//Put this in the section

حكومة دياب مستمرة بحمى ”حزب الله”… مجابهة الأميركيين في لبنان وفوضى أهلية!

ابراهيم حيدر – النهار

يشخّص سياسي مخضرم الوضع اللبناني الراهن بانه أسوأ من الحرب الاهلية. فالبلد يعيش في فوضى أهلية تستحيل حروباً متنقلة بين مجموعات لا أحد يعرف خلفياتها وكيف تعبث بالشوارع والاحياء وسط غياب كلي للدولة التي تعاني الانهيار على كل المستويات السياسية والاقتصادية والمالية، فضلاً عن عجز مؤسساتها على الإمساك بالوضع بما فيها الامنية والعسكرية، إذ أن وحدات الجيش تحولت في بعض المناطق إلى مجرد قوة لفتح السير على الطرق لعجزها عن التدخل في ظل إنزلاق البلد إلى مزيد من الفوضى التي يصفها السياسي بالـ”كيانية”. لكن الامور قد تذهب إلى الأسوأ، وقد نشهد انهياراً متفلتاً يستحيل ضبطه ما لم يتدارك المعنيون هذا الانزلاق وحجم الاخطار التي تحيط بالبلد على وقع المواجهة الإيرانية الأميركية وما نتعرض له من عقوبات وإمعان تحالف السلطة في أخذ لبنان نحو صدام المحاور.




صورة الفوضى اليوم تتجلى بعدم قدرة حكومة حسان دياب على تقديم أي مشروح حل للأزمات الراهنة، فكيف يستمر الاقتصاد في ظل وجود 5 اسعار لصرف الدولار الأميركي، إذ أن إنهيار الليرة ينعكس على حياة اللبنانيين، وهو الاكثر تعبيراً عن الفوضى القائمة إضافة الى فوضى الشارع الذي لم يعد ملك الانتفاضة الشعبية بعدما تحولت الى مجموعات عاجزة عن استقطاب الناس الذين نزلوا الى الشارع في 17 تشرين الاول 2019 من خارج الاصطفافات السياسية. وقد بات البلد اليوم وفق السياسي أمام مجابهة مباشرة بين إيران و”حزب الله” من جهة ومعهما الحكومة، والولايات المتحدة الاميركية من جهة ثانية، فتخاض المعركة مباشرة ويستخدم البلد وبما تبقى من الدولة في المنازلة الكبرى.

وأياً يكن ما تحاول تقديمه الحكومة من مشاريع للحل، فهي عاجزة عن التقدم خطوة واحدة لتخفيف الاعباء عن اللبنانيين، إذ أن كل المؤشرات باتت واضحة وفق السياسي اللبناني، فـ”حزب الله” يستثمر السلطة في المواجهة، ويريد للحكومة أن تستمر ويمنحها كل الدعم، فيما العهد برئاسة ميشال عون ومعه التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل يسلمان بهذا الواقع، انطلاقا من حلفهما مع “الحزب” ولأوهام لها علاقة بالسيطرة واستعادة الصلاحيات لموقع الرئاسة وللمسيحيين عموماً، فإذا بـ”الحزب” يسجل نقاطاً مهمة في الإمساك بالبلد ويدفع الحكومة الى تبني خيار الذهاب الى الشرق، لا بل اندفاع رئيسها حسان دياب إلى أكثر من ذلك بفتحه المعركة مع الأميركيين والخليجيين واتهامهما بالتدخل في الشؤون اللبنانية والحصار، مبرراً خياره الذهاب نحو الصين ثم التواصل مع العراقيين، وهو خيار حدده “حزب الله” ودفع به لاستخدامه ورقة في المجابهة مع الولايات المتحدة.

