحاً من الناحية الدينية، الثقافية والمجتمعية ولكن لا نريد لبنان التعصّب و”الواسطة”. نريد لبنان الذي يتخّذه الخارج مثالاً في الصمود وإعادة الإعمار، في إمكانية التجوّل بسهولة بين بحوره وجباله، لا لبنان الذي ينذلّ للخارج ليشحذ مال المغتربين والمستثمرين العرب والأجانب، لأن مالنا “المحلي” تبخّر على أيدي طبقتنا الحاكمة.

نريد أن يستمتع لبنان بنفسه: كيف أنه لا تخلو بقعة من العالم، من تواجد اللبناني على أرضها؛ لا تمرّ سنة وإلا ويرتفع علم لبنان في الخارج، بفضل تحقيق إنجاز جديد لمواطن لبناني أو تولّي منصب سياسي – دبلوماسي؛ ولا ننسى بالتأكيد إطلاق بعض الدول على إحدى شوارعها اسم لبنان أو بيروت منها: في أميركا، تمّ إطلاق اسم “لبنان” على بلدة صغيرة في ولاية نيو هامشاير الأميركية؛ و”ساحة بيروت” اسم أطلق على أحد أشهر شوارع العاصمة الفرنسية باريس؛ ومؤخراً حمل أحد شوارع إمارة أبو ظبي (الإمارات العربية المتحدة) اسم “بيروت”.

فها هو الخارج يتغنى بلبنان، والداخل بطاقمه السياسي يحفر له قبره. مليارات الدولارات تُنفق عالمياً من أجل الاختراعات بكافة المجالات، وفي لبنان مليارات مسجّلة من أجل مشاريع إنمائية – رئيسية كالمياه والكهرباء والتعليم وغيرها من القطاعات و”الله أعلم” أين توظّف تلك الأموال، والمشاريع “صفر”. اليوم، العالم كله يتطلّع للنهوض واحتلال مركزه في سلّم التطور والتقدّم، أما لبنان “الله يخليلو” هذه الطبقة السياسية التي تدفعه نحو الحضيض. ولكن كالعادة، لا مكان للإستسلام!!