//Put this in the section //Vbout Automation

جشع تجارٍ يتحكّم بالسوق والناس… الدولار ليس كلَّ القصة، فمَن يُحاسب؟

بعض التجار لا يشبعون، فتطفو ظاهرة الجشع على المشهد الاقتصادي الاجتماعي الدراماتيكي. يستغلّون وجع الناس والفوضى العارمة في ظلّ غياب الضوابط والقوانين، أو أقلّه في ظل عدم تطبيقها. يحتكرون ويتحكّمون بالأسعار معتبرين أنّها فرصة ذهبية لكسب الأرباح دون شفقة أو رحمة. لا يريدون أن يخسروا ليرة واحدة، بينما أكثر من مليون شخص في لبنان أصبحوا تحت خط الفقر. الأزمة على الجميع، لكنّهم لا يريدون تقاسم الخسائر ولا حتّى التكافل. يحسبون أنّ حياة الرفاهية ستدوم لهم طويلاً. في هذا التقرير نسلّط الضوء على عينة عن كيفية تعامل التجار مع لعبة الدولار، ونطرح الوضع القانوني لهذه الممارسات.

في صيدلية من صيدليات بيروت الشهيرة، تقف الزبونة لتشتري مرطّباً للوجه، يقول لها الصيدلي: “اشتري الآن على هذا السعر لأنّ غداً ستُصدمين بالسعر الجديد”. وفي حالة أخرى، أحبّت زبونة أن تشتري أونلاين بعض المناشف، فلفتت انتباهها صاحبة الصفحة إلى أن تستعجل بالشراء في مهلة أقصاها ساعة قبل أن يرتفع سعر الدولار”. وآخر ذهب ليشتري مكنسة، وعندما جاء ليدفع ثمنها تفاجأ بأنّه ارتفع إلى 20 ألف ليرة بعد أن كانت منذ يومين بـ 16 ألفاً، وبعد أن سأل الزبون البائع عن سبب ارتفاع سعرها رغم انخفاض الدولار، ردّ البائع: “إذا لم يعجبك ذلك، فلا تشتري”.




هذا غيض من فيض من الحالات التي يمرّ بها اللبناني يومياً في هذه الأيام القاهرة. في الأسطر التالية نشرح كيف يتعامل التاجر مع وضع الأسعار، ولماذا.

في متجرٍ من أهمّ متاجر بيع الهواتف في بيروت، وعند سؤالنا كيف يسّعرون في ظلّ عدم ثبات سعر الدولار، كان جواب مديره: “نحن نتبع سعر الصرف يومياً حيث تبقى قيمة الدولار فيه”. يشرح بكلّ ثقة أنّه إذا اشتروا جهازاً على سعرٍ معيّن اليوم، وارتفع السعر في اليوم نفسه، يسعّر حسب السعر الجديد، ويزعم أنّه عندما ينخفض سعر الصرف يخفّض الأسعار، ويؤكّد على أنّ التعامل هو “يوم بيوم” لأنّ تعاملهم بالدولار. “نحن مضطرّون إلى أن نتعامل هكذا لأنّنا بحاجة إلى أن نشتري الدولار، فالسلع التي نبيعها تتطلّب أن نشتري منها فور نفادها، ولم نعد نحتفظ بكميّة كالسابق، والمخزون ليس كبيراً أيضاً، لدينا مخزون صغير، مثلاً من جهاز “Iphone” جهاز واحد”، على ما صرّح.

تأمين الدولار بأي ثمن هي القاعدة المُتّبعة. عليهم تأمين الدولار بدل الدولار الذي ينفقونه لشراء البضاعة، لذا يبرّرون رفع الأسعار بهذه الحجة، وعندما يرتفع الدولار يضطرّون إلى أن يرفعوا السعر. “لا ذنب لنا في هذه الأزمة، علينا أن نؤمّن الدولار بأيّ سعر كان”، يردّد.

في ظل هذه الأزمة اضطروا إلى أن يتوقّفوا عن الاستيراد، وأصبحوا يشترون حاجتهم من السوق، ويزعم المدير أنّ التاجر الذي يورّد لهم البضائع يأخذ احتياطاته من ناحية السعر والاحتفاظ بالربح في حال ارتفع سعر الدولار إلى أكثر من 10000 آلاف ليرة. يبيع المخزون القديم بالدولار أياً كان سعره في السوق السوداء، ويصرّ على تصوير هذه العملية بأنّها عادية من خلال التشديد على كلمة “أبيع بالدولار”. فيجب عليهم تأمين الدولار، ولا يمكن أن يبيعوا على سعر صرف 1500ليرة “فالدولار دولار، ولا يمكن للتاجر أن يخسر من رأس مال بضاعته” يردّ.

