//Put this in the section

انكفاء مملكة سلمان ووليّ عهده عن لبنان ما أسبابه؟

سركيس نعوم – النهار

حلفاء المملكة العربيّة السعوديّة في لبنان أو بالأحرى أصدقاؤها ليسوا قلّة وهم مُتنوِّعو الطوائف والمذاهب خلافاً لحلفاء الجمهوريّة الإسلاميّة الذين تنتمي غالبيّتهم إلى مذهب واحد رغم انضواء جناح مسيحيّ قاده العماد ميشال عون تحت جناح “حزب الله” إبنها وحليفها الأوّل وذراعها العسكريّة الرئيسيّة في الإقليم. كان ذلك بعد عودته من منفاه الفرنسي إلى وطنه لبنان في أعقاب صفقة أبرمها مع سوريا الأسد حليفة إيران قبل هذه العودة بأشهر، شارك فيها الرئيس الأسبق إميل لحود عبر نجله وآخرين. طبعاً شرّع ذلك باب العلاقة الجيّدة بين عون و”تيّاره” وبين طهران. لكن المُتابعين بدقّة تطوّر علاقتهما مع “الحزب” ممثّلها في لبنان، لاحظوا أكثر من مرّة وفي أكثر من مناسبة وخصوصاً بعدما صار الأوّل رئيساً للجمهوريّة، عدم انتقال حال الاندماج بين الثاني وإيران المساهمة في تأسيسه إلى “التيّار” وجمهوره المسيحي العريض. كما لاحظوا حرصاً منه وحتّى من تيّاره على تلافي علاقة عمليّة وتكامليّة مع دمشق والنظام الحاكم فيها رغم استمرار اتصاله أحياناً قليلة برئيسها، وأحياناً كثيرة بأجهزتها الأمنيّة عبر عضو موثوق في تيّاره كان وزيراً في حكومة سابقة، ومستشار قدير له “عرف” السوريّين وعرف “حزب الله” قبل وصول عون إلى بعبدا، وساعده رسميّاً في مواجهته القانونيّة لـ”المحكمة الخاصة بلبنان” التي أنشأها المجتمع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعد تحقيق دولي قامت به لجنة مُتخصِّصة تعاقب عليها أكثر من رئيس. تجدر الإشارة هنا إلى كتلة مسيحيّة سياسيّة أقلّ قوّة وتمثيلاً من “التيار العوني” يُمثلها “تيّار المردة” في زغرتا الزاوية وفي نواح مسيحيّة شماليّة قليلة ساهمت في توفير الغطاء المسيحي لـ”الحزب” رغم عدم تحوّله حالة شعبيّة إيرانيّة مثله مثل “التيّار” سابقاً خصمه أو عدوُّه اللدود اليوم. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن حلفاء المملكة وفي مقدّمهم “تيّار المستقبل” ومعظم الطائفة السنيّة وقسم مهمّ من المسيحيّين يُمثِّلهم “حزب القوّات اللبنانية” و”حزب الكتائب” وعدد من القواعد الشعبيّة “المستقلّة”، ودروز الحزب التقدّمي الاشتراكي ومجموعة غير كبيرة شيعيّة، يشعرون بالعتب عليها لاقتناعهم بأنّها في حال انكفاء لبنانيّاً وفي حال غياب سياسيّاً وديبلوماسيّاً وماليّاً، الأمر الذي جعلهم ولا يزال يجعلهم في موقع ردّ الفعل المدروس تجنّباً لصدام كلفته كبيرة عليهم وعلى البلاد مع “حزب الله” والجهات التي يقود وليس الفعل. علماً أن إيران قائدة حلفائها المباشرين ونصف المباشرين إذا جاز التعبير على هذا النحو لا تبخل على هؤلاء بشيء. فالدعم المالي مُستمرّ رغم شحّه بسبب العقوبات الأميركيّة، والدعم التسليحي مستمرّ أيضاً وربّما بوتيرة أقوى ومعه الدعم السياسي. أمّا الدعم الاقتصادي لدولة لبنان فهي لم تُقدِّمه لأن دولة لبنان المحكومة من رئيس جمهوريّة يؤيّدها ورئيس مجلس نوّاب ساهمت هي وقبل تحوّلها دولة إسلاميّة في تدريب “حركة أمل” التي يترأّسها لمقاومة إسرائيل، وغالبيّة نيابيّة موالية لها، ومن حكومة كانت طارت من زمان لولا حماية حليفها الأوّل والأهمّ في البلاد أي “حزب الله”.




