//Put this in the section

”الجهاد” الزراعي والصناعي… لبنان رهينة الخواء

مجد بو مجاهد – النهار

كان للتّدحرج المتدرّج نزولاً في تصوّرات “حزب الله” الاقتصادية على مدى أشهر والمتزامن مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، أن أثبت مدى الوهم المستخدم في رسم نظريات والترويج لأخبار عارية من الصحة. كانت البداية مع قشرة الدعم المعنوي التي أغدقها محور الممانعة للحكومة، في تبنيه مقولة استعداد دول محسوبة على مصطلح “التوجه شرقاً” لوضع ودائع مالية في المصرف المركزيّ. استمرّت هذه “المعزوفة” حتى بان مرج عدم دقتها، فانتقل المحور نفسه إلى إطلاق شعارات إصلاحية، ما لبث أن سقط قناعها مع تعيينات محاصصيّة. ثم راج مصطلح “التوجه شرقاّ” شهد خلاله السرايا “بروباغندا” مضخّمة تقلّصت سريعاً مع خطاب السيد حسن نصرالله الأخير، في قوله إن “التوجه شرقاً لا يعني الانقطاع عن الغرب”. استقر التدحرج المتدرج في سقف المواقف هذه المرة على شعار “الجهاد الزراعي والصناعي” والدعوة إلى المبادرة في العمل بالزراعة. الملفت أن هذه الشعارات المشجعة على الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والمستهلكة داخلياً منذ عقود، كانت تزامنت في الدعوة إليها مع فصل جديد من فصول المحاصصة الحكومية، في وقت كان لا بدّ لخطبٍ من هذا النوع أن تتوجه إلى رئيس الحكومة حسان دياب، فتسأله عن الإصلاحات والخطط والآليات التنفيذية بدلاً من الدعوة إلى زراعة السطول على السطوح، لا أن تبقى الحكومة أشبه بصورة شكلية تأخذ البلاد رهينة اعتبارات أجندة “حزب الله” الإقليمية.




تعقيباً على مقولة “الجهاد الزراعي والصناعي”، يقول وزير الاقتصاد السابق الدكتور آلان حكيم لـ”النهار” إن “شعارات من هذا النوع هي مجرّد كلام شعبويّ وحديث خارج العلبة لبيع آمال غير موجودة للناس، إذ من الواضح والمعروف بديهيّاً بأن قطاعي الزراعة والصناعة يشكّلان ركيزة الاقتصاد منذ أيّام الشيخ بشير الجميّل وصولاً إلى المقاربات الحاليّة للأوساط الأكاديمية والاقتصاديّة. وقد قُدّمت خرائط عمل وخطط عمليّة إلى اللجان النيابية المختصّة في هذا الصدد منها خلال ولايتي في وزارة الاقتصاد”، متسائلاً: “الخطط واضحة ومعروفة، لكن من يستثمر؟ ومن أين تأتي أموال الاستثمار؟ وماذا فَعَل حزب الله خلال تولّيه وزارة الزراعة؟ ولماذا استيقظ اليوم؟”.

استناداً إلى مقاربة حكيم، فإن المطلوب هو “اتخاذ إجراءات إصلاحية واضحة للاقتصاد اللبناني، تنفّذ تدريجيّاً على مدى سنوات في المجالات الزراعية والصناعية والخدماتيّة، مساهِمةً في خلق وتيرة عمل متكاملة في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات والسياحة الصحية التي باتت تنازع اليوم. وما يهمّ هو الإدراك بأن القطاعات الإنتاجية متشابكة وتؤثّر في بعضها البعض. ويحتاج قطاع الصناعة مثلاً إلى بنى تحتية خدماتية للنهوض، فيما يساهم التشابك بين القطاعات في إعادة إحيائها وإنعاشها، عبر تنفيذ إصلاحات في الادارة الداخلية والبنى التحتية، وتوفير الثقة المطلوبة من طريق الاستقرار السياسي والسياديّ. ويبقى الأساس في رؤية تنفيذيّة شاملة من أشخاص ليسوا بأشباه وزراء بل من خلال تحرير السلطة التنفيذية من الاعتبارات السياسيّة وتأمين سيادتها عبر تأليف حكومة اختصاصيين مستقلّين لإعادة إحياء الدولة من النواحي الادارية والاقتصادية”.

