//Put this in the section

يقتلون الحياد بعد قتلهم التحييد

عبد الوهاب بدرخان – النهار

لا يتطلّب “الحياد” أكثر من عقل سليم في حُكم سليم. أن يتدخّل فيه جبران باسيل فهذا ينافي العقل والمنطق، لأن الرجل مسكونٌ بهواجس شخصية متضخّمة تجعله يعتقد أنه أكثر حرصاً من البطريرك بشارة الراعي على المسيحيين. أما الحرص البطريركي على لبنان فهذا شأن أضاع رئيس “التيار” بوصلته منذ زمن… وأن يعالج الشيخ عبد الأمير قبلان قضية “الحياد” برسالة غاضبة، فيها ما فيها من تنمّر على الآخرين وعلى حقائق البلد، فهذا أيضاً ينافي المنطلقات الواضحة لنداء البطريرك، والأهم أنه يكسر فكرة “حوار الحياد” قبل أن تتحقق… وأن يصمت الصامتون، أو يدعمون الطرح البطريركي سرّاً وهمساً، فلهذا دلالاته كذلك بأن الأولوية لا تزال للانتهازيات والمصالح في إدارة شؤون البلد وهو يمرّ بأخطر أزمة في تاريخه.




لم يعد “الحياد” ترفاً يطمح إليه لبنان. أصبح واجباً لضمان وجوده واستمراره كياناً قادراً على استيعاب كلّ مكوّناته. وعندما عرف لبنان نوعاً من “الحياد” في مراحل ماضية فإنه لم يُفرَض بقرار، ولا حتى بـ “حوار وطني” خاص، بل كان تطبيقاً لروح الدستور والميثاق، وباعتراف عربي ودولي بأن حجمه وقدراته وتركيبته لا تسمح له بالانخراط في صراعات خارجية ولا بعقد سلام منفرد مع إسرائيل. كان هذا الوضع متعارفاً عليه ومقبولاً وليس مكتوباً وموثّقاً دولياً، بل الأهم أنه كان توافقاً داخلياً.

كان أبرز سقطات العرب أنهم، بسعيهم الى تغطية هزائمهم وعجزهم وانقساماتهم، سمحوا بالإخلال بهذا التوافق اللبناني عندما دفعوا بالفلسطينيين الى لبنان فغدا وجودهم سبباً لانقسامات داخلية، ثم قبلوا الوصاية السورية على لبنان فزادت الانقسامات، ثم ورثت إيران التجربتين الفلسطينية والسورية والانقسامات لتقولبها في مشروعها، موظّفة الطائفة لتصادر السيادة والشرعية وتطحن الدولة وصيغة العيش المشترك وتشرع في تغيير النظام.

أصبح نظام “حزب الله” متغوّلاً ومستقوياً الى حدّ إنكار حق المسيحيين والمسلمين غير المنضوين تحت مظلّته، وهم الغالبية الغالبة من الشعب، في أن يدافعوا عن بلدهم ويقرّروا مصيره. عندما خرج اللبنانيون في “ثورة تشرين” لم يشيروا الى “حزب الله” ولم يخطئ “الحزب” باستشعار حراكهم إنذاراً له، إذ جهروا برفضهم منظومة السلطة التي عمل على تصنيعها وتطويعها بالترهيب والاغتيالات وبالتواطؤ الضمني في الفساد. تحالف “الحزب” مع التجويع لإخماد تلك الثورة ويروّج لاقتصاد العقوبات الايراني، لكن الأزمة استفحلت ولا خيارات جدّية لدى “حكومته” لوقف الانهيار.

بقيت حقيقة الأزمة أنها أزمة نظام، والنظام هو “حزب الله”، ولم يجد البطريرك الراعي، ولو متأخّراً، سوى نداء “الحياد”. لم يفهم أي لبناني سليم العقل حَسن النيّة أن البطريرك كان يتجاهل التهديد الاسرائيلي أو يتعامل باحتقار وعنصرية مع حقوق الشعب الفلسطيني وقضية النازحين السوريين. كان يدافع عن حق لبنان واللبنانيين في أن يعيشوا بسلام. هذا خيار مقلق لـ”حزب الله”، فهو كان قتل “التحييد” ويستعد لقتل “الحياد”.