بالانتقال إلى متجرٍ آخر لبيع الهواتف، وهو أيضاً من المحلات الشهيرة في بيروت، حاورنا المدير لمعرفة كيف يسّعرون السلع في ظلّ عدم ثبات سعر الدولار، فتطابقَ جوابه مع جواب مدير المتجر السابق: “نلحق السوق”. ويبرّر السبب بالحاجة إلى شراء بضاعة جديدة، فيرفع السعر مع ارتفاع الدولار ويخفّضه مع انخفاضه. وبحسب قوله، إنّهم يستوردون تقريباً كلّ 15 يوماً، وإذا اشترى على سعر صرف6000 ليرة وارتفع الدولار بعد الظهر إلى 6500 ليرة، يسعّر على 6500، وإذا انخفض الدولار يخفِّض.

سألنا عن المخزون القديم إذا ما زال موجوداً وعلى أيّ سعر يُباع. وفق المسؤول، المخزون القديم كان لا يزال موجوداً في أول 15 إلى 30 يوماً من الأزمة، وبعدها أصبحوا مضطرين إلى أن يشتروا بضاعة بحسب حاجة السوق، ويقدّرون هذه الحاجة من خلال درس وضع الدولار في السوق، ومبيعاتهم السابقة، ونسبة الناس القادرين على أن يدفعوا بالدولار، ويلبّوا الحاجة. وهم لم يتوقّفوا عن الاستيراد، فبحسب المسؤول، هم وكلاء “Apple”، ولديهم شراكة مع “Samsung”، لذا عليهم أن يتمتّعوا بقوة شرائية لكي يستمروا بالتعامل مع هذه الشركات، وإلّا سيكون مصيرهم الإقفال.

وفي السؤال عن سبب عدم توقّفهم عن الاستيراد ورفع الأسعار حتى يثبت الدولار، يردّ المدير: “كيف نعمل؟ لا يمكن التوقّف، فإذا جاء زبون ما لا يمكنني أن أقول له ليس لديّ بضاعة لأنّني سوف أخسره، ومؤسستنا تضمّ 150 عائلة تعتاش منها”. وعن فعالية هذه السياسة في تغطية مصاريف هذه العائلات، يجيب أنّه “حتى الآن لم يتوقف أحد عن العمل”.

 

“هي سرقة موصوفة” لكن لا أحد يحاسب

الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة اعتبر أن “ممارسات أغلبية التجار في وضع الأسعار هي ممارسات غير طبيعية ومخالِفة لقانون المرسوم التشريعي 83/73، الذي يجرّم هذه الممارسات، ويمكن أن تصل عقوبتها إلى الحبس والغرامة المالية. ليس مبرّراً رفع الأسعار يومياً بحجة الحاجة إلى شراء الدولار، يسمّونها شطارة في لبنان، لكنّها فعلياً هي سرقة موصوفة، فمن غير المقبول أن يدفع المواطن ثمناً لم يدفعه التاجرعند شراء البضاعة”.

ويقول في هذا السياق إنّ “هؤلاء التجار يمارسون الـ replacement cost، أي عندما يشتري التاجر سلعة على سعر 1500 ليرة ويبيعها على سعر 8000”. ويشرح أنّ “هذه الممارسات ليست فقط بسبب جشع التجار، وإنّما بسبب تقاعس الحكومة في تطبيق القوانين أيضاً”. وبحسب عجاقة، وفق المرسوم المذكور أيضاً، يجرَّم كلّ تاجر يمارس الاحتكار، وهذه العملية يمارسها الكثير من التجار، وهي مطبَّقَة من قبل أغلبية التجار وخاصةً التجار الكبار تجاه المواطنين، لكن لا شكّ بأنّ هناك تجاراً “أوادم”.

ويستشهد عجاقة بمثال على الاحتكار، بأنّ هناك سوبرماركت لم يبق سلعة واحدة على رفوفها، لكن فور الدخول إلى مخازنها لا يمكن إيجاد مكانٍ لوضع زجاجة ماء من كثرة السلع الموجودة في داخلها. وكان ناشد الجهات المعنية القيام بواجبها، ووضع نفسه بتصرفها لتزويدها باسم السوبرماركت وعنوانها، لكن أحداً لم يحرّك ساكناً.

