//Put this in the section //Vbout Automation
حازم الأمين

لبنان: النهاية الثالثة والأخيرة – حازم الأمين – الحرة

في لبنان نحن أمام نهاية قصة. هذه القصة بدأت قبل ١٠٠ عام تماماً، أي في العام ١٩٢٠، وها نحن نشهد نهايتها. لم يعد من مؤشر واحد يمكن التعويل عليه لتوقع النجاة. الانهيار المالي الهائل ليس سوى تتويجاً لانهيارات متلاحقة رحنا في السنوات الأخيرة نشيح النظر عنها. لبنان هذا، يقاتل في سوريا، ولبنان يستدين من نفسه ليراكم سياسيوه ثرواتهم، ولبنان الذي فشل في تحقيق إجماع واحد بين جماعاته الأهلية، ولبنان الفاسد والفاشل والعاجز. كل هذه المؤشرات كانت بدأت تلوح من سنوات طويلة، إلى أن حلت النهاية. واليوم تحكمه سلطة متشكلة من كل هذه العناصر بعد أن جرى تكثيفها.

الانهيار لم يقتصر على البنى السياسية الظاهرية، من أحزاب وزعامات ومواقع، الانهيار وصل إلى جوهر البناء الذي قام عليه البلد في العام ١٩٢٠، والذي توج بميثاق العام ١٩٤٣. لبنان السرية المصرفية والقطاع المصرفي انتهى إلى غير رجعة. وكانت نهاية مظلمة. أقدم أصحاب المصارف على السطو على ودائع الناس. نهاية لا عودة بعدها.




لبنان قطاع الخدمات انتهى أيضاً. المطاعم المفلسة تُطعم روادها دجاجاً فاسداً! هذا الأمر الذي اكتُشف قبل أيامٍ قليلة، مارسته الشركة التي تبيعنا الدجاج على مدى أربع سنوات من دون أن يلاحظه مراقب أو مدقق.

لبنان التعليم الحديث والجامعات المتقدمة في التصنيفات العالمية هوى أيضاً. أقوى الجامعات في بيروت، وهي الجامعة الأميركية، تعيش أزمة وجودية كبرى، وهي أقدمت على حماقة تؤشر إلى ترنح ادارتها، وإلى انتقال عدوى الفشل والفساد إليها. أما الجامعات الأخرى فأزماتها أكثر فداحة، ومصائرها مجهولة، ولا أثر لمنقذ.

الخراب جوهري، ولسنا هنا حيال صدوع يمكن رأبها. فتلك القطاعات كانت وظيفة لبنان، وهي الحاجة التي جعلت منه بلداً ممكناً على رغم ما اعترى التجربة ضعف ونقص. المدافعون عن لبنان اليوم، عن ماذا سيدافعون؟ أي حاجة يلبيها لهم هذا البلاد؟ حماية الأقليات؟ لم تعد هموم العالم مصبوبة على أقليات المشرق على نحو ما كانت في سنوات التأسيس. النموذج الذي يسعى العالم لتقديمه للشرق بصفته اقتراحاً؟ لبنان لم يعد نموذجاً ولا اقتراحاً، بل على العكس، إذا أردت أن تصور الفشل والفساد والاستتباع فما عليك إلا أن تشير إلى لبنان. فحين نقول إن لدى فرنسا مثلاً رغبة بإنقاذ لبنان، نكتشف أن هذه الرغبة مترافقة مع شروط يقتضي تحقيقها ولادة دولة جديدة. دولة من دون حزب الله ومن دون سعد الحريري وجبران باسيل ونبيه بري. دولة “كلن يعني كلن”.

والغريب أن فرنسا تطلب من هؤلاء أنفسهم أن يكفوا عن كونهم أركان الدولة وأركان الانهيار. المهمة غير واقعية، تماماً مثلما لبنان صار غير واقعي. ثم أنه كيف يمكن لدولة عقلاء مثل فرنسا أن تضع يدها في بلد مثل لبنان اليوم؟ لنبتعد قليلاً ونعاين المصيبة! بلد تستمر طبقته السياسية بنهبه إلى اليوم. هذه الطبقة السياسية هي نفسها من ستعود لتولي ملفات الكهرباء والنفايات والنفط، واستئناف النهب. بلد قرر حزب من أحزابه أن يقاتل في بلد آخر، فكان له ما أراد! لسنا هنا حيال قصة فشل عادية، ومن العقل الابتعاد.

إنها النهاية، ولكن الاستعصاء يمتد إلى ما بعدها. في السابق، حين كنا نتوقع “النهاية”، كانت تلوح لنا صور ما بعدها. اليوم التوقع يكاد يكون مستحيلاً! انتهى لبنان الخدمات والمصارف والجامعات والمستشفيات، فأي شيء سيولد من هذا الخراب. الطوائف أعجز عن أن تقيم لبنانها بمعزل عن هذه الوظائف.

القوة الحية الوحيدة في لبنان اليوم هي حزب الله. هل يمكن أن ينجم عن خراب لبنان الكبير، لبناناً آخر هو لبنان حزب الله؟ قد يكون الجواب أن لبنان هو دولة حزب الله من سنوات طويلة. الرئاسة للحزب والحكومة والغالبية النيابية. لكن لبنان هذا هو نفسه الذي هوى على رؤوسنا، وهو نفسه الذي ننتظر إعلاناً رسمياً لنهايته. فالحزب الذي أنشأ قاعدة من الشراكة الوهمية لسلطته الحقيقية على مدى سنوات، هو الذي فشل في حماية الهيكل، وهو اذا ما كان سيرث نفسه في أعقاب تهشم دولته، فأي وظيفة سيختارها للبنان الوليد؟
لبنان المسيحيين فشل في العام ١٩٧٥، ولبنان الشراكة بين النظامين السوري والسعودي أقدم على الانتحار في لحظة اغتيال رفيق الحريري.

وبعد العام ٢٠٠٥ راح حزب الله يقضم ما تبقى لغيره من مساحات إلى أن توج نفوذه بدولة يملك فيها كل المواقع. ويبدو أننا اليوم نشهد النهاية الثالثة، من دون أن نتمكن من ضبط توقعاتنا لما بعد هذا السقوط.