//Put this in the section //Vbout Automation

لبنان المُحطَّم.. الأزمة الاقتصادية تهوي بالصحة النفسية لسكان البلاد وخشية من تفاقم الانتحار

“على مدار الأسبوع الماضي، كنت أستيقظ باكياً، لأن.. ماذا يحدث بحقِّ الجحيم؟”. هذا ما قاله المخرج اللبناني جين كلود بولس، بينما كان يُخرِج سيجارةً من علبته. وأضاف لموقع Middle East Eye البريطاني: “تذهب إلى الجامعة، وتذاكر وأمامك أهدافٌ وطموحات.. ثم تعلَق في هذا الصندوق”.

يجلس المخرج البالغ من العمر 28 عاماً على أعتاب مجمَّع بنايات عزارية في وسط البلد ببيروت، وهو مكانٌ شائعٌ للاحتشاد في ذروة الانتفاضة اللبنانية التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول. في ذلك الوقت، يقول بولس إنه شَعَرَ بنشوة الأمل.




ومثل الكثير من اللبنانيين، كافَحَ بولس لسنواتٍ من أجل تغطية نفقاته ومن أجل أن يشهد بلده الاستقرار الاقتصادي المنشود. والآن، أصبحت المهام الروتينية اليومية عبئاً شاقاً على بولس وعددٍ لا يُحصَى من الشباب غيره.

انهيار الصحة النفسية واللجوء للانتحار

يتداعى الاقتصاد، وكذلك أيضاً الصحة النفسية في لبنان المُحطَّم. في ديسمبر/كانون الأول، وثَّقَت وسائل الإعلام اللبنانية العديد من حالات الانتحار، بما في ذلك انتحار ناجي الفليطي في عمر الأربعين ببلدة عرسال، على الحدود الشمالية الشرقية، لأسبابٍ تتعلَّق جزئياً بالمصاعب الاقتصادية.

وبعد ستة أشهر، ساءت الأزمة الاقتصادية في لبنان، وتستمرُّ في تدمير حياة الناس بلا نهايةٍ في الأفق. فَقَدَت العملة المحلية حوالي 80% من قيمتها، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بحوالي 56%، في حين سوف تُقدَّر نسبة السكَّان تحت خط الفقر في البلاد بما يصل إلى 60% بحلول نهاية العام الجاري.

وبينما خطفت حالات الانتحار أنظار البلاد في وقتٍ سابق من الشهر الجاري يوليو/تموز، يبرز تأثير المصاعب الاقتصادية والسياسية على الصحة النفسية -وكذلك المصاعب في الحصول على دعمٍ نفسي- في الصدارة مرةً أخرى.

يأسٌ اقتصادي

“أنا مش كافر”. هذه هي الكلمات التي كتبها علي الحق، ذو الـ61 عاماً، في سجِله الجنائي النظيف، الذي حمله معه إلى جانب العلم اللبناني، قبل أن يطلق النار على نفسه في شارع الحمرا الشهير في 3 يوليو/تموز. تردِّد كلماته شطراً من أغنيةٍ شهيرةٍ للموسيقي اللبناني زياد رحباني، التي تستطرد بعد ذلك: “بس الجوع كافر”.

يقول شهود عيان إن الحق، بينما كان واقفاً بجانب متجر دانكن دونتس المُكتَظ، أمام مسرح مترو المدينة الشهير، صاحَ من أجل لبنان حر مستقل قبل أن يُنهي حياته بيده. في اليوم نفسه، أنهى سائق شاحنة، وهو أبٌّ لطفلين، حياته في منزله جنوب مدينة صيدا.

تسبَّبَ الموت المأساوي للحق في صدمةٍ عبر لبنان. وبعد ساعاتٍ، اندلع احتجاجٌ في موقع انتحاره، للتنديد بالطبقة الحاكمة في البلاد، بينما انهمرت التعازي على الإنترنت مصحوبةً بهاشتاغ #أنا_مش_كافر.

وقالت ريما ماجد، أستاذة علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية في بيروت، لموقع Middle East Eye البريطاني: “أصبح الانتحار شكلاً مُتطرِّفاً من الاحتجاج في هذه المواقف العصيبة، لكن على أيَّةِ حال فإن تدهور الصحة النفسية والانتحار نتيجتان للمشكلات الاجتماعية الأوسع”.

وبينما أوضحت ماجد أن المصاعب الاقتصادية لم تكن سبباً مؤكَّداً للانتحار، فإن “الأمر يتعلَّق بالإفقار -إدراك الناس أين كانوا وأين أصبحوا الآن”.

وتقول ماجد أن الحالات الفردية، مثل انتحار علي الحق، لطالما مثَّلَت مشكلةً يصعب اعتبارها “رمزية” ونزعها من السياق -في محاولةٍ لتصوير هذه الحالات باعتبارها وقائع منعزلة بدلاً من أنها تعكس نمطاً مُقلِقاً أوسع.  وقالت أستاذة علم الاجتماع: “هناك أناسٌ أكثر بكثير ينتحرون في منازلهم، لكننا لا نسمع عنهم”.

