//Put this in the section //Vbout Automation

لم يتجاوز الخطر.. هبوط أسعار النفط للصفر قد يتكرر ويصبح عبئاً على مالكيه

في أعقاب واحدة من أكثر الفترات دراماتيكية في تاريخ صناعة النفط، تتعافى الصناعة رويداً رويداً. شهد شهر مارس/آذار وشهر أبريل/نيسان تركيبةً سامّة من الطلب المنخفض، والعرض المفرط، وسعة التخزين المحدودة، والمضاربة المالية الحادة، ما جعل الأسعار تهبط لأقل من الصفر.

ومع أن المخاوف من حدوث موجة ثانية من الإصابات بفيروس كورونا لا تزال مرتفعة، عاد الطلب على النفط للارتفاع مرة أخرى، فيما صار العرض محكوماً، حسبما ورد في تقرير لمجلة Foreign Policy الأمريكية.




لكن ذلك لا يعني أن الصناعة تجاوزت الخطر. وعلى أي حال يعد أكبر مصدرٍ للشك بالنسبة لمنتجي النفط حالياً هيكلياً -في طبيعته- وليس دورياً. وفي واقع الأمر ثمة شعور متزايد بأن ذروة النفط -وهي اللحظة التي يصل عندها إنتاج النفط إلى أقصى مرحلة له قبل أن يشهد انخفاضاً هيكلياً- قد وصلت أخيراً.

التوقعات كانت دوماً بنقص الإنتاج

منذ خمسينيات القرن الماضي، كان هناك كثير من التوقعات بشأن نقص وشيك في النفط الخام. وقد ثبت أن هذه التوقعات كانت خاطئة باستمرار، نظراً إلى أن جميع التنبؤات مالت إلى التقليل من قدر الكمية الحقيقية للاحتياطي العالمي من النفط، وأيضاً قدرة التكنولوجيا على تجاوز العوائق المادية.

والآن، في ظلّ جائحة فيروس كورونا التي يواجهها العالم، والتي تسرع الاتجاهات على ما يبدو -فقد صارت الاقتصادات أكثر حرصاً على البيئة وقلّت التنقلات- وبعد أن بدت هذه الذروة على بعد ما لا يقل عن عقدٍ من الزمان قبل حلول شهر فبراير/شباط، ربما تكسر الجائحة هذا القالب أخيراً. بيد أن ذروة النفط قد تأتي هذه المرة من ناحية الطلب وليس المعروض في الأسواق. ويمكن لمثل هذا التغيير أن يشكل تحولاً من شحّ نفطي مُتصور إلى وفرة نفطية قد تُدخل تحولاً جذرياً على هيكل سوق النفط، أكثر من ثورة الطاقة الصخرية ذاتها.

والطلب تضاعف خمس مرات

على مدى الـ60 عاماً الماضية، ازداد الطلب على النفط بوتيرة تكاد لا تتوقف، حدث هذا أولاً في الاقتصادات المتقدمة ثم في الاقتصادات الناشئة. وفي اللحظة الراهنة، صار الطلب العالمي على النفط حوالي 5 أضعاف نظيره في عام 1960. ففي الماضي، ولاسيما حتى انطلقت ثورة الغاز الصخري في الولايات المتحدة، تَمَثَّل التحدي دائماً في كيفية تلبية الطلب المرتفع أمام الإمدادات الجامدة كما يبدو، ولاسيما عندما بدأ صعود نجم الاقتصاد الصيني المتعطش للطاقة قبل 20 عاماً. غير أن عدداً من العوامل الهيكلية، حتى قبل تفشّي فيروس كورونا، كان متوقعاً لها أن تشكل عبئاً على استهلاك النفط، بدءاً من مكاسب كفاءة الطاقة في الاقتصادات الناشئة، ومروراً بالتسويق الكبير للسيارات الكهربائية، ووصولاً إلى الضغوط السياسية الاجتماعية لتقليل انبعاثات الكربون وكذلك انكماش العولمة.

ولكن برغم الإجماع واسع النطاق على أن مثل هذه الاتجاهات قائمة بالفعل، كان هناك دائماً درجة عالية من الريبة بشأن توقيت وشكل منحنى الطلب على النفط. يمكن للتغيرات الصغيرة التي تطرأ على الافتراضات المتعلقة بالعوامل العديدة المسؤولة عن تحديد الطلب على النفط على المدى الطويل -مثل نمو السكان، أو النشاط الاقتصادي، أو التنقل، أو كفاءة الطاقة- أن تُنتج مسارات مختلفة اختلافاً شديداً.

