//Put this in the section //Vbout Automation

المفكر برهان غليون: الحل خرج من أيدي السوريين!

لم يترك برهان غليون أول رئيس للمجلس الوطني السوري المعارض، الذي تأسس في أعقاب اندلاع شرارة ثورة 2011 الأسباب الأساسية التي قادت إلى الوضع السوري الراهن وتراجع أداء المعارضة واستفحال الانقسامات داخل فصائلها المختلفة.

ويكشف غليون في حوار مع “العرب” بشأن كتابه “عطب الذات.. وقائع ثورة لم تكتمل” عن الخيارات السياسية التي أججت الصراعات بين التيارات المختلفة وأدت إلى المسار الكارثي الذي منيت به سوريا على مدار السنوات الماضية بعد انقطاع الأمل في أي مخرج سياسي للأزمة، وأسباب أسلمة الثورة التي يراها غير منفصلة عن سياق فشل المسيرات السلمية والدخول في المواجهات المسلحة.




ويقول إن “التدخل الروسي قرع جرس إنذار خطير بشأن تصحيح الأخطاء التي وقعت بها الثورة”، مشيرا إلى أن تصحيح الأخطاء أصبح مهمة استراتيجية ومركزية منذ ذلك الوقت.

ويوضح الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري المعارض أن “اليأس بدأ يدب في نفسه من إمكانية إصلاح أي شيء منذ عام 2016 بعد محاولات عديدة لجمع قادة الفصائل”.

ويبيّن أن من بين الأخطاء التي وقعت بها الثورة “تعدد الفصائل وانقسامها وتحكم فئات وشعارات فئوية ومذهبية فيها”، ويقول إن “المساعي الإصلاحية كانت تستهدف تجاوز تلك الانقسامات وتشتت خطاب الثورة وانحراف البعض عن أهدافها وإعادة إنتاج قيادة سياسية مقبولة”.

ولم يهدف غليون من كتابه إلى تسجيل الوقائع التاريخية لعامي 2011 و2012 من أحداث الثورة، لكنه يركز بالأساس على تحليل العوامل الداخلية والخارجية خلال تلك الفترة التي قادت إلى الوضع الراهن في شكل تحليلي يستقصي فيه السياقات التاريخية التي مهدت لقيام الثورة السورية ووضعيات النخبة السياسية والعوامل التي أدت إلى الانقسامات في صفوف المعارضة.

واستغرق غليون عامين لإنهاء كتابه “عطب الذات.. وقائع ثورة لم تكتمل”، كما أنه أجّل الكتابة والمحاكمة لتجربة الحراك السوري لما يقرب من ست سنوات. ويقول

في هذا السياق إنه “لم يتوقف عن توجيه الانتقادات للعمل في المعارضة والكتابة يوميا عن ضرورات الإصلاح وتوسيع قاعدة المجلس الوطني الممثل للمعارضة والثورة وهيكلته منذ استلامه رئاسة المجلس”.

ويضيف الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري المعارض أن “الحل في سوريا خرج من أيدي السوريين على الأقل في هذا الوقت”.

ويوضح أن “السوريين لن يصلوا إلى تحقيق غاياتهم ومن ثمة قطف ثمار التضحيات التي قدموها ما لم يتجاوزوا العيب أو النقص أو الخطأ أو العجز عن التفاهم والاتحاد والتكتل”.

ويؤكد أن “الثورة ومآلها ومصير الشعب السوري ليس مرتبطا أو رهينة لأي شخص أو حزب أو مجموعة أحزاب، معارضة أو غير معارضة، لكنه رهين إرادة السوريين جميعا ونضج تجربتهم وتشكلهم كشعب وأمّة حيّة وموحدة ومتضامنة”.

تعقيدات الأزمة

ينوّه المفكر السوري برهان غليون في حواره مع “العرب” إلى أنه ما كان من الممكن أن يحقق السوريون أكثر مما فعلوا منذ انطلاق الأزمة عام 2011 إلى يومنا هذا نتيجة لعوامل متعددة منها وجودهم لنصف قرن في ظل ما سماه بـ”نظام عبودي انتزع منهم حقوقهم جميعا”.

