//Put this in the section

قادة يلعبون سياسة وشعب يقايض لطعامه.. كيف يخرج لبنان من أزمة أوشكت على الانفجار؟

خرج اللبنانيون إلى الشوارع في 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي احتجاجاً على فساد الطبقة السياسية، مطالبين باستبعادها تحت شعار “كلن يعني كلن”، لكن الأمور الآن وصلت إلى حد مواجهة شبح المجاعة وتجمع نذر الانفجار الاجتماعي، فما قصة الخطر الذي عانت منه لبنان قبل نحو قرن وأودى بحياة نصف السكان وقتها؟ وهل لا زال بالإمكان تفادي نفس المصير؟

الأمور وصلت إلى المقايضة

انتشرت بصورة لافتة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان حسابات متخصصة تتيح للمواطنين مقايضة مقتنيات شخصية بالطعام وسلع أخرى ضرورية يحتاجونها، مع شح السيولة بين أيديهم، في ظل أسوأ أزمة مالية تمر بها البلاد منذ عقود.




ووجد كثير من اللبنانيين أنفسهم غير قادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية، بما فيها الغذاء، إذ أدت الأزمة الاقتصادية إلى انهيار سعر الصرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي، وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وعمّقت جائحة كورونا سوء الأوضاع المعيشية للبنانيين مع فقدان الآلاف وظائفهم، بحسب تقرير للأناضول اليوم الأربعاء 15 يوليو/تموز.

الأزمة الاقتصادية في لبنان تتفاقم/رويترز

وانعكست الأزمة الاقتصادية على أسعار المواد الأساسية والغذائية في الأسواق، كالخضار والفواكه ومواد التنظيف والمعلبات والأطعمة، وطالت حتى المواد محلية الصنع، بسبب التلاعب بالأسعار وانتعاش السوق الموازية للعملة، ويشير مؤشر أسعار جمعية المستهلك، إلى ارتفاعٍ تجاوز 55% منذ بداية أكتوبر/تشرين الأول 2019، وحتى مايو/أيار الماضي.

لبنان يقايض

حسن حسنه، مؤسس مجموعة “لبنان يقايض” عبر فيسبوك، نقل خبرته بالمقايضة التي اكتسبها أثناء تواجده في كندا عام 2010، خلال الأزمة الاقتصادية العالمية لتأسيس هذه المجموعة، ويقول حسنه للأناضول إن تأسيس المجموعة جاء نتيجة شح السيولة في لبنان، وتدهور سعر الصرف، وإغلاق العديد من المؤسسات أبوابها، وبالتالي زيادة البطالة.

“المجموعة هي مبادرة تهدف إلى تحقيق التكافل بين اللبنانيين، لمقايضة أغراضهم الثانوية بأمور أساسية ضرورية. حجم التفاعل والتجاوب مع المبادرة جاء فوق مستوى التوقعات”.

وتقول باسكال محفوض، إحدى المشاركات في المجموعة، إن الحاجة دفعتها إلى طلب مقايضة الملابس القديمة لطفلها البالغ من العمر سنتين بالحليب ومواد غذائية، وانضم عبدالرحمن فخر الدين إلى مجموعة “لبنان يقايض”، بدعوة من أحد الأصدقاء عبر فيسبوك، كما قرر فخر الدين، عرض ثيابه القديمة عبر هذه المنصة، وتقديمها مجاناً لمن يحتاجها دون أي مقابل.

انفجار اجتماعي وشيك

وترى المحللة الاقتصادية محاسن مرسل أن فكرة المقايضة “تدل على وجود أزمة اقتصادية مستفحلة” في لبنان، وتعتبر أن ذلك “ينذر باقتراب حصول انفجار اجتماعي، وازدياد معدلات الجريمة سواء أكانت سرقة أو نشل”.

وتقدر مرسل بأن 60 إلى 80% من اللبنانيين لا يتمكنون من الحصول على الحد الأدنى من المواد الغذائية بسبب التضخم الحاصل.

تدهور قيمة الليرة يهدد معيشة اللبنانيين

يأتي ذلك في ظل أسوأ أزمة اقتصادية يعاني منها لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل ثلاثة عقود، وكانت الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي تفجرت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي قد تفجرت بالأساس على خلفية تدهور الوضع الاقتصادي.

وتسارع انهيار سعر صرف الليرة في الأشهر الأخيرة، ليلامس في السوق الموازنة عتبة 9 آلاف ليرة للدولار بنهاية يونيو/حزيران الماضي، قبل أن يتحسن قليلا لكنه بقي يحوم حول 7 آلاف.

