//Put this in the section

ما مصلحة لبنان في إنعاش حزب الله لحكومة ولدت ميتة

تتصاعد على الساحة اللبنانية أحاديث عن ضرورة استقالة الحكومة الحالية، بعد الفشل الذريع في معالجة الأزمة الاقتصادية والمعيشية المستمرة منذ أشهر، وفي ظل ضغوط داخلية وخارجية.

وما يعمق الأزمة التي تواجهها حكومة حسان دياب، عدم تحقيق زيارة المدير العام لجهاز الأمن العام اللواء عبّاس إبراهيم كمبعوث للرئيس ميشال عون لقطر والكويت النتائج المرجوة لإنقاذ الاقتصاد المتردي، في ظل اكتفاء الكويت بمجرد تقديم الوعود، لما تعانيه هذه الفترة من ضغوط في الموازنة نتيجة تداعيات الجائحة وهبوط أسعار النفط.




وتوقعت أوساط سياسية رفض قطر أيضا توفير مساعدات سريعة للبنان الذي يسيطر عليه حزب الله، على الرغم من الانهيار الاقتصادي الذي يعاني منه، في غياب الضوء الأخضر الأميركي، خصوصا في هذه الظروف بالذات.

ويشكل ارتهان البلد إلى أجندة حزب الله الموالي لإيران أحد أبرز أسباب تخلي حلفائه التقليديين عنه في الخارج حيث لم تعد باريس وواشنطن مهتمتين بدعمه ماليا في ظل هيمنة حزب الله على صنع القرار، كما يعد نفوذ الحزب من دوافع انسداد الأزمة السياسية على صعيد داخلي.

وعلى رغم الدعوات بالاستقالة إلا أن محللين سياسيين يستبعدون هذه الخطوة على الأقل في هذه المرحلة، مع إصرار حزب الله المدعوم من إيران عدوة الولايات المتحدة على عدم سقوط الحكومة الحالية المشارك فيها.

ويرتبط تمسك حزب الله بالمشاركة الحكومية، بدوافع عدة أهمها أنها توفر له غطاء سياسيا هو في أمس الحاجة إليه في ضوء الضغوط الأميركية، كما أن الحزب يتأمل في أن ينجح مشروعه بفك ارتباط لبنان كليا بالمنظومة الغربية وربطه بالشرق.

وكان رئيس الحكومة اللبنانيّة حسان دياب نفى السبت، “إمكانيّة استقالة الحكومة”، مشددا على استمرار “عملها بزخم لتخفيف العبء على المواطنين”. ويتهم دياب برضوخه لإملاءات حزب الله، الأمر الذي يعقد الأزمة أكثر وزاد من حالة الصدام في بلد يقوم نظامه على المحاصصة الطائفية والسياسية.

شروط الحريري

في خضم ما يعانيه لبنان من أسوأ أزمة اقتصادية منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975 ـ 1990)، ما فجر احتجاجات شعبية مستمرة منذ 17 أكتوبر الماضي، رافعة مطالب اقتصادية وسياسية، دعا سياسيون لبنانيون إلى استقالة الحكومة، في ظل تعمق الانهيار المالي في البلاد، وعليه طلب البعض بعودة رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، ليقود حكومة تخلف الحالية.

وفي ضوء واقع اقتصادي وسياسي صعب، بدأت أقطاب في السلطة تتقدمهم حركة أمل البحث عن مخارج وبدائل حكومية جديدة قديمة، من بينها فتح قنوات اتصال مع رئيس الوزراء السابق سعد الحريري في محاولة لإقناعه بالعودة وتشكيل حكومة، إلا أن الأخير لا يبدو متحمسا لهذا الأمر.

وأعلن الحريري الذي أجبره المحتجون على الاستقالة، في 29 أكتوبر الماضي، وحلت محل حكومته الحكومة الراهنة برئاسة حسان دياب، في 11 فبراير الماضي، شروطا للعودة لافتا بالقول “لن أغطي أحدا قريبا مني لترؤس أي حكومة”.