ويقول إن “هذا النظام حطم كل مؤسساتهم المدنية والسياسية وسلط عليهم أجهزة أمنية لم تدمر حياتهم وتحرمهم من أي تواصل فحسب، بل إنها سحقت حياتهم الاجتماعية والأخلاقية وأفقدتهم الثقة الاجتماعية وروح التضامن والتكافل”.

ويشير أيضا إلى “اصطدام الثورة السورية بمشروع ثيوقراطي وطائفي لإمبراطورية مشرقية لا تزال طهران تعمل عليه باسم الهلال الشيعي، وبشكل منهجي وعلني، منذ 1979، وقد أنفقت عليه عشرات المليارات من موارد شعبها وموارد العراق الذي سقط في يدها عام 2003”.

كما يوضح أن من بين تلك العوامل “دخول الثورة من دون أن تدري على خط الصراع الروسي الغربي، الذي سرعان ما تحول إلى نزاع بين كتلتين شرقية وغربية وأعاد إلى الحياة منطق الحرب الباردة حيث نجحت موسكو في شلّ أي عمل سياسي دولي يهدف لإنهاء الحرب”.

ويلاحظ غليون أن الولايات المتحدة “لم تظهر مصلحة كبيرة في إنهاء حرب تستكمل فيها تفريغ المشرق من أي قوة استراتيجية محتملة، في إطار تمديد أجل السيطرة الغربية وضمان أكثر ما يمكن من دمار المشرق العربي لتعزيز هيمنة حليفتها الإقليمية الأولى إسرائيل”.

يتحدث المفكر السوري في كتابه عن خيبة أمله بالمثقفين بعدما فقد الأمل من قبل في نخبة الأحزاب السياسية التي رآها قد تحولت إلى “هياكل هرمة متكورة على نفسها”. كما خاب أمله الذي علقه على النخبة المثقفة لتنشيط العمل السياسي الجديد بعدما جاء سلوكها أكثر تشتتاً وركاكة من أخواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، ومن ثم فقد اتجهت لفتح معركة الصراع مع الإسلاميين تاركة لهم مواقع القيادة السياسية والعسكرية بدلا من أن تضع نفسها في مقدمة الحراك السياسي.

يقول غليون إن “الإسلاميين والعلمانيين في النهاية بشر يتمتعون بالوعي والإرادة وقادرون على الاستفادة من تجاربهم السياسية وغيرها”، داعيا في الوقت نفسه إلى “احترام كل فرد عقيدة الآخر ضمن إطار القانون وأن يتحول الاختلاف في الرأي السياسي وغير السياسي إلى تعبير عن حرية الفرد لا إلى سند لتأسيس طوائف متعادية ومنغلقة على نفسها وعصبيات متناحرة أو ماهيات تلغي بعضها البعض وفي طريقها تلغي الهوية الوطنية المشتركة أو الهوية الإنسانية”.

وبشأن إن كانت تجربة الثورة السورية أثبتت إخفاق العديد من القوى على رأسها النخب في الدفع نحو عملية الإصلاح والديمقراطية، وعلى من يمكن التعويل مستقبلا؟ فيرى غليون أنه يمكن التعويل على هذه القوى نفسها “لأن النخب والأحزاب والأشخاص القادة أيضا ليسوا أصناما ولا ماهيات ثابتة وجامدة، هم أنفس ووعي وروابط حية ومتحركة ومتطورة تستوعب التجربة وتتعلم منها وتغيّر ذهنها وسلوكها وتغني وعيها وتصلح ممارستها، ولو لم يكن الوضع كذلك لما نجح شعب، ولما كان للتجارب معنى”.

تجاوز الأخطاء

إن الكتابات من هذا النوع تعبر في المقام الأول عن وجهة نظر مؤلفها ورؤيته الخاصة للحدث الذي عايشه وتأثّر به وأثّر فيه، إلا أن السيرة الثقافية والفكرية التي يحملها غليون وعلى إثرها قدّم عددًا من أبرز المؤلفات المُحللة لأزمات ثقافية وفكرية، مثل “اغتيال العقل.. محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية”، و”نقد السياسة.. الدولة والدين”، يجعل التحليل الذي قدّمه في كتابه الأحدث لمآلات الحالة الثورية مثار اهتمام مُستحَق.