سيناريوهان لمستقبل النفط

على سبيل المثال، نشرت الوكالة الدولية للطاقة في العام الماضي سيناريوهين محتملين للطلب طويل المدى على النفط. في سيناريو الوكالة حول التنمية المستدامة، الذي اعتمدت تنبؤاته على التشديد القوي على سياسات المناخ، كان المتوقع أن يبدأ انخفاض الطلب بصورة جوهرية في العقد القادم، وأن ينخفض بأكثر من 30% بحلول 2040، ليصل إلى حوالي 70 مليون برميل يومياً.

أما السيناريو الآخر، الذي استند إلى السياسات الحالية، فقد ظل الطلب على النفط في حالة نمو لـ10 أعوام قادمة، قبل أن يستقر في العقد التالي نتيجة الضغط النزولي على استهلاك الطاقة جراء التحول إلى استخدام الطاقة الكهربائية، ويوازن هذا الضغط الاستهلاك الأعلى للطاقة من جانب المناطق الأفقر حول العالم. وبدون أدنى شك، في هذا السيناريو سوف يواصل العالم استهلاك كمية كبيرة من النفط الخام حتى بعد الوصول إلى مستوى الثبات؛ الذي يبلغ حوالي 100 مليون برميل يومياً، أي على مقربة من مستوى الاستهلاك الحالي.

كوفيد-19 قد يغير طريقة استهلاك النفط

بالنظر إلى تنوع سيناريوهات الطلب طويل المدى، رفضت الشركات في المعتاد النقاشات حول ذروة الطلب. غير أن مرض كوفيد-19 قد يغير ذلك إذا تبدّلت بشكل دائم سلوكيات الأفراد والأولويات المجتمعية.

ويعدُّ التنقل العامل الأول الذي يمكن أن يغير الحسابات، مع أن النشاط السياحي يرجح أن ينتعش ويعود إلى مستويات ما قبل الأزمة خلال عامين، ولاسيما إذا عُثر على لقاح لفيروس كورونا، قد تقلل ترتيبات العمل عن بعد ملايين الأميال التي يقطعها الموظفون في المواصلات. وبحسب بعض التقديرات، يمكن لأكثر من ربع الوظائف في منطقة اليورو أن تُؤدى من المنزل، وإن كان هذا على الأقل نظرياً. وتنطبق تقديرات مماثلة على الولايات المتحدة كذلك. في أوروبا، يتجاوز متوسط الأميال المقطوعة للذهاب إلى العمل حاجز الـ9 أميال، بينما يتجاوز المتوسط في الولايات المتحدة 11 ميلاً. ومن ثم يمكن تخيل كمية الوقود التي يمكن توفيرها إذا توقف ملايين الأشخاص عن ركوب المواصلات للذهاب إلى العمل.

علاوة على ذلك، قد يؤدي مرض كوفيد-19 إلى انخفاض كبير في رحلات العمل وتعويضها بالمؤتمرات عبر الفيديو، التي لن توفر التكاليف التشغيلية فحسب، بل يمكن كذلك أن تستتبعها مكاسب إنتاجية بفضل قضاء وقت أطول في العمل ووقت أقصر في الرحلات الجوية. بل إن بعض الأنشطة الصناعية يمكن أن تُستعاد لتقليل التعرض للصدمات التي تؤثر على الشركاء التجاريين الموجودين في أماكن أخرى حول العالم، ولاسيما من أجل إنتاج البضائع في القطاعات الحساسة، مثل قطاعي الصحة والأمن الوطني. إذ إن شحّ أقنعة الوجه، التي تُنتج بصورة أساسية في الصين، خلال الأيام الأولى من الجائحة، لم تقتصر آثاره على إجبار الحكومات على إيجاد موردين جدد، بل وأيضاً شجعت فجأة على تحول بعض الشركات المحلية إلى منتجي أقنعة. والتكنولوجيا الرقمية الجديدة التي تميل إلى خفض الاعتماد على العمال ذوي المهارات المنخفضة، سوف تنخفض حوافزها المقدمة إلى الشركات لتقطع إنتاجها حول العالم إلى شرائح. والثورة الصناعية الرابعة قد تضغط بدرجة كبيرة طول سلاسل الأنشطة المضيفة للقيمة حول العالم.

وفي النهاية، قد يمثل الأثر الإيجابي على جودة الهواء -الذي نتج عن الإغلاق- حافزاً للسلوكيات المراعية للبيئة في المستقبل. في أبريل/نيسان، عندما حوصر حوالي 4 مليارات شخص حول العالم في منازلهم، انخفض التلوث فجأةً في جميع أنحاء العالم، ما يقترح على صناع السياسة اتجاهاً واضحاً نحو السعي الجاد من أجل خفض انبعاثات الكربون. ويمكن أن يضغط المصوتون في هذا الاتجاه. بوضوح لا يكمن الحل في إغلاق قطاعات اقتصادية كاملة، لكن الحكومات يمكنها أن تدخل حوافز ضريبية تحثّ الشركات على الاعتماد على ترتيبات أكثر مرونة بالنسبة للوظائف التي يمكن أن تُؤدى عن بعد، فضلاً عن أن طرق الدراجات التي شُيدت في المدن الرئيسية لتقليل استخدام المواصلات العامة يمكن أن تظل كما هي بشكل دائم.

