//Put this in the section

هل تتآمر حكومة لبنان على لبنان؟

عقل العويط – النهار

اشتهيتُ في أعماقي الوطنيّة المشلّعة، أنْ يردّ -سلبًا أو إيجابًا=– أحدُ المسؤولين اللبنانيين؛ رئيس الجمهوريّة مثلًا، أو رئيس مجلس النوّاب، ولِم لا رئيس مجلس الوزراء، أو وزير الخارجيّة، على كلام وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان إيف لودريان في شأن لبنان. لكنْ عبثًا.




قال الوزير الفرنسيّ إنّه ممتلئ خوفًا وقلقًا على لبنان، لأنّ السلطة في هذا البلد العزيز على قلب فرنسا والفرنسيّين، لا تحرّك ساكنًا من أجل إنقاذ لبنان من المحنة التي تواجهه، بعدما تخطّى أكثر من نصف سكّانه عتبة الفقر.

وقال بإلحاحٍ مثيرٍ للذهول الموجع: نريد من المسؤولين اللبنانيين أنْ يساعدونا، كي نتمكّن من مساعدتهم على مساعدة لبنان.

عدّد نقاط المساعدة، كما لو كان واحدًا من معذّبي هذه البلاد المنكوبة بحكّامها وسلاطينها وأحزابها وأطراف طبقتها السياسيّة. لم يترك نقطةً إلّا أوردها، ولم ينسَ أنْ يذكّر المسيو دياب بمهلة المئة يوم التي طلبها من أجل أنْ تؤتي حكومته ثمار خطّتها الإصلاحيّة والإنقاذية.

لكن يبدو أنْ لا أحد هنا في الجمهوريّة الرسميّة، سمع كلام الوزير الفرنسيّ. ولا أحد تلقّفه. ولا أحد علّق عليه.

أحبّ أنْ أقتنع بأنّ هذا الرجل صادقٌ، هو وبلاده، في ما يقول. بل أنا مقتنعٌ كلّ الاقتناع بهذا الصدق. وأكاد أجزم بأنّ فرنسا هي البلد الوحيد في العالم الذي قد يهبّ إلى مساعدة لبنان، من دون أنْ يبحث عن منفعةٍ، أو مصلحةٍ، أو يبتغي مطمعًا، أو غايةً.

مساعدةٌ من أجل المساعدة.

بل حبٌّ من أجل الحبّ.

فكيف يكون ثمّة موقفٌ سياسيٌّ دوليٌّ كهذا الموقف حيال لبنان، ولا تهبّ السلطات اللبنانيّة، كلّ السلطات اللبنانيّة، ولا يهبّ المسؤولون اللبنانيّون، كلّ المسؤولين اللبنانيّين، ليضعوا أنفسهم في تصرّف هذه المساعدة؟!

إنّه لأمرٌ مفجعٌ حقًّ ويدعو إلى الارتياب وإلى الجنون الارتيابيّ، وأكثر!

ولا يمكن تفسير الموقف اللبنانيّ الرسميّ إلّا بواحدٍ أحد: لبنان الرسميّ لا يريد (أو لا يمكنه) مساعدة لبنان، ولا شعب لبنان، من أجل تجاوز المحنة المأسويّة، لئلّا تودي هذه المساعدة بسبل الارتزاق الرخيصة التي يمارسها أهل السلطة وأطراف الحكم.

فهل يعني هذا الموقف الحكوميّ اللبنانيّ امتناعًا فعليًّا عن إنقاذ لبنان، وتآمرًا عليه وعلى شعبه؟

أضع هذا السؤال في تصرّف اللبنانيّين، وفي تصرّف المجتمع الدوليّ، بالاستناد إلى ما يعتري عمل السلطات في لبنان، وأداءها، ولا سيّما الحكوميّ، من امتناعٍ فاضح عن القيام بأيّ إصلاحٍ من شأنه أنْ يحمل فرنسا والمجتمع الدوليّ على تقديم المساعدة إلى لبنان.

