//Put this in the section //Vbout Automation

هذا ما باتت تساويه رواتبنا بالدولار… ومليون عاطل عن العمل نهاية العام!

“شو سعر الدولار اليوم؟”، سؤال يطرحه كل مقيم على الأراضي اللبنانية في الفترة الأخيرة، بعد الارتفاع الجنوني لسعر الصرف أمام الليرة اللبنانية، ليصل في السوق السوداء إلى حدود 9 آلاف ليرة، فيما التجار يشترون بضاعتهم على سعر 10 آلاف ليرة، مما يؤثر بشكل مباشر على ارتفاع السلع.

يمكن القول إن حياة اللبناني شبه متوقفة في الفترة الحالية، وجلّ تفكيره يتمحور حول الدولار وارتفاع أسعار السلع الغذائية. فالراتب الذي كان يتقاضاه على سعر صرف 1500 ليرة، ولم يكن يكفيه أصلاً، فكيف الحال مع التقلب المستمر للصرف؟ وما هو مصير العائلات التي لم تجد قوت يومها بالأساس، لتجد نفسها أمام تحديات ثقيلة لا قدرة لها عليها، كانقطاع التيار الكهربائي الذي وصل إلى 18 ساعة تقنين في معظم المناطق، ناهيك بأزمة كورونا، وغيرها من المشكلات اليومية؟




بحسب الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين، فإن 90 إلى 95 في المئة من الشعب اللبناني يتقاضون رواتبهم بالليرة، لتفقد قيمة رواتبهم نحو 80 في المئة إذا اعتبرنا أن الدولار اليوم يراوح سعره عند الصرافين في السوق السوداء ما بين 8 و9 آلاف ليرة، فيما بعضهم يشتريه بـ10 آلاف ليرة.

وفي عملية حسابية بسيطة، فإن الحدّ الأدنى للأجور هو 675 ألف ليرة، ما كان يعادل قبل الأزمة الحالية 450 دولاراً أميركياً، أما اليوم فيوازي 75 دولاراً فقط، لنصبح أمام أسوأ أزمة اقتصادية يواجهها البلد منذ تأسيسه، وليقتصر مصروف اللبناني على المأكل والمشرب فقط، بينما العديد من المنازل فضلت قطع اشتراك الكهرباء والبقاء على ضوء الشمعة. ونظراً للتقنين القاسي، أُجبر أصحاب المولدات على رفع سعر التعرفة إلى ما يقارب 150 ألف ليرة لـ5 أمبير فقط.

أما السلة الغذائية لعائلة مؤلفة من 5 أفراد، والتي كانت تساوي نحو 450 ألف ليرة، ارتفعت 122 في المئة لتصبح اليوم مليون ليرة، أي أعلى من الحد الأدنى للأجور، لنصبح أمام كارثة معيشية لم يشهدها لبنان في عز الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائلي وحصار بيروت عام 1982. كما نواجه يومياً انقطاع المواد الغذائية وأزمة التقنين والتخوف من أزمة الخبز وإقفال المؤسسات أبوابها لعدم قدرتها على الاستمرار، وغيرها من المشكلات الحياتية التي تعتبر البداية لما قد نواجهه في الفترة المقبلة في حال عدم استقرار سعر الصرف، وغياب الدولة عن إيجاد حلول سريعة.

معظم الشعب اللبناني يتقاضى راتبه بالليرة. والوضع المبكي يمكن إدراكه فوراً داخل البيوت، عند فئة خسرت وظائفها ومعيلها، أما من بقي في عمله بدون أي زيادة فقد أصبح أمام مرحلة جديدة لم يعرفها من قبل. فالشابة فاطمة السيد، والتي تعمل كمساعدة طبيب بيطري، تتقاضى شهرياً 600 ألف ليرة فقط؛ تقول في حديثها إنها كانت راضية لأن منزلها يقع بالقرب من عملها، إضافة إلى اعتمادها على الإكراميات من الزبائن، أما اليوم فهي في حيرة من أمرها، فراتبها يساوي 66.66 دولاراً، وفي حال قررت شراء أي من حاجياتها الأساسية كشابة، لن تقدر على ذلك، فزجاجة العطر كان سعرها 200 ألف ليرة، أصبحت اليوم مليوناً ومئة ألف، أما الثياب والأحذية فلم تشترِ أي قطعة منها منذ حوالى 3 أشهر.

