//Put this in the section

هل ستتحرّك دار الفتوى لإعلان لائحة مرشحيها لرئاسة الحكومة؟

أحمد عياش – النهار

ليس هناك من أمر يحظى بإجماع أكثر حول عدم أهلية حكومة الرئيس حسان دياب لمواصلة العمل على مواجهة الازمات التي تعصف بلبنان. لكن بقاء الحكومة أو رحيلها، هو موضع خلاف على المستوى السياسي. لكن هذا الخلاف، لا يملك ترف الوقت بسبب حراجة الاوضاع التي تشرّع الابواب أمام عواصف لن ينفع معها الندم بعد وقوعها. لذلك، تداولت اوساط سياسية واسعة الإطلاع اقتراحاً اطلعت عليه “النهار” يقضي باللجوء الى خطوة جرى اعتمادها في الازمات التي مرّ بها الوطن منذ عقود. فما هو هذا الاقتراح؟




لتوضيح ما ذهبت اليه هذه الاوساط، تقول مصادرها ان نموذجاً اعتمدته بكركي بصفتها مرجعية الطائفة المارونية، في محطات عدة مهمة، يمكن استعارته الان في مواجهة الازمة الحكومية، فلا يعود حلّها مرتبطاً بمصالح لم تعد صالحة لإنقاذ البلاد من الانهيار المخيف الذي لا سابق له منذ مجاعة العام 1918. في نموذج بكركي الذي جرى اعتماده في مرحلة الفراغ الرئاسي الذي نشأ بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان عام 2014 تحرّكت المرجعية المارونية في ظل البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي جمع الزعماء المسيحيين الأربعة: الرئيس ميشال عون، الرئيس أمين الجميل، رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع ورئيس تيار “المردة” النائب سليمان فرنجية، فكانت النتيجة حصر السباق الرئاسي بالزعماء الاربعة ما أدى لاحقاً الى وصول عون الى رئاسة الجمهورية. ودعت هذه الاوساط الى وضع الظروف التي أدت الى وصول الجنرال عون الى قصر بعبدا والتركيز فقط على المنهجية التي أدت الى اختياره على مستوى طائفته اولاً قبل الوصول الى المستويات الاخرى. ولفتت الاوساط نفسها، ان أحداً حتى اليوم أنكر على المرجعية المارونية ما قامت به، وعليه لن يكون هناك من حرج إذا بادرت المرجعية السنيّة الى اعتماد هذا النموذج اليوم واستعادة هذا الملف من يديّ من هما غير مؤهلين لهذه المهمة وهما “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” اللذين أوصلا الدكتور حسان دياب الى الرئاسة الثالثة.

ومن الشواهد التي تمنح نموذج بكركي قوة أيضا ما كتبه نجم الهاشم في “المسيرة” بعنوان “البطريرك صفير يروي أسرار الطائف” مستعيدا حقبة نهاية الثمانينات من القرن الماضي. ومما جاء في وقائع تلك المرحلة ان البطريرك صفير ولدى استقباله مدير المخابرات السابق في الجيش اللبناني العقيد جول بستاني ومحافظ البقاع السابق ميلاد القارح الذي كان يعمل مع مديرية المخابرات، سمع من القارح أن العماد عون أوفد فايز القزي لإقامة علاقات مع سوريا على أساس أن يصبح رئيسًا للجمهورية. وتتوالى الاحداث بعد ذلك لتصل الى مرحلة لائحة الاسماء التي كان الرئيس رفيق الحريري وسيطاً سعودياً وعربياً بشأنها وهو قام، كما كتب الهاشم، خلال لقائه البطريرك صفير خارج لبنان في المرحلة التي سبقت ولادة إتفاق الطائف بعقد خلوة مع البطريرك، فأخذ الحريري ورقة وأخذ يكتب عليها أسماء المرشحين لرئاسة الجمهورية واستبعد اسمي الرئيس سليمان فرنجية والنائب مخايل الضاهر لأن السوريين اقترحوهما، واستبعد أيضًا الأسماء الخمسة التي كان اقترحها صفير وهي ريمون إده وميشال عون وبطرس حرب وبيار حلو وفؤاد نفاع، وأورد أسماء رينه معوض والياس الهراوي ومانويل يونس وميشال إده وميشال الخوري، وعدد لكل منهم ما له من مواصفات وما يشكو من نواقص، عدا عن جان عبيد، كما لاحظ البطريرك صفير في ما دوَّنه عن هذا اللقاء. دوَّن صفير أيضًا أنه وردت أسماء نائبين: فؤاد نفاع وشفيق بدر، وغير نائبين: ميشال خوري ويوسف جبران.