قد تحمل كل هذه التغيرات السلوكية أثراً كبيراً على الطلب على النفط. في الولايات المتحدة، يخصص حوالي 80% من الطلب على النفط الخام للمواد المرتبطة بالوقود: الوقود البترولي، أو وقود الديزل، أو الوقود النفاث. وسوف يكون كافياً أن نشهد انخفاضاً دائماً في الطلب اليومي على النفط بـ5 ملايين برميل (أي انخفاض بنسبة 5% عن مستويات الطلب العالمي قبل فيروس كورونا)، بسبب تغير عادات المواصلات، ما يجبر على حدوث تعديلات عنيفة في العرض. دعونا لا ننسى أن روسيا والسعودية خاضتا حرب أسعار في مارس/آذار، بسبب عدم اعتزام مجموعة أوبك بلس الاتفاق على خفض الإنتاج بمليوني برميل يومياً فقط، وهي حرب لم تقتصر نتيجتها على انهيار أسعار النفط وحسب، بل والأسواق المالية من الناحية الأعمّ.

ولكنَّ ركوب السيارات الخاصة قد يزيد

لا أحد يعرف ما إذا كانت ذروة الطلب قريبةً أم لا، فعلى الأقل في المدى القصير قد تتسبب الأزمة الصحية في زيادة استهلاك النفط في واقع الأمر إذا تجنّب الناس ركوب المواصلات العام لتجنّب العدوى. فقد أظهر استبيان في الصين أجرته شركة بحوث السوق Ipsos، أن ركوب الحافلات ومترو الأنفاق انخفض بنسبة 57%، غير أن ركوب السيارات الخاصة تضاعفت نسبته.

ومع ذلك، على عكس ما كان يحدث في الماضي، تأخذ شركات الطاقة سيناريو ذروة الطلب على محمل الجد. بحسب الوكالة الدولية للطاقة، سوف تؤدي هذه الشكوك، مقترنة بالخسائر الاقتصادية التي تسبب فيها الركود الحالي، إلى تقليص الاستثمارات العالمية المرتبطة بالطاقة بنسبة 30% في عام 2020. يحرص المنتجون الأمريكيون على وجه الخصوص على خفض خططهم الاستثمارية لأنهم بحاجة إلى أن يصل السعر المرجعي لخام غرب تكساس الوسيط إلى 50 دولاراً للبرميل، ليغطوا تكاليف تشغيل حقول نفط جديدة.

هل اقتربت لحظة الصفر مجدداً؟

وعلى صعيد السوق، سوف تكون الآثار السعرية كبيرة. يصل متوسط عمر آبار النفط الصخري الأمريكي 18 شهراً. وفي ظل التقليص الجزئي في نشاط التنقيب في الآبار الجديدة، قد تأخذ الأسعار اتجاهاً تصاعدياً بحلول 2022، فحينها يحتمل أن يقل الإنتاج في أمريكا الشمالية نتيجة قلة الاستثمار. ولكن على المدى الطويل، قد تذهب الاتجاهات في الطريق المعاكس. ففي إحدى الحالات القصوى التي تتضمن انخفاضاً سريعاً في الطلب على النفط، مثلما ارتأى سيناريو التنمية المستدامة الخاص بالوكالة الدولية للطاقة، سوف تهبط الأسعار ما يخلق بيئة شديدة التنافسية لن يبقى فيها إلا المنتجون الأكفأ من ناحية التكلفة؛ ولن تكون شركات النفط الصخري الأمريكية بالضرورة من بينهم. بعبارة أخرى، في غياب التوترات الجيوسياسية الكبرى، قد يتخذ منحنى أسعار النفط على مدى الأعوام الخمسة القادمة شكل حرف (U) مقلوب: لتصل في البداية إلى 60 دولاراً للبرميل، ثم تنخفض إلى 40 دولاراً للبرميل. لن يقتصر الأمر على تنافس البلاد منافسة شرسة للحصول على حصص من السوق المنكمش، بل يمكن أن تتحول سياسات المنطقة؛ نظراً إلى أن عديداً من برامج الرفاه السخية سوف تنخفض انخفاضاً كبيراً.

بكل وضوح، ليست التغيرات الكبيرة في اقتصاد الطاقة شيئاً يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها، لكن مرض كوفيد-19 قد يسرّع من العملية. وعندما تنخفض أسعار النفط لأقل من الصفر -مثلما حدث في مارس/آذار- قد يكتشف المنتجون أن أكبر أصولهم يشكل ديناً على كواهلهم.