//Put this in the section //Vbout Automation

مارسيل غانم إعلامي جريء ينتظره اللبنانيون كل خميس

صلاح تقي الدين – العرب

لا يزال المواطن اللبناني، منذ أكثر من عقدين من الزمن، على موعد أصبح يحتل حيزاً رئيسياً من حياته مساء كل يوم خميس من كل أسبوع، لمتابعة ما سيقدمه الإعلامي مارسيل غانم في برنامجه التلفزيوني، الذي وإن اختلف اسمه من شاشة إلى أخرى، إلا أن نكهته وتأثيره على تكوين الرأي العام أصبحا واضحين لا جدال فيهما، ما جعل هذا المحامي الذي اعتزل مهنته لصالح الإعلام، الرقم الأول والأصعب على صعيد صناعة الرأي العام في لبنان.




إغراق الضيف

لا فرق بين من يؤيد غانم في طروحاته السياسية أو أولئك الذين يعارضونه، غير أن القاسم المشترك بينهم جميعاً أن الموضوع الذي سيثيره مارسيل مع ضيفه أو ضيوفه في حلقة اليوم، يهمهم بشكل أو بآخر ويعنيهم لاتصاله بحياتهم مباشرة، وأن الحوار الذي سيديره سيشكّل حدثاً بحد ذاته سيأخذ مداه في النقاش طيلة أيام الأسبوع قبل الوصول إلى الحلقة التالية.

ما يميّز غانم عن غيره من مقدمي برامج الحوار، سعة اطلاعه على دقائق الأسرار التي تدور في عالم السياسة اللبنانية بحكم العلاقة الجيدة التي نسجها مع معظم سياسيي الصف الأول في لبنان وتواصله الدائم معهم لتحضير حلقات برنامجه، وقد وصفه أحد أبرز السياسيين اللبنانيين بأنه قادر على إغراق ضيفه إن لم يكن هذا الأخير ملماً بشكل كامل بالملفات التي يريد البحث فيها.

ناهيك عن أن الانطباع السائد لمتابعي غانم على شاشات التلفزيون، أن هذا الإعلامي لا يخشى أياً من ضيوفه؛ فهو قادر، ربما بسبب شخصيته أو نتيجة الخبرة التي اكتسبها، على استفزاز الضيف حتى يخرجه عن طوره وينتزع منه موقفاً أو عبارة تشكّل في عالم الصحافة “سكوباً” يحاول معظم الصحافيين أن يدوّن في سجلهم العملي نجاحهم في تحقيق هذه “الخبطة” الصحافية.

غانم الذي ولد عام 1964 حائز على إجازة في القانون، لكنه فضّل العمل في حقل الإعلام على القانون، فخضع وهو على مقاعد الدراسة الجامعية لاختبار صوتي وإنشائي أجرته إذاعة ”لبنان الحر“، فبدأ عمله مذيعا لنشرات الأخبار، ثم تسلم مهامًّا تحريرية وانتقل بعدها إلى مديرية الأخبار وقدّم مع زميلته مي شدياق برنامجاً سياسياً حمل اسم “كلام مسؤول“.

في منتصف التسعينات بدأ غانم بتقديم برنامج “كلام الناس” عبر شاشة “المؤسسة اللبنانية للإرسال”أل بي سي“، مساء كل خميس حتى آخر حلقة في 29 مارس 2018 ليعلن أنه غادر المؤسسة التي عمل فيها على مدى أكثر من ثلاثة وعشرين عاما. وبعد محطة “كلام الناس” انتقل إلى محطة “أم تي في” ليقدّم برنامج “صار الوقت” في الموعد نفسه مساء كل خميس، اعتباراً من 4 أكتوبر 2018 وهو ما زال مستمراً حتى اليوم.

كلام الناس

كثيرة هي الروايات التي نسجتها أقلام الصحافيين الذين تملكتهم الغيرة من النجاح الذي حققه غانم، فراحوا يروجون لأفكار ومؤامرات قالوا إنها كانت من صناعته وهو الذي كان يريد أن يسير على درب النجاح في المؤسسة اللبنانية دون أن يواجه أي منافسة من زميل أو زميلة، فاتهم بمضايقة الإعلامية مي شدياق ما دفعها إلى تقديم استقالتها من المحطة، كما سبقتها الإعلامية جيزيل خوري في الاستقالة وأيضاً بسبب مضايقة غانم لها، غير أن الإعلاميتين نفتا ذلك.

