//Put this in the section

لماذا لا تهتم الولايات المتحدة بـ”الكارثة” التي تحدث في لبنان؟

مع استمرار اقتصاده في التداعي واحتدام الاحتجاجات، تستمر أزمة لبنان في التفاقم وكذلك التحذيرات من أن الاضطرابات قد تنفجر لتشعل أزمةً إقليمية كبرى.

وصلت تحذيرات عديدة بهذا المعنى إلى الولايات المتحدة، وهي التي التزمت تاريخياً بإرسال أعداد كبيرة من القوات إلى هناك، منهم أكثر من 200 جندي أمريكي قُتلوا في الثمانينيات عندما تدخلت الولايات المتحدة ضمن قوة متعددة الجنسيات لوقف الحرب الأهلية في البلاد.




بيد أن استجابة واشنطن كانت محدودة هذه المرة، ويقول محللون إن النهج الحذر المتبع حالياً يرجع في أساسه إلى تاريخ طويل من المعاناة الأمريكية في منطقة لديها فيها تاريخ ممتد من المغامرات الفاشلة، بحسب تقرير لموقع VOA الأمريكي.

وتعليقاً على التدخلات الأمريكية في المنطقة، يقول لاري كورب، كبير الباحثين في منظمة “مركز التقدم الأمريكي” البحثية في واشنطن، “في غزو العراق لم يسر الأمر على نحو جيد، والتدخل في سوريا لم يسر أيضاً على نحو جيد، وأفغانستان لا تزال الأوضاع المضطربة مستمرة، ومن ثم فأنا أعتقد أن الحكومة الأمريكية قد سئمت من محاولة التعامل مع المشكلات المعقدة هناك. إنها حقاً مشكلة يتعين على المجتمع الدولي التعامل معها، بسبب حقيقة انهيار العملة وارتفاع معدلات البطالة بدرجة كبيرة هناك”.

إجراءات مشددة أقدمت عليها

من جهة أخرى، تذهب دانييل بليتكا، محللة شؤون الشرق الأوسط في “معهد أمريكان إنتربرايز” في واشنطن، إلى أن الولايات المتحدة سعت إلى إحداث تغيير إيجابي من خلال إجراءات مثل تشديد العقوبات على المنتمين إلى حزب الله المدعوم من إيران وحثِّ قادة لبنان على حل المشكلات الاقتصادية للبلاد والتوصية بنزع سلاح الميليشيات ودعوة لبنان إلى إنهاء مشاركته في سوريا.

ومع ذلك، فإن بليتكا تستدرك بالقول: “ومع ذلك، لسوء الحظ، فإن الولايات المتحدة، مثل إسرائيل ومثل كثير من الدول الأوروبية، تنظر إلى لبنان لوهلة وما تلبث أن ترفع يديها مستسلمة. الأمر ببساطة أن البلد عبارة عن فوضى كبيرة، والجهد المطلوب لتعديل الأمور لم يعد متناسباً مع الفوائد المحصلة عنه. هذه كارثة، ليست علينا فقط بالطبع، وإنما بالأساس كارثة (على) الشعب اللبناني”.

وقد ركزت الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها وزارة الخارجية الأمريكية بشأن لبنان إلى حد كبير على حثِّ قادة لبنان على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وإجراءات مكافحة الفساد التي يطالب بها الشعب اللبناني، والضغط على حزب الله.

يقول المحلل لاري كورب، من مركز التقدم الأمريكي، إنه قلق من أنهج واشنطن الذي يميل إلى التدخل المحدود في لبنان يمكن أن يؤدي إلى مشكلة أكبر في جميع أنحاء المنطقة، خاصة في سوريا والأراضي الفلسطينية، حيث تستعد إسرائيل لضم ما يصل إلى 30% من أراضي الضفة الغربية هذا الشهر، وثمة تحذيرات متزايدة من اشتعال العنف.

وجرت العادة تاريخياً أن تمتد الاضطرابات في الأراضي الفلسطينية إلى لبنان، حيث يعيش فيها آلاف من الفلسطينيين اللاجئين منذ أن أخرجتهم إسرائيل وأقامت دولتها في عام 1948. بالإضافة إلى ذلك، دفع النفوذ القوي لحزب الله بعض المحللين إلى وصف لبنان بأنه دولة تابعة لإيران.

يقول كورب: “أعتقد أن الأزمة الحقيقية هي أنه لا أحد يهتم بالوضع المتفاقم وهذا يمكن أن يزعزع استقرار المنطقة بأسرها”.

في حين أن محللين يصفون الوضع الحالي بأنه أكبر خطر يواجهه لبنان منذ حربه الأهلية المدمرة 1975 إلى 1990.

فقد انهارت قيمة الليرة اللبنانية، وتفشى الفقر وتضاعفت معدلات التضخم والبطالة مستمرة في التصاعد.

فقدان الأمل

استقال اثنان من مستشاري وزارة المالية في شهر يونيو/حزيران، بسبب الإحباط المتزايد من عجز الحكومة اللبنانية عن معالجة مشكلات البلاد الآخذة في التصاعد.

جاء رحيل هنري شاوول وألان بيفاني معبراً عن تزايد اليأس حيال الأوضاع في لبنان، فقد استمر اقتصادها في الانحدار ليصبح أزمة مالية كبرى. ولم يبد مسؤول كبير في صندوق النقد الدولي كثيراً من الأمل في المفاوضات التي تجري لحل تلك الأزمة.