أما الشابة بولا شوفاني، والتي تعمل كمحاسبة في إحدى الشركات التجارية، فتتقاضى مليونين ومئة ألف ليرة، ما كان يضاهي 1400 دولار، وأصبح اليوم على سعر الصرف الحالي 233 دولاراً فقط، لتلغي معظم مشاريعها المستقبلية كقضاء إجازة الصيف خارج البلاد، كما أنها تخلفت وزوجها عن سداد أقساط الشقة في الفترة الحالية لتركيزهما على شراء الحاجات الأساسية لمنزلهما، كالرز والسكر والعدس والمعلبات والمحارم على قاعدة “نشتري اليوم ومنتموّن أحسن ما يغلوا بكرا أكتر”، ولا تخفي بولا نيتها بيع سيارتها في الفترة المقبلة والاكتفاء بسيارة واحدة في المنزل، لتختم حديثها بالقول: “هيك هيك ناويين نهاجر”.

مشاكل بولا والتحديات التي تواجهها تبقى أفضل من حال السيدة نبيهة، والتي تعمل في إحدى المدارس كعاملة تنظيفات، وتتقاضى ما يقارب الـ 500 ألف ليرة شهرياً، بينما زوجها عاطل عن العمل منذ حوالى السنة بعد أن قررت الشركة التي يعمل فيها تخفيض عدد الموظفين لديها، ليركز اهتمامه في الفترة الحالية على زراعة الدخان. وفي ظل كل الصعوبات اليومية يمكننا فقط أن نتخيل حجم الحرمان الذي تعيشه تلك العائلة المؤلفة من 3 أولاد ويعاني أحدهم من مشاكل صحية بحاجة إلى أدوية شهرياً تساوي راتبها إن لم يكن أكثر، لتضطر إلى الاستدانة من الأقارب أو الصيدلية وتدفع عند انتهاء موسم زراعة الدخان.

وفي ظل الأوضاع الحالية، فإن رخصة زراعة الدخان في أحسن الأحوال ستدرّ عليهم ما يقارب الـ 5 ملايين و200 ألف ليرة لسنة كاملة، وهو مبلغ يُعتبر مصروف منزل عادي لشهر أو لشهرين، فكيف الأمر لسنة كاملة؟

تلك الحالة أجبرت سيدة المنزل على إيجاد عمل لبناتها في أحد المحال التجارية لتتمكنّ من مساعدة العائلة، فيما تقول وبغصة: “إذا ضل الوضع هيك مجبورة يتركوا المدرسة”.

فرق سعر صرف الدولار أثّر أيضاً على الموظفين في القطاعين المدني والعسكري، فالعنصر في قوى الأمن الداخلي “ماهر” (اسم مستعار) يتقاضى شهرياً مليون و600 ألف ما يساوي 170 دولاراً كحد أقصى، فيما، بحسب تعبيره، يُتداول الحديث داخل السلك العسكري عن مساعدات مالية بحدود الـ600 ألف شهرياً لن تُحتسب من صلب الراتب.

يخبر ماهر أنه اضطر إلى الدخول إلى السلك العسكري لتأمين حياته، ومساعدة والديه العاجزين، أما اليوم فما باليد حيلة، ما يجبره على الاستادنة لمساعدة والديه وعائلته المؤلفة من ولدين، وأصبح تأمين الحليب لهما ومستلزمات الأطفال من الأمور التعجيزية في حياته اليومية.

أما مهى، مدربة في الجامعة اللبنانية، تتقاضى راتبها كل 6 شهور (مع وعود بأن تتقاضاه شهرياً). ومع الارتفاع الحالي للأسعار وسكنها وحدها في بيروت تضطر مهى للتعامل قدر الإمكان مع الأزمة الحالية بتقشف، فلا عطور ولا ثياب ولا أي من الكماليات، لا بل تضطر إلى الاستدانة من أهلها ريثما تتحسن الأمور، وكغيرها من أبناء جيلها تسعى مهى للهجرة إلى كندا علّها تجد وطناً يكافئها ويعطيها بحجم إمكاناتها العلمية.

أما دايفد، ابن برج حمود، يعمل في أحد فنادق بيروت، توقف عمله في فترة الحجر، فيما قرر الفندق تخفيض راتبه إلى النصف، حيث كان يتقاضى مليوناً و200 ألف ليرة، ما يضاهي اليوم 130 دولاراً، وهو مبلغ لا يمكن حتى من إطعام طفلته التي تبلغ 3 سنوات، وبضحكة الساخر واليائس من الوضع يسأل: “كيف يمكن لـ600 ألف أن أدفع بها إيجار منزلي والكهرباء والاشتراك والطعام والدواء..؟!”، ليختم حديثه بالقول: “كتر خير الله عليّ 8 ملايين دين خلال 5 أشهر فقط”.

قصص كثيرة تصادفنا في حياتنا اليومية لمواطنين يرون أمام أعينهم كيف تتبخر أموالهم بدون أي حسيب أو رقيب، فيما عدد العاطلين عن العمل في الوقت الحالي يقارب الـ500 ألف، ويتوقع محمد شمس الدين الباحث في الدولية للمعلومات أن يرتفع العدد نهاية العام إلى مليون، إذا استمر مسار الانهيار نحو النهاية.

المصدر: النهار