وسبق أن أكد الحريري الذي يتولى زعامة تيار المستقبل في تصريحات صحافية مؤخرا أنه لا يتوقع عودته على المدى القريب “على الأقل حتى تتحقق الشروط التي يعرفها الجميع ليتجدد الأمل في الانتعاش الاقتصادي ومنح الشعب اللبناني ما يريده حقا: إصلاح حقيقي، وفرصة للكرامة الوطنية والاجتماعية والشخصية”.

وتابع الحريري، في دردشة مع صحافيين الأسبوع الماضي إن “الفراغ مدمر للبنان، والفرصة للإنقاذ قائمة، والحل بتغيير الآلية ‏والمحاصصة، وبناء البلد على أسس جديدة”.

وحسب المراقبين، فإن الحريري بانتظار أن تنضج ظروف عودته للحكومة، وإلى حين ذلك فإن الأولوية حاليا بالنسبة له هو ترتيب البيت الداخلي، وشد عصب البيئة السنية إليه، وهو يلاقي في ذلك دعما من رؤساء الوزراء السابقين.

وبعد اجتماع مع الحريري، رأى نائب رئيس البرلمان إيلي فرزلي، المقرب من التيار الوطني الحرّ وحلفائه حزب الله وأمل، أن “إعادة النظر في تشكيل الحكومة أصبح ضروريا”.

واعتبرت وزيرة المهجرين غادة شريم، في مقابلة مع إذاعة “صوت لبنان” السبت، أن “التغيير الحكومي ممكن في أي لحظة وفي أي ظرف من الظروف. المهم هو إيجاد حلول لإنقاذ البلاد”.

وذهب وزير الطاقة ريمون غجر في مقابلة منفصلة مع الإذاعة، إلى أن أعضاء الحكومة شككوا في “فائدة الاستمرار في ضوء عدم الإنجازات”. وتابع أن أعضاء مجلس الوزراء، بمن فيهم دياب، لا يعارضون تغيير الحكومة، إذا “حسن وضع البلد”، مشتكيا من أنه “يجب أن يتحمل عبء عشرات السنين من السياسات التي وضعت البلاد على حافة الهاوية”.

وضمن عدم الرضا عن حكومة دياب، قال رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الثلاثاء “لا نقبل بهذا النمط من قلة الإنتاجية بالمرحلة الأخيرة، وعليها (الحكومة) الإسراع في تنفيذ الإصلاحات، وقد لا تستمر إذا فشلت في فعل المزيد”.

واشنطن وحزب الله

تفيد جميع المعطيات بأن موعد إسقاط الحكومة لم يحن، بعدما حاولت بعض القوى السياسية، بما فيها التيار الوطني الحر، طرح هذه الحكومة للبيع، لعل ذلك يخفف الضغوط الأميركية، ولكن لم يكن هناك أي استجابة.

ويشير الصحافي منير الربيع في تصريحات صحافية أن “حزب الله حليف طهران والنظام السوري لا يزال متمسكا بالحكومة، ولن يتخلى عن هذه الميزات والسيطرة على حكومة تمنحه الشرعية الرسمية والشعبية والمؤسساتية”.

ويضيف الربيع أن “دياب يعمل وفق ما يُملي عليه حزب الله، والدليل دعوة أمينه العام حسن نصرالله، إلى التوجه شرقا نحو العراق وإيران والصين بحثا عن حلول للأزمة الاقتصادية”.

ويريد حزب الله عبر خيار اللجوء إلى الدعم الصيني، تخفيف الضغوط الأميركية عليه، وأبدت واشنطن غضبها من فشل القوة الدولية بجنوب لبنان في دخول بعض المناطق وتفتيش مخابئ أسلحة لحزب الله، مؤكدة أنها تدرس “حجب التمويل عنها”.