بعد استقالته، قال بيفاني، الذي يعمل مع صندوق النقد الدولي نيابة عن الحكومة اللبنانية، في تصريحات لقناة الجديد اللبنانية: “أسباب استقالتي هي اعتراض على الطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع الأزمة، والطريق الذي نسلكه اليوم متهور”.

وقالت كريستينا جورجيفا، المديرة الإدارية لصندوق النقد الدولي، في بث عبر الإنترنت لوكالة Reuters يوم 26 يونيو/حزيران، إنه من غير الواضح ما إذا كان قادة لبنان وأصحاب المصلحة والمجتمع المدني قادرين على التوحد حول الإصلاحات لتحقيق الاستقرار في اقتصاد البلد.

احتجاجات بلا قيادة

تأتي استقالات مستشاري وزارة المالية مع عودة المواطنين اللبنانيين إلى الاحتجاجات والمطالبة بتغييرات في النظام الاقتصادي والسياسي الحالي. وكانت المرة الأولى في تلك الاحتجاجات شبه المتواصلة هي عندما نزل المتظاهرون في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بعد اقتراح فرض على مكالمات تطبيق واتساب الهاتفية، والتي كانت تهدف إلى سداد دين البلاد البالغ 83 مليار دولار.

غير أن الاحتجاجات تصاعدت، دون قيادة واضحة، وارتفع سقفها مع مطالبة المتظاهرين بالقضاء على الفساد وهيمنة الطائفية على حكم البلاد والبطالة المتفشية.

فاقم من الغضب الحاصل احتمالاتُ تخفيض الإنفاق التي يفرضها صندوق النقد الدولي والتي يرى كثيرون أنها تزيد من الصعوبات التي يواجهونها لتأمين سبل حياتهم.

في الآونة الأخيرة، كان المطلب الوحيد المشترك بين مختلف المجموعات المحتجة هو إزالة الحكومة اللبنانية بأكملها، ومع ذلك فإن المتظاهرين ليس لديهم أي خطة شاملة عمن قد يحل محلها والاتجاه الذي ينبغي المضي فيه.

وفي هذا السياق، تستدعي رندة سليم، المحللة في “معهد الشرق الأوسط” في واشنطن، الرؤى المتصارعة لمستقبل السياسة والاقتصاد في لبنان، وتقول إن المجموعات المحتجة على النظام الذي جرى تطبيقه بعد نهاية الحرب الأهلية في 1991-1992 يتزايد انتشارها على نطاق واسع.

وتقول سليم: “حتى الآن، لم يتمكنوا من صياغة جدول أعمال مشترك، ومجموعة مشتركة من المطالب، ثم المشاركة في ما أعتقد أنه ضروري، وهو فتح حوارٍ مع النخب السياسية”

وتشمل عديد من المجموعات التي تقود الاحتجاجات أصحاب نزعات ثورية وفوضويين أيضاً، وجميعهم لديه هدف مشترك هو الدفع من أجل التغيير، لكن ليس هناك قاسم مشترك عندما يتعلق الأمر بالاستراتيجية أو الرؤية.

إحدى المجموعات التي خرجت للاحتجاج هي مجموعة “بيروت مدينتي”، التي شكّلها في عام 2016 مجموعة من أكاديميي الجامعة الأمريكية في بيروت. قدمت المجموعة 12 رجلاً و12 سيدة كمرشحين في الانتخابات البلدية، لكن رغم فوزها بنحو 32 ألف صوت، لم تفز بمكان في الحكومة. في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قررت المجموعة تغيير استراتيجيتها واتخاذ الدعوة بالسعي إلى التغيير من المظاهرات والاحتجاجات في الشوارع.

يقول حسن رمضان، وهو عضو مجلس مواطني مجموعة “بيروت مدينتي”: “من الواضح لنا ولكل الناس الذين يرغبون حقاً في إحداث تغيير محدد أو تضمين إصلاح في واقع البلاد، أن الأحزاب الحاكمة يجب أن تذهب”.

التغيير، ولكن كيف؟

يقول محللون إن الافتقار إلى مجموعة موحدة من المطالب وتصدّر المجموعات الهامشية في الاحتجاجات يعمل ضد المتظاهرين، لأنه يقصي المعتدلين ويُفشل الجهود التي ترمي إلى توليد دعم جماعي.

تعتقد رندة سليم، من معهد الشرق الأوسط، أن تجذر الانقسام يعمل لمصلحة النخب السياسية. وترى أن كثيرين مع المطالبة بإسقاط النظام السياسي الحالي، غير أن جزءاً كبيراً منهم عازفٌ عن الانضمام إلى هذه الحركة الاحتجاجية، لعدم وجود مجموعة واضحة ومحددة من المطالب والأجندة طويلة المدى بخصوص النظام السياسي الذي يريدون تحقيقه على الأرض.

وبحسب دانييل بليتكا، من معهد أمريكان إنتربرايز، فإن هذا الانقسام حال دون حصول الحكومة اللبنانية على 83 مليار دولار ضمن خطة إنقاذ، بالإضافة إلى مساعدات إضافية من دول أخرى.

عربي بوست