المفارقة أن الذهاب شرقاً ونحو العراق الغارق في أزماته في فوضى أهلية أيضاً، لا يحلان المشكلة اللبنانية الأعمق من ذلك بكثير، إذ أن الصين تستثمر عادة في بيئات مستقرة، ولا تقدم مساعدات لوجه الله، واي اتفاقات مع الدولة اللبنانية والشركات تحتاج الى شروط مواتية ومناخات دولية توافق على مساراتها. ووفق السياسي، يسلم رئيس الحكومة بالكامل ورقته وموقعه إلى “حزب الله” فيما الرئيس ميشال عون شاهد على ذلك وهو المربك أيضاً مع باسيل في علاقته بالأميركيين. وبينما توقفت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لعجز الحكومة عن القيام بإصلاحات، اختار حسان دياب الذهاب في وجهة “حزب” وخوض معركته، بعدما وجد نفسه وحيداً، أولاً في بيئته السنية التي لا تقدم أي غطاء سياسي، وثانياً في علاقته بالمجتمعين العربي والدولي، فهو متهم بأنه يساير “حزب الله” ويأتمر بقراره، إذ لا مساعدات للبنان من دون إجراء تغييرات جذرية، وهذا جزء من المعركة القائمة بين المحورين. لكن الاخطر من ذلك، انه حين يقول دياب في ظل الحصار المفروض، أنه لن يتزحزج من مكانه ومستمر إلى النهاية في رئاسة الحكومة ومستعد للمجابهة، فهو يسلم بالكامل الى محور الممانعة ويعترف بالعجز عن حل الازمة أو التخفيف من حدة الإنهيار على اللبنانيين بطوائفهم وفئاتهم المختلفة، لذا من المتوقع أن يندفع الى مزيد من المجابهة مع المجتمع الدولي ومع الأميركيين، طالما أنه عاجز عن اختراق بيئته الطائفية، فيما يحميه “حزب الله” من خلال بيئته، علماً أن هذا الاخير خسر الكثير في البيئات الطائفية الاخرى، وهو الذي كان قادراً على المناورة باسمها في معركته المحلية والإقليمية.

ما لا يدركه رئيس الحكومة، أن المجابهة بين إيران و”حزب الله” مع الولايات المتحدة، لها شروطها وآلياتها، فمحور الممانعة يريد من خلال الحكومة برفع سقفها والاندفاع نحو الشرق، تسجيل نقاط لاستثمارها عندما يحين وقت الجلوس على طاولة المفاوضات التي لا تزال مؤجلة إلى حين انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية، إذ أن اي مفاوضات سيكون لبنان جزءاً من بنودها، أما التبادل التجاري وفق ما حكي عن النفط العراقي مقابل منتجات زراعية، فيواجه الكثير من الصعوبات مع قانون قيصر طالما أن البضائع ستعبر من سوريا التي تفرض واشنطن عقوبات عليها وعلى كل من يتعامل مع النظام، فيما اعتماد ناقلات النفط التي يمكن أن تمد لبنان بالطاقة، مسألة في غاية الصعوبة، علماً أن العراق كان يمد لبنان بالنفط إلى منشآته قبل الحرب عبر خط أنابيب يعبر سوريا، وهي معطلة اليوم ولا يمكن تشغيلها إلا بقرار أميركي، وهو يحتاج أصلا إلى إعادة تأهيل وكذلك المنشآت اللبنانية.

في الأشهر الأربعة المقبلة سيكون البلد أمام وضع لا يمكن تصوره. يقول السياسي، إذا استمرت السياسة الحكومية على هذا النحو، واذا استمرت المواجهة الإيرانية الأميركية. فسياسة الانتقال الى الشرق مجرد مزحة سمجة وغير واقعية لبلد يعاني انهياراً وصراعات مستمرة. لكن يبدو أن إمساك “حزب الله” بالحكومة وبالقرار يسمح له بتسويق مبادرات بديلة لاستثمارها في معركته إلى أن تحين التسوية والمفاوضات، فيعطي الحكومة دفعاً ويمنع إسقاطها، فيما المعارضات الطائفية والسياسية الاخرى تسلم بالأمر الواقع، وهي منشغلة في لملمة قواعدها وترتيب بيئاتها. هذا يعني أن البلد كله دخل في أتون الحريق، ولم يعد “الحزب” يخوض المعركة وحده، وهو قد يأخذ الحكومة الى الانفتاح على النظام السوري وفتح الحدود إذا اقتضت المجابهة ذلك، ولا يكترث للفوضى الأهلية التي تنخر البلد وتهلك أبنائه…