كما تعرّض لانتقادات كثيرة حيال موقفه من النزاع القضائي بين القوات اللبنانية والشيخ بيار الضاهر رئيس مجلس إدارة ”أل بي سي“ على ملكية المحطة التلفزيونية، وقد سبقتها انتقادات طاولته من قبل زملائه لانحيازه الضمني إلى “صديقه” الأمير الوليد بن طلال بن عبدالعزيز مالك الشركة والذي دخل في نزاع قضائي طويل مع الضاهر.

الإرهاب والحب

مثل مارسيل أمام قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان نقولا منصور، في الادعاء المقدم بوجهه من قبل وزير العدل سليم جريصاتي إثر حلقة من برنامج ”كلام الناس“ استضاف خلالها غانم صحافيين سعوديين اعتبرا رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ووزير الخارجية جبران باسيل “شركاء في الإرهاب” بسبب موقفهم من حزب الله.

تبعا لذلك، طلب وزير العدل من النائب العام التمييزي سمير حمود إجراء التعقبات اللازمة بحق كل من مدير الأخبار في المؤسسة الإعلامية للإرسال جان فغالي والصحافيين السعوديين إلى جانب غانم الأمر الذي اعتبرته المؤسسة اللبنانية هدفا للمس بها، وعبرها بحرية الإعلام في لبنان.

ولم يكن مثول مارسيل أمام القضاء حدثاً عادياً فقد تجمهر أمام أبواب قصر العدل في بعبدا مئات الصحافيين والمحامين المدافعين عن حرية التعبير للتضامن معه وتعبيراً عن اعتراضهم لكل محاولات “خنق” الحرية وتحويل لبنان إلى “دولة بوليسية” وكانت النتيجة أنه تم حفظ الدعوى بحق غانم.

وحياة غانم الشخصية أيضاً كانت متناولة بطريقة أقل ما يقال فيها إنها “مهينة” للذي تناولها، فالإعلامي الشهير كان قد قال في مقابلة صحافية “هناك كثر متزوجون ويعيشون حياتهم بشكل طبيعي ولا يدرون أنهم بعيدون عن الحب الجارف. وأنا لم أعش أيضاً هذه الحالة من المشاعر”، مشيراً إلى أن “​الزواج​ بالنسبة لي مؤسسة أخشى أن تحرمني من خصوصيتي وربما يعود ذلك إلى أني أعيش عزوبية كاملة، وإذا ما سألني أحدهم مثلاً ‘إلى أين أنت ذاهب؟’ أنزعج وإذا حاول أحدهم أن يوقظني من نومي، أضطرب“. واعتبر غانم أن الحب “هو سحر يغيّر فينا معنى النظرة للأشياء، وبالنسبة لي الحب فرح مع أن البعض يراه في لحظات ما الانكسار والألم، وهو عندي النشوة والانتصار.. لذلك لا أرى الحب بغير هذه الطريقة”، ولعل ذلك يفسّر “ارتباطه” بمهنة الإعلام وعدم الزواج إلا منها.

أنت لا شيء

ومع اندلاع “ثورة” 17 أكتوبر في لبنان، وانحياز محطة ”أم تي في“ إليها، انعكس ذلك على مواقف غانم في برنامجه “صار الوقت” حيث كان يستضيف في كل حلقة مجموعة من “الثوار” ويفسح أمامهم المجال للتعبير بكل راحة وحرية عن مطالبهم، و”فش خلقهم” بالدولة وسياسييها، حتى اعتبره كثيرون أنه “راكب الثورة وأبوها”.

ولا يتوانى غانم عن استخدام ألذع العبارات وأقسى النعوت بحق من يعتبر أنهم “أساؤوا” إليه أو إلى برنامجه، فتراه يهاجم نائب رئيس الحكومة وزيرة الدفاع زينة عكر عدرا علناً ضمن برنامجه بعدما غرّدت الأخيرة متهمة غانم “بالسمسرة”، فكال لها من العبارات وكشف عنها تفاصيل دفعتها إلى عدم الرد واعتبار “ما جرى قد جرى”.