استقرأت “النهار” واقع القطاعين الزراعي والصناعي في مقاربة علميّة عامّة مع الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، الذي يرى أنه “عندما نقول بأن الصناعات تتطلب استيراد مواد أوليّة فهذا يعني أنها بحاجة إلى دولارات. عمليّاً، تستلزم كلّ الصناعات استخدام مواد أولية، لكن الفارق: هل تنتج محليّاً أو تستورد؟ في لبنان، تحتاج 99% من الصناعات إلى استيراد مواد أوليّة. لا بدّ إذاً من آلية متكاملة لإنتاج المواد المستخدمة في القطاعات الإنتاجية، لكن هناك مواد أولية لا قدرة للبلاد على تصنيعها وإنتاجها لأنها تستخرج من الأرض وهي غير موجودة في لبنان”.

“لا يمكن تحقيق قفزة نوعية من خلال الزراعة والتصنيع بشكل عشوائي، ومن دون احتكام الحكومة إلى تبني خطة مدروسة وتنفيذها. يحصل التعامل مع الأمور عشوائياً، فهل يرى المواطن أن هناك خطة؟”، يتساءل عجاقة، مشيراً إلى أن “المسألة الأولى في تأمين الأمن الغذائي عبر خطة تنفذها الحكومة مع تحديد الأولويات وتحديد المشاكل وحلحلتها، وتحديد ما هي الصناعات التحويلية التي يحتاجها لبنان (بالدرجة الأولى هي صناعات غذائية)، ولكن ماذا نفعل بالكهرباء؟ لا بدّ من الاعتياد على الشمعة؟”. عن التصنيع والتعليب وحفظ المنتجات من دون كهرباء، يجيب أن “هناك صناعات غذائية لا تتطلب كهرباء، لكن عندها نكون قد عدنا إلى الوراء بنسبة كبيرة جداً، ونتمنى عدم الوصول إلى هذه المرحلة لأنها مشكلة. الكهرباء أساسية وحيوية ليس فقط للصناعة بل هي مؤشّر لتطوّر الاقتصادات، فبلد كباكستان مثلاً يحوز سلاحاً نوويّاً، لكن لا كهرباء مؤمّنة أكثر من 3 ساعات يوميّاً، فكيف نريده أن يصنّع؟!! إنّه لا يصنّع! وتتعدّى الكهرباء قطاع الصناعة لتعكس مدى تطوّر المجتمع إذ تلمس أهميتها في شتّى القطاعات”.

ويلفت عجاقة إلى أن “المطلوب حلّ أزمات آنية منها الغذاء والكهرباء التي يمكن ألّا نراها في الأشهر المقبلة، وكذلك مشكلة عدم القدرة على استيراد المواد الصناعية ومنها مثلاً الخاصة بالسيارات… كيف يمكن حلّ أعطال وسائل النقل؟ هناك أزمة لا إجابات حولها من الحكومة رغم أن ثمة محاولة للقول بالتوجه إلى الشرق لكن الأمور ليست سهلة بالصورة التي يتصورها البعض”. ويخلص إلى أن “الزراعة يمكن أن تجيب على حاجات آنية لكن اقدام جميع المواطنين على الزراعة لا يعني التحوّل إلى اقتصاد منتج، بل المطلوب تنفيذ سياسات حكومية. في كلّ مرّة نتحدّث عن إصلاح لا يمشي شيئاً، ولم أعد أحبّذ استخدام هذه العبارة، اذ إن الخوف من الاصلاح يؤدي إلى وضعه على الرف… والمشكلة في القرار السياسي الداخلي”.