فهل صحيحٌ أنّ هذا اللبنان الرسميّ، برئاساته، بمؤسّساته الدستوريّة، وبحكومته، ليس من مصلحته أنْ ينقذ لبنان، لئلّا تتعرَّض مصالح أطرافه للخطر، فتتوقّف أعمال النهب والسرقة والمحاصصة، على حساب المال العامّ والمصلحة الوطنيّة العامّة؟

لبنان الرسميّ هذا، أتراه يفضّل – في ضوء السياسة اللاإصلاحيّة المتّبعة والممعنة في اتّباع هذا النهج – أنْ تطلع روح لبنان، على أنْ يتوقّف مزراب النزف؟

لكأنّ لبنان الرسميّ هذا، يستشعر في وعيه، كما أعماق عقله الباطن الملوّثة بالنتن والعفن والوضاعة والحقارة، بأنّ فرنسا “سترضخ” في آخر المطاف للابتزاز الرسميّ اللبنانيّ، وتقدّم المساعدة، علمًا أنّ فرنسا تعرف تمامًا أنّ مساعداتها ستذهب إهدارًا ولن يستفيد منها الشعب الجائع.

تأملّوا معي هذه المفارقة: روح لبنان تطلع الآن، في حين أنّ الدولة الفرنسيّة التي كانت تحتلّ لبنان قبل مئة عام، هي التي تتصرّف – لا الدولة اللبنانيّة – باعتبارها “أمّ الصبيّ”!

لو أنّ شخصًا محايدًا، مقيمًا في آخر الكون، وغير معنيٍّ بمشكلة لبنان، وُضِع أمام مشهدٍ كهذا المشهد، ومعادلةٍ كهذه المعادلة، فماذا كان يقول في حكومة لبنان؟ هل يتّهم لبنان الرسميّ، بسلطاته كافّةً، بالاشتراك في مؤامرة قتل لبنان، على مرأى ومسمع من اللبنانيّين أنفسهم، وعلى مرأى ومسمع من المجتمع الدوليّ، ومن مؤسّسات العدالة الدوليّة وحقوق الإنسان؟!

كنتُ على وشك أنْ أهمّ بالجواب عن هذا السؤال، لكنّي أؤثر قصدًا وعن سابق تصوّرٍ وتصميم، أنْ ألتزم التحفّظ، تاركًا لكلّ لبنانيٍّ أنْ يتحمّل مسؤوليّته المباشرة في هذا الموضوع.

لكنّي لن أتورّع عن دعوة فرنسا ومَن معها من المجتمع الدوليّ، إلى أنْ لا يرفّ لها جفنٌ قبل أنْ تعلن السلطات اللبنانيّة رضوخها الموثّق لشروط المجتمع الدوليّ في وجوب وضع خطّة الإصلاح، وبنودها الواضحة، موضع التنفيذ الفوريّ، وهي الخطّة التي عدّد لودريان بنودها بوضوحٍ مفجع.

أمّا اللبنانيّون الجائعون، وأنا منهم، فإنّي أتمنّى لهم من كلّ عقلي، أنْ يزدادوا جوعًا، وصولًا إلى مشارفة الموت الجماعيّ من جرّاء هذا الجوع، بما سيضطرّهم اضطرارًا إلى إعلان العصيان المدنيّ على كلّ مؤسّساتهم الدستوريّة الرسميّة.

شكرًا للوزير الفرنسيّ، ولدولة فرنسا، هذا الموقف التاريخيّ، أنا الذي لا ينسى أنّ حكومة باريس كانت تستعمر لبنان في ما مضى من أزمان. فألف ألف صلاةٍ وسلامٍ على استعمارٍ، هذه هي مواقفه الآن، بعد مئة عام على إعلان دولة لبنان الكبير على يده الاستعماريّة!