هل الانكفاء السعودي في لبنان وتخلّيه عنه حقيقيّان؟ المظاهر تدلّ على ذلك. فالديبلوماسيّة السعوديّة غابت عن الساحة السياسيّة أشهراً طويلة. كما انّها وعبر السفير وليد البخاري عادت إلى التحرُّك وإن بتؤدة منذ أسابيع قليلة. والامتناع السعودي المقصود عن تزويد لبنان بالمال اللازم لمواجهة أخطر أزمة اقتصاديّة ونقديّة وماليّة يُواجهها منذ تأسيسه على يد فرنسا قبل نحو مئة سنة رغم معرفة مليكها ووليّ عهده أنّها ستقود الشعب اللبناني أو الشعوب اللبنانيّة إلى الفوضى والفقر والجوع وفقدان السيولة وانهيار سعر العملة الوطنيّة، وإلى عدم الاستقرار الأمني والفوضى وربّما إلى سفك الدم في حرب أهليّة جديدة، هذا الامتناع يدفع مؤيّدي المملكة إلى اليأس. علماً أنّ أعداءها يفتقدون أيضاً دعمها المالي، رغم عدم استعدادهم لتعديل سياساتهم بحيث يقنعونها بالعودة إلى دعم لبنان، لأنّ شعبهم موجوع مثل الشعوب الأخرى رغم أنّه لن يجوع كما وعده الثنائي الشيعي بلسان طرفه الأبرز “حزب الله”. إذ أنّه هو الوحيد الذي يُدخل أموالاً بالدولار إلى البلاد، كما أن راعيته إيران قادرة على مساعدته بثرواتها الزراعيّة والغذائيّة والدوائيّة ومُنتجاتها المُتنوِّعة القادرة على الوصول إليه عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية التي لا تُسيطر عليها الدولة بل هو وحلفاء له. ويحصل ذلك كلّه في ظلّ صمت سعودي رسمي، وفي ظل اعتقاد لبنانيّين مؤيّدين للمملكة أن سبب انكفائها لبنانيّاً كان المواقف السياسيّة المُناوئة لها وخصوصاً من حليفها الأوّل كما كانت تفترض أي زعيم “تيّار المستقبل” السُنّي الرئيس سعد الحريري، إذ لم يستقل قبل اندلاع “ثورة 17 تشرين الأول الماضي”. علماً أنّه استقال بعد اندلاعها مُعتقداً بأنّها ستصبّ في غير مصلحة “الحزب” وشعبه. فضلاً عن أنّه أجرى ربط نزاع مع “حزب الله” تحوّل لاحقاً تسوية برّرها بحرص على تلافي اقتتال سُنّي – شيعي في البلاد. ثم سمح باستغلال ما حصل له في المملكة من احتجاز واستقالة أُرْغِمَ عليها داخل لبنان ومن أعدائها إيران و”الحزب” وحليفه الرئيس عون و”تيّاره”.

إلى ذلك كلّه يُشير كثيرون من الذين يعرفون المملكة العربيّة السعوديّة منذ عقود إلى أن تفاؤل غالبيّة اللبنانيّين بتولّي الأمير سلمان بن عبد العزيز الملك فيها كان سببه معرفتهم أنّه مثل أشقّائه أولاد المؤسّس الملك عبد العزيز وغالبيّة أولادهم الذين تولّوا الحكم قبله عرفوا لبنان منذ يفاعتهم وكان لهم فيه أصدقاء وأملاك وأطيان وأحبّوه. وهو أي سلمان أكثر من غيره كانت علاقته جيّدة بل ممتازة مع مُثقّفين وإعلاميّين وسياسيّين كبار فيه. لكن السياسة التي انتهجت منذ بدء عهده صدمتهم. وما كان يجب أن يُصدموا. فتقدّمه في السن وإيكاله مّهمّات كبيرة وكثيرة لابنه ووليّ عهده محمد بن سلمان جعلاه لا يتعاطى إلّا بالأمور البالغة الأهميّة. وهذا الأخير شاب لم يعرف لبنان مثل أبناء عمومته الأكبر منه سنّاً بكثير وعمومته أيضاً. ولذلك فإنّ مواقفه تجاهه لا تحكمها أو على الأقل تؤثّر فيها معرفة سابقة به.

هل هناك أسباب أخرى للانكفاء أكثر واقعيّة؟