غير أن قمة ما قام به غانم في برنامجه، كانت دعوته الواضحة والصريحة لرئيس الحكومة حسان دياب إلى الرحيل، وقد بدا واضحاً أنه اختار كلماته بدقة في رد على الاتهامات “الغوغائية” التي يرددها في كل حين رئيس الحكومة” متهماً “مجهولين” تارة بتنفيذ أجندات خارجية، وتارة بالعمالة لاستخبارات أجنبية أو ارتباطات مافيوية.

قال غانم “هذه المقدمة غير مربوطة لا بأجندة داخلية، ولا ‏باستخبارات أجنبية، ولا بعمالة صهيونية، ولا بارتباطات مافيوية!‏ إنها صرخة مواطن…‏ اِرحل يا حسان، فلم يعد أصلا لدينا الوقت لتحمل التخبط الحكومي الذي ‏تقوده.‏ ارحل يا حسان لأنك لم تقم بشيء منذ توليك حكومة الأزمة سوى ‏باستيلاد الأزمات، ولم تكن رئيس حكومة بل أداة في الأيادي التي تقود ‏مسارك المتعرج، وترسم سياساتك المشكوك بوجهتها وصلابتها.‏ قيل، أعطوه فرصة، فسكتنا… قيل، الحكومة تعمل، فانتظرنا… قيل، ‏الفرج آتٍ فتأملنا…

لكن كل ما أنجزته يا حسان مع حكومتك الدمية هو ‏تأمين تعيينات على قياس معلميك، واستصدار قرارات تلبي مطامعهم.‏ أي فرصة نعطي لحكومة الثلاجات الفارغة، وجرائم السرقة لشراء حليب ‏الأطفال والحفاظات، وصفحات استبدال الأغراض الخاصة بالأكل والحد ‏الأدنى من الحاجات؟ أي فرصة نعطي لحكومة الجيش من دون لحوم، والأمهات من دون ‏طعام للعائلة، والآباء من دون عمل في وطن يرحل أبناءه قبل فتح ‏المطار حتى.‏ في كل منزل من قدم أوراقه للهجرة، وفي كل عائلة من ينوي الرحيل من ‏دون عودة من وطن يبدّي الطوائف على الكفاءات“.‏

وأضاف غانم داعياً دياب إلى الاستقالة ”ارحل يا حسان، فأنت على رأس حكومة سيكتب عنها التاريخ أنها رفعت ‏سعر الخبز، وأفرغت الاحتياطي المركزي، وارتفع في عهدها الدولار، ‏وسيسخر منك التاريخ كثيرا عندما يبحث في خطاباتك عن تبريرات ‏الأزمة.‏ في حين أن بعض الموجودين بحاجة إلى ترجمان محلّف لأنهم لا يفهمون ‏أصلا ماذا يقرأون، فكيف تراهم يستصدرون قراراتٍ لشعب ينخر ‏السوس في خزائنه من الفراغ؟ نعم… الفراغ في المنازل وفي البرادات يشبه فراغ حكومتك من الداخل ‏والخارج. حكومة عارية يدير لها الجميع ظهره لأنهم يعلمون أنها ‏أضحوكة، في حين أن اجتماعاتها الفعلية ليست في السراي، ووزراؤك ‏يقدمون أوراق اعتمادهم ليلا في اجتماعات أخرى.‏

الفراغ أفضل من وجود هكذا حكومة لا تحقق سوى الشعر وصف الكلام، ‏وتواصل الانغماس في الفشل، وترهق الغرب والشرق معها، من دون أي ‏اعتبار للمصلحة العليا.‏ ارحل يا حسان بدل أن تلوم ذهابا وإيابا الأيادي الخفية والخفافيش ‏والأشباح والأرواح والشياطين، ولم تتجرأ يوما على تسمية أحد، في حين ‏أن دود الخل ‘منو وفيه’. المؤامرات تكون على أصحاب القرار، وعلى ‏أصحاب المقامات والمراكز، وأيضا على أصحاب الإنجازات، ومن كل ‏هذه الأمور، أنت للأسف… لا شيء“.‏

لعل ما قاله غانم هو لسان حال أغلبية اللبنانيين، لكن الذين افترشوا الطرقات منذ 17 أكتوبر الماضي يدركون أنهم غير قادرين على الإطاحة برئيس الحكومة “صنيعة” حزب الله، ولعل غانم يدرك ذلك أيضاً، لكن “حتى الصوت يودي” كان لا بد لهذه الصرخة.