//Put this in the section

هل اتفاق السعوديّة مع لبنان على 20 مشروعاً من 22 انكفاء عنه؟

سركيس نعوم – النهار

لا تنسى المملكة العربيّة السعوديّة أنّ الزيارة الرسميّة الأولى التي قام بها رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون بعد انتخابه وتسلّمه سلطاته الدستوريّة قبل أقل من أربع سنوات لعاصمة عربيّة أو إقليميّة أو دوليّة كانت للرياض. ولا ينسى حكّامها أنّهم تفاءلوا بها وتوقّعوا منه أن تخفِّف الجو العدائي ضدّهم من حلفاء إيران من اللبنانيّين الذين أوصلوه إلى سُدّة الرئاسة، بالتعاون مع حلفائها في لبنان وفي مقدّمهم “تيّار المستقبل” الذي أسّسه ابنها وإبن لبنان البار الشهيد رفيق الحريري، وتولّى قيادته بعد انتقاله إلى جوار ربّه ابنه سعد الحريري، و”حزب القوّات اللبنانيّة” الذي يترأّسه سمير جعجع. وما جعلها تتفاءل بنتائج إيجابيّة كان الاجتماع الذي عقده في أثناء الزيارة وزير خارجيّة الدولة المُضيفة عادل الجُبير ووزير خارجيّة لبنان، وكان عضواً في الوفد الرئاسي، جبران باسيل. في ذلك اللقاء تبادل الإثنان حديثاً جديّاً جدّاً ووديّاً جدّاً قال فيه الجبير: “نحن لا نريد منكم شيئاً. لقد ساعدناكم دائماً وبطيب خاطر وسنستمرّ في مساعدتكم. لكن النأي بالنّفس أي نأي لبنان حكومة ورئاسة على الأقل عن التدخُّل في الصراع الإقليمي بين المملكة والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة منذ تأسيسها وتبنّيها سياسة تصدير ثورتها إلى العالمين العربي والإسلامي، وخصوصاً بعدما احتدم في أعقاب حرب اليمن، لكن النأي بالنفس هذا مُهمّ جدّاً لنا. ونحن نتمنّى أن تلتزموا به في لبنان”. طبعاً شعر باسيل بالارتياح لصراحة الجبير وللاستعدادات الإيجابيّة لبلاده حيال لبنان، ويقول مُتابعون لبنانيّون من قرب للسياسة السعوديّة أنّه شعر بفرح كبير. وقد عبّر الوزيران في نهاية الاجتماع عن ارتياحهما بل سعادتهما لنجاحه بمصافحة تبادل الإثنان خلالها جملة واحدة تعبِّر عن ما اتّفقا عليه هي “اتفاق جنتلمان” Gentleman Agreement بالإنجليزيّة.