في المقابل، لم تكن دار الفتوى مرجعية دينية للطائفة السنيّة فحسب، بل كانت كذلك مرجعية وطنية في مراحل عدة، ما جعلها موئلاً للقاءات وقمم عابرة للطوائف والمذاهب. ففي كتاب “حسن الرفاعي حارس الجمهورية” صفحة من ادوار هذه الدار. وتحت عنوان “تداعيات اغتيال الرئيس رشيد كرامي الرفاعي ينفرد في رأيه” ، جاء في الكتاب:”سمعت من نشرة أخبار الاذاعة ان المسلمين نوابا ووزراء تداعوا بجميع مذاهبهم الى دار الافتاء… وبدخولي بهو الدار شاهدت الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ورئيس مجلس النواب حسين الحسيني والرئيس سليم الحص الذي كان وقتذاك وزيرا للتربية والعمل في حكومة كرامي وحشدا كبيرا من رجالات السنّة والشيعة والدروز. وعلى الفور واجهني الشيخ شمس الدين بالقول: “لقد اتفقنا”. فسألته: علام تم الاتفاق؟ أجاب: “على ان يكون الحص رئيساً للوزراء بالوكالة”. فأجبت: “أف، أنت تعلم أن الوكالة عن حيّ لها شروطها. ثم أننا لم ندفن رشيد كرامي بعد ولا مجال هنا لقاعدة “مات الملك عاش الملك”. إن حكومة رشيد كرامي تعتبر مستقيلة (لوفاة رئيسها )”. ويضيف الكتاب ان الرفاعي صعد في ذلك اليوم الى القصر الجمهوري بطلب من الرئيس أمين الجميل الذي شاوره في أمر الحكومة. فسأل الرفاعي الجميل: “يا فخامة الرئيس: هل يرضى المسيحيون بأن يتسلم الحص رئاسة الحكومة بالوكالة”؟ فأجاب الجميل بـ “نعم”. فعلّق الرفاعي: “إذا، لا حول ولا قوة إلا بالله”. ويمضي الكتاب الى تفاصيل بعد إنجاز خطوة تعيين الحص رئيسا للحكومة بالوكالة علما ان الرفاعي يقول انه كان من الافضل لو كان الحص معيّنا رئيسا للحكومة بالاصالة لكان ذلك “وفّر على لبنان فصلاً دموياً كتبته خطوة الحكومة العسكرية التي ترأسها العماد عون”.

بيت القصيد في إستعادة دور دار الفتوى بعد إغتيال رشيد كرامي، هو انه كان لهذه الدار موقعاً في منعطفات من تاريخ البلد. فهل هناك من منعطف أدق مما هو اليوم حيث تحولت الرئاسة الثالثة عملياً أداة بيد الأمين العام لـ”حزب الله ” السيد حسن نصرالله الذي يتمسك بحكومة الرئيس دياب أيا كانت نتائج ذلك على البلاد؟

في كلامه المنشور في “النهار” في 19 حزيران الماضي قال الرئيس فؤاد السنيورة في الرئيس دياب:” “ان الرجل مسحوب البساط من كل المسلمين. فهو خدع كل العالم”.

بالعودة الى ما تقترحه الاوساط السياسية بشأن مبادرة دار الفتوى إعداد لائحة بمرشحين تختارهم لترؤس الحكومة المقبلة التي صارت ولادتها “أكثر من ضرورة” وفق تعبير هذه الاوساط، قالت الاخيرة لـ”النهار” ان ما يدعم التوجه الى لائحة المرشحين هو ان الرئيس سعد الحريري الذي يمتلك حق تبوء الحكومة المقبلة إستناداً الى حجم تمثيله النيابي، أعرب مجدداً في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة “الباييس” الإسبانية، أنّه لا يتوقع عودته الى رئاسة الحكومة على المدى القريب وذلك “حتى تتحقق الشروط التي يعرفها الجميع”.

هل تقدم دار الفتوى على هذه الخطوة التي لا تعني إنقاذ الرئاسة الثالثة من نفوذ “حزب الله”، وإنما إنقاذ لبنان نفسه من المصير المريع الذي يتجه اليه؟ لا يبدو ان الجواب سيكون سلبياً بحسب معطيات من يتابعون هذه القضية.