الصحة النفسية والانتفاضة

بينما يجلس بولس مستنداً إلى جدران بيروت المُغطَّاة بالشعارات الثورية المُناهِضة للحكومة، يسرد تجربته في محاولة التعامل مع صحته النفسية في ظروفٍ متزايدة الصعوبة.

يقول المخرج الشاب لموقع Middle East Eye: “ذهبت إلى معالجٍ نفسي في العام 2016 بسبب الأزمة الاقتصادية. لم يكن بإمكاني تحمُّل تكلفة أيِّ شيء”. ويضيف: “لم أرِد بيتاً فاخراً، بل حياةً عادية ولائقة”.

وحين اندلعت الاحتجاجات المُناهِضة للحكومة لأولِ مرةٍ في أكتوبر/تشرين الأول، قضى بولس كلَّ يومٍ مذاك الحين في التظاهرات. لكنه يقول إن حالته النفسية ساءت بصورةٍ كبيرة بينما تأخذ البلاد في التدهور السريع.

نادراً ما كانت تالا لاذقي، 25 عاماً، تفوِّت تظاهرةً منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقد شاركت في العشرات من حملات جمع التبرُّعات لمساعدة المحتاجين. كافَحَت العاملة بمجال الاتصالات من أجل إيجاد عملٍ مستقرٍ في السنوات الأخيرة. تقول لموقع Middle East Eye: “كانت هناك أحاديث وإشارات تحذِّرنا من أن شيئاً مثل هذا سيحدث ويستمر لسنوات، لكنني لم أتوقَّع أن نعيش في الظروف التي نحيا في ظلِّها اليوم”.

وتحاول لاذقي أن تجد عزاءً من كلِّ ذلك في قطِّها التي تسميه “أوريو” وعملها المستقل الذي تقوم به بين الحين والآخر من المنزل. لكن البنية التحتية المتداعية للبنان تظلُّ بمثابة تذكيرٍ كئيبٍ للوضع الذي تعيش فيه، واصفةً إياه بـ”السحابة السوداء”. وفي الآونة الأخيرة، أدَّى نقص الوقود إلى تزايدٍ في انقطاع الطاقة عبر البلاد.

أصبح الوضع المؤلِم موضوعاً متكرِّراً في المحادثات بين أصدقائها المُقرَّبين، الذين استفاق كثيرون منهم من نشوى التفاؤل خلال الانتفاضة. تقول لاذقي: “يتطلَّع الناس إلى يومهم الحالي، دون وعدٍ واحدٍ بأيِّ شيٍ في الغد”.

“فجأة، أخذت البنوك كلَّ هذا المال”

بناءً على رغبتهم في مناهضة ما يسميه بولس بـ”تشويه” المتظاهرين، عَمَدَ هو وأصدقاؤه إلى تشكيل صفحة باسم “فورة” على منصة فيسبوك في أكتوبر/تشرين الأول، من أجل مشاركة أكثر القصص شغفاً لدى الناس الذين التقوهم أثناء الانتفاضة والمبادرات المختلفة التي انطلقت في الميادين العامة عبر البلاد.

لكن بولس يقول إن لبنان يلبي هذا الشغف. ويقول بينما يتجوَّل أمام واجهةٍ مُهدَّمة لأحد المحال التجارية: “ليست الأزمة الاقتصادية السببَ الوحيد لكلِّ هذا، لكنها تخلق معاناةً نفسيةً لكثيرٍ من الناس الذين لم يشهدوا مثلها من قبل”. ويضيف: “لقد عملوا بجدٍّ طوال حياتهم من أجل توفير القليل من المال، وفجأة أخذت البنوك كلَّ هذا المال”.

أُعيدَ فتح مطار لبنان الوحيد في 1 يوليو/تموز، وليس من المُستغرَب أن معظم تذاكر السفر إلى الخارج هي تذاكر في اتجاهٍ واحد. لجأ السكَّان المنكوبون، وبخاصةٍ الشباب، إلى محاولة تغطية نفقاتهم، في هجرةٍ أخرى، وهي قصة تتكرَّر عبر الأجيال.

يُصِرُّ بولس ولاذقي على البقاء في لبنان، وقال بولس: “ليس من السهل أن تعيش مهاجراً”، مستنكراً ما يقول إنه إضفاءٌ للرومانسية على الحياة في الخارج، مضيفاً: “إنهم ينظرون إلى المهاجرين بدونيةٍ في أيِّ مكانٍ تذهب إليه في العالم”. وفيما ردَّدَت لاذقي المشاعر نفسها، يساورها القلق إزاء عائلتها وأصدقائها الذين يشعرون بأنه مُقدَّرٌ عليهم أن يبدأوا حياةً جديدةً بالخارج.