//Put this in the section

ما السبيل لوقف انهيار الليرة والتهريب بخطوة واحدة سهلة؟ – دان قزي – النهار

أعلن مصرف لبنان منذ بضعة أيام أنه سيضخّ الدولارات لدى الصرّافين من أجل دعم سعر صرف الليرة. يبدو أننا نسينا أن مؤسسات الصيرفة لم تكن تستحوذ العام الماضي سوى على 2% من عمليات الصرف، في حين أن النسبة المتبقية من التداولات بالعملات الأجنبية، أي 98%، كانت تتم في المصارف المحلية.

معظم الأشخاص بيننا لم يتعاملوا سابقاً مع الصرافين، ولم يتوجّهوا إلى محال الصيرفة إلا عندما بدأ سعر صرف الليرة بالتراجع دون عتبة الـ1500-1515 ليرة التي كان ثابتاً عندها. مثلاً، عندما أصبح سعر صرف الدولار 1600 ليرة لبنانية الصيف الماضي، كان كل دولار يُسحَب من المصرف ويُباع للصرّاف يحقق لصاحبه قيمة إضافية بنسبة 6%، وهو ليس مبلغاً كبيراً، ولكنه عائد استثماري جيد مقابل عمل يحتاج إلى بضع دقائق فقط. وعندما تراجع سعر الصرف إلى نحو 2000 ليرة، ارتفعت نسبة القيمة الإضافية التي يجنيها الشخص من بيع الدولارات إلى 33%، ما حفّزنا جميعاً على التردد إلى محال الصيرفة. وحدث ذلك كله في وقت بدأ المصرف المركزي، في محاولة منه للحفاظ على الاحتياطي المتناقص بالعملات الأجنبية، بتقنين المبالغ التي يؤمّنها للمصارف بالدولار، إلى أن توقفت المصارف بشكل كامل عن إعطاء الدولارات للعملاء.




إنه أمرٌ بديهي أن أي محاولة جدّية لدعم الليرة لن تتحقق إلا من خلال ضخ الدولارات في المصارف، مثلما كانت تُضَخ طوال 22 عاماً مضت، والمزاعم التي تدّعي أن سوق الصرّافين هي المشكلة تنمّ عن عدم خبرة أو عن خداع متعمّد.

من الواضح أن مصرف لبنان محقٌّ في توقفه عن دعم تثبيت سعر الصرف (لمختلف الأسباب العملية) لأنه يجب ألا يُهدَر احتياطي العملات الأجنبية كيفما كان إلا في إطار استخدامه لتمويل الواردات الأكثر ضرورية.

تقوم استراتيجية مصرف لبنان على الاستحواذ على معظم الدولارات التي تدخل إلى البلاد (من خلال حسابات الأموال الطازجة fresh money accounts، والتحويلات عن طريق ويسترن يونيون/أو إم تي، ومؤسسات الصيرفة)، وتخصيصها للقطاعات التي تُعتبَر أساسية (مثل استيراد المحروقات والأدوية والحبوب). لنأخذ مثالاً في هذا المجال. لنقل إن مواطناً ثرياً يملك دولارات حقيقية نقداً ويريد إنفاقها على شراء “كافيار بلوغا” الذي يستورَد من روسيا بسعر 100 دولار للمرطبان الواحد. يتوجّه إلى الصرّاف ويبيع 100 دولار مقابل 400000 ليرة لبنانية (الأسبوع الماضي) ويدفع ثمن الكافيار للمتجر (أو المطعم). ثم يتوجّه مالك المطعم إلى الصرّاف حاملاً مبلغ الـ400000 ليرة ليشتري به دولارات من أجل استيراد الكافيار من جديد. وهو بذلك يتنافس على الدولارات مع جميع اللبنانيين، بمن فيهم المواطن الفقير الذي يريد شراء شاشة جديدة لاستبدال شاشة هاتفه الذكي المكسورة، والمواطن المتوسط الحال الذي يريد شراء 100 دولار ليسدّد أجر العاملة المنزلية الأثيوبية. ويتنافس أيضاً مع مصرف لبنان الذي يريد دولارات الصرّافين ليعيد توزيعها بحسب القائمة التي وضعها لفرز طالبي الدولارات. وهكذا يرتفع سعر الدولار إلى 5000 ليرة، فيقرر مالك المطعم عدم تجديد مخزونه من الكافيار. ويعيد المواطن المتوسط الحال العاملة المنزلية الأثيوبية إلى سفارة بلادها لأنه لم يعد قادراً على تسديد أجرها. ويقرر المواطن الفقير شراء هاتف بدائي مستعمل. إذاً في ناحية من النواحي، السياسة التي ينتهجها مصرف لبنان راهناً هي سياسة اشتراكية، فهو يعمد إلى سحب كل الدولارات في البلاد ووضعها في سلّة واحدة قبل أن يعيد توزيعها بحسب نظرته إلى “الخير العام”، ولكنه يتسبب أيضاً بإحداث خلل في التوزيع الفعال لرأس المال الذي يُعتبَر من ركائز اقتصاد السوق الحر.