وتعتبر الولايات المتحدة حزب الله، حليف إيران، منظمة “إرهابية” علما بأن الحزب وحلفاءه لهم غالبية مقاعد البرلمان ويتهمه خصومه بالهيمنة على الحكومة.

ويرى مراقبون أنه على القوى السياسية، التي تجتمع دوما مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط، والحريري، تحسبا في حال سقوطها (الحكومة) في المرحلة اللاحقة، أن تكون لديهم خطة جاهزة.

وحسب الربيع فإن “واشنطن تعتبر أن الحكومة سقطت، ولا يمكن التعامل معها، ولا يمكن حصولها على مساعدات، لذلك الضغط سيشتد عليها في الأيام المقبلة”. ويعتقد أن “المطلب الأميركي هو تشكيل حكومة مستقلين، لا علاقة لهم بالقوى السياسية، لكن حزب الله يرفض هذا الأمر قطعا، وهو متمسك، حتى لو سقطت هذه الحكومة، أن يكون شريكا في أي حكومة أخرى.. وفي حال سقوط هذه الحكومة من المستبعد أن تتشكل أخرى بوقت قريب”.

ووفق أوساط سياسية مقربة من حزب الله، فإنه توجد أحاديث كثيرة عن إسقاط الحكومة، لكن حتى الآن لم يتم الاتفاق على ذلك. وتكشف هذه الأوساط أن الشرط الأساس لاستقالة الحكومة هو الاتفاق على البديل، سواء من يتولى التشكيل أو برنامج العمل، وهذا لم يحصل”.

ويلفت المحلل السياسي قاسم قصير إلى أن “الضغوط مستمرة، داخليا وخارجيا لإسقاط الحكومة.. وعودة سعد الحريري مطروحة، لكنْ لديه شروط صعبة”. ويرى قصير أن “الحكومة مستمرة، ولو بقوة أمر الواقع، إلا إذا تطورت الضغوط الداخلية والخارجية، أو تم الاتفاق على البديل”.

واتهم نصرالله في 16 يونيوالماضي، واشنطن بمنع وصول الدولارات إلى لبنان لخنق اقتصاده.

وذكرت صحيفة “الأخبار” المحلية، مقربة من حزب الله الاثنين، أن السفيرة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا، أرسلت إلى دياب عبر أصدقاء مشتركين، “رسائل قاسية اللهجة” تتهمه فيها بأنه ينفذ أجندة “الحزب” في الحكومة، رافضة انفتاح بيروت على التعاون مع بغداد وبكين.

ومع بدء توليها المسؤولية، تعهدت حكومة دياب بأنها “غير سياسية”، وستعالج “الفساد المستشري”، وتحشد الدعم الدولي للبنان. إلا أن المستجدات أثبتت أنها حكومة خاضعة لحزب الله، واختارت المضي في دعمه على حساب مصلحة شعبها.

وأقرت الحكومة نهاية أبريل الماضي، خطة إنقاذ اقتصادية تستمر 5 سنوات، وشرعت في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي لتمويل هذه الخطة، لمعالجة أزمة دفعت لبنان إلى تعليق سداد ديونه.

لكن هذه المفاوضات توقفت مؤخرا، حيث لم يتمكن المسؤولون اللبنانيون من الاتفاق على حجم الخسائر في القطاع المصرفي بالبلاد. ولم تتمكن الحكومة من احتواء انخفاض الليرة اللبنانية، التي فقدت أكثر من 80 في المئة من قيمتها منذ أواخر 2019، بجانب ارتفاع معدلات البطالة والتضخم.

كما يعاني لبنان نقصا كبيرا في الوقود، ما أدى إلى انخفاض كبير في إنتاج الكهرباء وارتفاع أسعار السلع “بشكل جنوني”.

ويطالب المحتجون برحيل الطبقة السياسية، التي يحملونها مسؤولية الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، ويرون أنها السبب الأساسي للانهيار المالي والاقتصادي في لبنان.