وفيما تغيب حتى الآن أي حلول إجرائية سريعة وجدية، لمواجهة الأزمة الاقتصادية المتسارعة في التضخم، ذكرت مراكز الإحصاء أنه بات يعيش ما بين مليون إلى مليوني مواطن تحت خط الفقر، أي بنسبة لامست 50% من الشعب اللبناني.

المقايضة ليست حلاً

فكرة لجوء اللبنانيين إلى المقايضة بدأت تنتشر منذ الشهر الماضي، وقبل أسبوعين نشرت صحيفة The Telegraph  البريطانية تحدث بشكل مباشر عن كيف أصبح اللبنانيون مهدَّدين بمجاعة حقيقية، تذكر بما حدث في البلاد بين عامي 1915 و 1918 من مجاعة أودت بحياة نصف عدد السكان وقتها.

وحذر مارتن كيوليرتس، الأستاذ المساعد في برنامج أمن الغذاء لدى الجامعة الأمريكية في بيروت، من أنه “بحلول نهاية العام سنشهد تحوُّل 75% من السكان للعيش على الصدقات الغذائية، لكن السؤال هو: هل سيكون هناك طعام للتصدق به؟”.

والقصة هنا ترتبط بركيزتين أساسيتين لابد من توافرهما لضمان الأمن الغذائي في أي دولة، وهما أن يكون هناك طعام كافٍ داخل البلاد من ناحية، وأن يملك الناس القوة الشرائية للوصول إليه من ناحية أخرى، وبما أن لبنان يواجه ضربة مزدوجة تطال الركيزتين في الوقت نفسه، فإن التحذيرات من المجاعة تبدو واقعية إلى حد مقلق.

ماذا عن الطبقة السياسية؟

على الجانب السياسي، يمكن القول إن الشعار الذي رفعته الاحتجاجات الشعبية “كلن يعني كلن” لم يتحقق ولا يبدو أنه سيتحقق، فحتى ما اعتبره البعض وقتها مكسباً يمكن البناء عليه، والمقصود هنا هو استقالة الحكومة برئاسة سعد الحريري في 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أي بعد أقل أسبوعين من انطلاق الاحتجاجات، أكدت الأحداث التالية وحتى اللحظة أنه لم يكن سوى نتيجة لصراعات بينية داخل الطبقة السياسية وليس رغبةً حقيقية في تلبية المطالب الشعبية.

ومن المهم هنا تذكُّر ما قاله الرئيس ميشيل عون للمحتجين: “التغيير يا شباب ما بيصير بالساحات” (أي أن التغيير السياسي لا تفرضه المظاهرات)، وأيضاً قول زعيم حزب الله حسن نصر الله: “أقوى طرف بالمعادلة الداخلية هو المقاومة.. أنا ما عم هدد حده” (أي أن حزب الله هو الطرف الأقوى على الساحة ولا يمكن فرض تغيير لا يريده ولا يتبناه).

جلسة هادئة في لقاء عاصف يجمع الرئيس اللبناني ميشي عون والسفيرة الأمريكية في بلاده .. “الصورة من حساب الرئاسة على تويتر”

الموقف السياسي في لبنان مرتبط بالأساس بالصراعات الإقليمية في المنطقة؛ فحزب الله يضع نفسه مع إيران في معسكر واحد في مواجهة المعسكر الذي تقوده الولايات المتحدة، وبالتالي عندما استقالت حكومة سعد الحريري، وتم الاتفاق بين رئاسة الجمهورية والبرلمان (أو ما يعرف بالعهد القوي) على اختيار حسان دياب لتشكيل الحكومة (في نهاية فبراير/شباط، أي بعد 4 أشهر من استقالة الحريري)، أصبحت الحكومة محسوبة على حزب الله.

والآن بعد أكثر من أربعة أشهر ونصف من تولي دياب، لا تزال الأمور تراوح مكانها سياسياً، بينما اقتصادياً يحمل كل يوم جديد تدهوراً آخر يمسّ حياة ومعيشة اللبنانيين، حتى وصلت الأمور إلى شبح المجاعة، وعلى الرغم من اتفاق الجميع على أن حكومة دياب “ماتت إكلينيكياً” بالفعل، إلا أن غياب التوافق على البديل يؤخر الإعلان عن ذلك رسمياً، وبالتالي يتعطل وصول مساعدات مالية لإنقاذ الوضع، وسط تبادل الاتهامات بين أطراف اللعبة السياسية داخلياً وخارجياً، بينما يقايض اللبنانيون أوانيهم وملابسهم مقابل طعام ربما لا يكون موجوداً في غضون أسابيع.

عربي بوست