يستشيط المواطن الغني غضباً، وهنا أتخايل سيناريو حيث يعمد هذا الشخص إلى تجاوز الصرّاف ومصرف لبنان على السواء. فماذا لو عرض أن يسدّد للمطعم مئة دولار نقداً متجاوِزاً الصرّاف؟ تبرز بعض المشكلات اللوجستية في هذا المجال. كيف يعطي المطعم الفاتورة للزبائن؟ كيف يُحدّد مَن هم الأثرياء بينهم؟ هل يتفاوض مع الزبائن على سعر الصرف بحسب التغييرات التي تطرأ عليه من دقيقة إلى أخرى؟ هل يستخدم أحد التطبيقات الجديدة لتحديد سعر الصرف؟ هل يدوّن سعر الصرف على الفاتورة؟ وهذه ليست مشكلات صغيرة، وسوف تجد جميعها طريقها إلى الحل في نهاية المطاف لأن المواطن الثري يريد الحصول على الكافيار ولا يريد أن يستخدم رياض سلامة ورقته النقدية من فئة مئة دولار من أجل شراء الحبوب. عندما تستعيد السوق توازنها، يتوقف الانهيار المتواصل في قيمة الليرة.

إذاً ما هي الطريقة الصحيحة لوقف تدهور الليرة؟

الحل بسيط في الواقع. إذا لم يكن بإمكاننا زيادة دفق الدولارات التي تدخل إلى البلاد، علينا إذاً خفض كمية الدولارات التي تخرج منها، ما يتطلب خفض الطلب على الواردات، هذا إذا افترضنا أننا لا نريد استنزاف ما تبقّى من احتياطي العملات الأجنبية في مصرف لبنان. بعد بدء العمل بالإجراءات غير الرسمية لتقييد حركة الأموال أو ما يُعرَف بالـ”كابيتال كونترول”، تراجعت الواردات بنسبة 70% تقريباً، واستحوذت المحروقات على ثلثَي الواردات المتبقّية. وهكذا، من خلال إلغاء الدعم الحكومي للمحروقات، وفرض ضرائب مرتفعة على استخدام العمال المنزليين، فضلاً عن بعض التدابير الأخرى المشابهة، يمكن خفض كمية الدولارات التي تخرج من البلاد. يقول بعض النقاد إن إلغاء الدعم لتسعيرة المحروقات يطال الفقراء على وجه الخصوص، ولكن إذا كان بإمكان السوريين (والأردنيين والمصريين) شراء المحروقات بأسعار أعلى، في حين أن مداخيلهم أقل بكثير من مداخيل اللبنانيين، فهذا يعني أننا نحن أيضاً قادرون على ذلك. في الواقع، بدلاً من إرسال فرقتَين تابعتين للجيش اللبناني إلى الحدود اللبنانية-السورية لإغلاق مزارب التهريب، يكفي رفع أسعار المحروقات في لبنان لتصبح مساوية لأسعار السوق، فتُحَل مشكلة التهريب سريعاً.

وفي الواقع، إذا أردتم التذاكي، ارفعوا أسعار المحروقات بحيث تتخطى الأسعار في سوريا، فيصبح التهريب في الاتجاه المعاكس.

بالطبع، ينطلق ما تقدّم من الافتراض من أنهم لن يستخدموا طباعة الأوراق النقدية بالليرة اللبنانية بمثابة اقتطاع (هيركات) مموَّه يطال الودائع، بما يؤدّي إلى إغراق السوق بما يزيد عن 100 مليار دولار بالليرة اللبنانية، حين سيصبح الناتج المحلي الإجمالي العام المقبل أقل من نصف ما كان عليه العام الماضي، مع تهافت الجميع للحصول على السلع والخدمات المحدودة نفسها.