لكن ما حصل بعد ذلك معروف وخصوصاً في ظلّ عجز السعوديّة عن حسم الحرب اليمنيّة أولاً بسبب شراسة المقاتلين اليمنيّين الحوثيّين (“أنصار الله”)، وأوّلاً أيضاً بسبب اعتبار إيران الإسلاميّة إيّاهم مثل ابنها “حزب الله”، وإغداقها عليهم كل أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسّطة والثقيلة كانت الصواريخ الباليستية آخرها والطائرات المسيّرة المعروفة بـ”الدرونز” آخرها. وكالعادة اعتبرت الأخيرة انها ليست طرفاً مباشراً في الحرب إذ مارست حرباً بالوكالة، وهي الاستراتيجيا العسكريّة الحربيّة التي اعتمدتها ولا سيما بعد انتهاء غزوة رئيس العراق الراحل صدام حسين التي استمرّت نحو ثماني سنوات. كما شارك في هذه الحرب تدريباً وربّما تخطيطاً حليف طهران الأوّل في لبنان والمنطقة أي “حزب الله”. ولعلّ أكثر ما أذى المملكة وحكّامها هو استعمال الأخير وراعيته إعلامهما في لبنان للهجوم عليها ولإظهار الآثار غير الإنسانيّة لحربها في اليمن، والإعراب عن تأييدهما لمواجهة الحوثيّين لها بتظاهرات شعبيّة ومؤتمرات إقليميّة في بيروت ندّدت بها وبما اعتبرته جرائم حرب ارتكبتها في حق شعبه. إلّا أن الأذى الأكبر بل الصدمة الأكبر تلقّاها حُكّام المملكة من رئيس حكومة لبنان سعد الحريري ابن الحليف الأبرز لها في المنطقة الشهيد رفيق الحريري ولا سيّما بعدم التزام سياسة متابعة نهجه. كما تلقّوها من الرئيس عون ومن صهره وخلفه في رئاسة “التيار الوطني الحر” جبران باسيل. إذ امتنع الثلاثة عن العمل للحد من ما يتعرّضون له من تهجّمات متنوّعة ومن تحريض عليهم. كما امتنعا عن ممارسة سياسة النأي بالنفس عن أي صراع عربي أو إقليمي رغم ورود تعهّد رسمي بذلك في البيان الوزاري في حكومات عهد عون المستمر الذي كان لباسيل النفوذ الأكبر داخلها ولا يزال. فالحوثيّون أطلقوا على المملكة منذ بدء الحرب نحو 317 صاروخاً باليستيّاً استهدفت مدنيّين ومدناً، كما استهدفت شركة “أرامكو” النفطيّة الأكبر في العالم. وبدا أن مسؤولي لبنان لم يسمعوا بقصفها إذ لم يُندِّدوا بها رغم تعهّدهم النأي بالنفس. فزعلت من الحريري وكان زعلها حادّاً عبّرت عنه بطرق عدّة منها الاحتجاز والاستقالة القسريّين لحكومته ومنها وقف كل عون مالي للبنان وقطاعاته الاقتصاديّة ودولته وحتّى جمعيّاته وسياسيّيه. والسبب انطلاق “حزب الله” وحلفائه في حربه على المملكة داخل لبنان وعلى من صمد في حلفه معها وصمت الحليف الأوّل والمسؤولين الآخرين في الدولة كأنّ على رؤوسهم الطير.

رغم ذلك، يؤكّد المُتابعون اللبنانيّون من قرب للعربيّة السعوديّة وسياستها، تابع حكّامها العمل لمساعدة لبنان. فأرسلوا بداية السفير الحالي وليد البخاري إلى بيروت ولكن قائماً بالأعمال وطلبوا منه درس أوضاعه لا السياسيّة فقط بل الاقتصاديّة والماليّة والقطاعيّة وحاجاته المتنوّعة في الزراعة والصناعة والمواصلات والبنى التحتيّة. وفعل وقدّم لإدارته تقريراً شافياً ووافياً كان نتيجة لدراسة ميدانيّة ولاجتماعات كثيرة جدّاً مع مسؤولين رسميّين وسياسيّين وقياديّين في الهيئات الاقتصاديّة المتنوّعة. لكنّه لم يتلقّ رد فعل سريعاً فظنّ أنّ الاهتمام بلبنان خفّ أو أن أموراً أخرى طرأت فأجّلت البحث فيه أو ربّما ألغته. عاد البخاري بعد ذلك إلى بلاده ثم أعيد بعد مدّة سفيراً لها في لبنان مع قرار منها بمباشرته العمل لترجمة توصياته في التقرير المُشار إليه مشروعات نهائيّة جاهزة للتنفيذ. فأعدّها وكان عددها (ولا يزال) 22 مشروعاً وأعاد البحث فيها مع الدولة وكبارها، وتم الاتفاق على معظمها وبقي اثنان قيد البحث القريب من النهاية ربّما لتناولهما موضوعات لها إلى حدٍّ ما بعد إمّا سياسي وإمّا عسكري. كلّ ذلك حصل مع حكومة الرئيس الحريري التي استقال منها فأسقطها بعد اندلاع “ثورة 17 تشرين 2019”. وكان مقُدّراً فور الانتهاء من المشروعَيْن الأخيرين عقد جلسة لتوقيعها في المملكة باحتفاليّة كبيرة. هذا كلّه يؤكّد أن المملكة لم تنكفئ عن لبنان ولا تزال مُصرّة على مساعدته لكن عليه ان يساعد نفسه. فهل يفعل؟ وما هو وضع سعد الحريري اليوم عند المملكة؟