ويسرد غليون في «عطب الذات» بداية دخوله معترك الصراعات السياسية بعد الثورة قائلًا «لم يكن هناك من هو أكثر نفورا من ممارسة السلطة أو الاقتراب منها ومن رجالاتها مني.. لكن كان للثورة جدليتها الخاصة التي تلغي الفوارق بين السياسة والفكر والسياسي والمفكر أيضًا، وتضع الجميع أمام مسؤوليات وجودية، يصبح فيها موضوع المصير الجمعي والتاريخي أبديا وأسبق على المصير المهني والفردي معا.. في المجتمعات الوليدة التي لم تنضج تجربتها السياسية لا يمكن للسياسي أن يتقدم من دون أن يكون مُفكرا بشكل من الأشكال، ولا للمُفكر أن يكون إنسانا مسؤولا من دون أن يشارك في النقاش حول قضايا المصير الكبرى والمساهمة في تعبيد الطريق نحو المستقبل».

وإذا كان كتاب “عطب الذات” يهدف إلى تقديم نقد اجتماعي وسياسي للكشف عن الأسباب التي أدت إلى الوضع الكارثي في سوريا، فإن انتقادات “النُخبة المثقفة” لم تنقطع منذ صدور هذا الكتاب، مُتهمين غليون بأنه شرع في انتقاد الأطراف جميعها بينما برّأ ساحته من كل خطأ. وهو ما رد عليه غليون في حواره مع “العرب”، بأنه قدّم نقدًا في كتابه للسلوك السياسي للعديد من الأطراف، من وجهة نظره ومن قراءته الموضوعية للحدث، لكنه لم يدن أحدا حتى أولئك الذين أمطروه بكل الاتهامات.

ويقول في هذا السياق “في ما يتعلق بشخصي فأنا أكاديمي ومحلل سياسي لتجربة شاركت فيها، وأحاول أن أشرح للجمهور الذي أولاني ثقته، بمنهج الباحث في العلوم الاجتماعية، التحديات التي واجهتها الثورة والاختيارات التي أجبرنا في معظم الأحيان على تبنيها لضعف سيطرتنا على وسائل عملنا، أو عدم خبرتنا، وإبراز دوافع اختياراتي ومواقفي، ورؤيتي للمصاعب واقتراحاتي لتجاوز أخطائنا الماضية، ولا شك أنني ارتكبت أخطاء كثيرة خلال رئاستي (المجلس الوطني) ككل إنسان، وأرحب بأي نقد يهدف لتصحيح قراءتي للكارثة وتحليلي لأسبابها يحظى بالحد الأدنى من الموضوعية والمقبولية”.

ويؤكد غليون أن الهدف الرئيس من كتابه هو محاولة التعلم من الأخطاء والتغلب عليها “لأن إصلاح ما مضى بات مستحيلا، كما أن التشهير بالذات أو بالآخرين ممن قادوا تلك المرحلة لن يُفضي إلى شيء، في المقابل فإن هناك حاجة مُلحّة لمُراجعة تلك التجربة كي تكون نبراسًا يضيء وعي الأجيال الجديدة”.

ويقول إنه عمل من خلال كتابه “كمحلل سياسي وكجراح يكشف الورم ويسعى إلى الإشارة إليه واستئصاله إذا أمكن، وعندما يقوم الجراح بعمله فهو لا يدين المريض وإنما يسعى إلى إنقاذه، ولم أشعر في أي وقت أن جهودي محكوم عليها بالفشل”.

ويضيف “أن سوريا تعيش اليوم أوضاعا أكثر من مزرية بسبب الدمار والفساد والانهيار الاقتصادي والاحتلالات الأجنبية التي تأكل من لحمها وتمتص دمها”.

ويوضح أن “ليس لديه أي شعور بأن جهود السوريين باءت أو ستبوء بالفشل”، معربا عن اعتقاده بأن “ما حققه الشعب السوري ما كان يمكن تحقيقه دون هذه التضحيات، وأنهم لازالوا قادرين على صنع المعجزات، نحن نعاني كثيرا وبقسوة، لكننا لم نفقد الأمل”.

العرب