ويلوم عجاقة أيضاً المواطن بالقول: “هناك عامل مهمّ جداً يؤثر في عمليات رفع الأسعار وهو المواطن. فمن خلال تحويل راتبه اللبناني إلى الدولار ومن ثم تصريفه إلى الليرة على سعرٍ مرتفعٍ في السوق السوداء ظناً منه أنّه يكسب الربح، يدفع بالتجار إلى رفع الأسعار أكثر من الجهة الأخرى، ويكون بذلك قد جنى على نفسه من دون أن يدري، وهذه العملية هي مضارَبة على العملة، وهي ممنوعة ويحاسب عليها القانون أيضاً بحسب المادة 319 من قانون العقوبات”.

ويطرح الحلّ من خلال تنفيذ التدابير التالية:

– تقوية الرقابة من قبل مديرية حماية المستهلك التابعة لوزارة الاقتصاد

– وضع الأجهزة الأمنية في تصرف وزارة الاقتصاد في ظل غياب هيبة الدولة، لتمكين الوزارة من الدخول إلى جميع المؤساسات وكشف المخالفين دون أن يتعرّض أحد لها

– على الحكومة أن تضرب بيدٍ من حديد وتحويل المخالفين إلى القضاء.

التجار الكبار لا يرحمون…”نحن آكلين الضرب”

في سوبرماركت بيضون، ترى مديرة فرعها في منطقة المريجة أنّهم يعانون من جشع التجار الكبار الموردين تجاههم، وتعطي مثلاً: “منذ يومين قالوا إنّ الدولار انخفض، ونهار السبت سعّر أحد المورّدين البضاعة التي طلبتها منه على سعر يفوق الـ8000 ليرة للدولار، بينما كان الدولار بحوالى الـ7000 “.

وتوقّفت المديرة عن شراء السلع الغالية حتّى ترى إذا كان الزبون سيتقبّل أسعارها. فمثلاً كانت تشتري أكياس جبنة الموزاريلا بالصناديق، أمّا الآن فاشترت كيساً واحداً كلّفها حوالى 66 ألفاً، فقط لكي تختبر الزبائن ، وحتى الآن يمرّون من جنبه ولا أحد يشتريه. وعندما انخفض الدولار منذ بضعة أيّام، اشترت بضاعة على سعر 10000آلاف ليرة، لكن كانت خسارة عليها لأنّ لا أحد يشتري على سعرٍ عالٍ إلى هذه الدرجة.

لكنّها لا تستطيع التوقّف عن التموين كما تفعل الشركات الكبيرة التي تنتظر ريثما يتبيّن وضع الدولار، فهذه المؤسسات تحتكر البضائع، أو تعطيها كمية قليلة جداً من السلع كيلا تقطعها نهائياً، بهدف رفع سعرها لاحقاً، فـ “نحن آكلين الضرب من التجار الكبار” تشتكي المسؤولة.

ومع طرح دعم بعض السلع، بدأت بالتموين منها، وهناك مورّدون يرفعون أسعارها، ولكن يبقى دولارهم على سعر 1500 ليرة، وهناك من يتبع سعر الصرف في السوق مهما كان. وبدورها، تلتزم في السوبرماركت بالسعر الذي اشترته، فإذا اشترت على سعر 7000 ليرة، تبيع على السعر نفسه ولا تتبع سعر الصرف في وضع الأسعار، فهم ملتزمون بقرارات وزارة الاقتصاد، وهناك مندوبون يأتون للكشف أسبوعياً عن الأسعار لديهم.

وأطلقت صرخة تتّهم فيها التجار الكبار بأنّهم يمارسون الجشع والطمع، وتختم بالقول: “لا ذنب لنا، ولا ذنبهم إذا أرادوا من خلال هي الطريقة أن يشتروا الدولار، ولكن يمكنهم أن يقلّلوا من هامش ربحهم، نحن لدينا بعض السلع التي ما زلنا نبيعها على السعر القديم بسبب وجود كمية كبيرة منها في المخزون”.

وكانت وزارة الاقتصاد قد أكّدت على أنّ أسعار المنتجات سترتفع كلّما ارتفع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية. أمّا عن الرقابة، فأشار وزير الاقتصاد والتجارة راوول نعمة إلى أنّ مراقبي حماية المستهلك يتنقلون بين المناطق والمتاجر بهدف التأكّد من الأسعار وأرباح التجّار.

وكان نعمة أعلن في وقت سابق عن بدء العمل بخط Whatsapp لتلقي الشكاوى من المستهلكين على مدار الساعة، طالباً من كلّ المواطنين أخذ صورة للبضائع مع السعر وإرسال اسم وعنوان المحل على الرقم المعني. وأكّد بدوره على ملاحقة كل الشكاوى وعلى عدم التهاون مع المخالفين.

المصدر: النهار