//Put this in the section

استقالة بيفاني… هروب متأخر من سياسة “عهد الانهيار”!

لم تكن استقالة مدير عام وزارة المالية اللبنانية آلان بيفاني مفاجئة للأوساط المتابعة لمجريات إدارة الأزمة المالية في لبنان مؤخرا.

ومع ذلك فإن وقعها كان مدويا في المشهد المحلي اللبناني، إن لناحية أبعادها في هذا التوقيت الحرج من عمر الأزمة الاقتصادية، أو لناحية تأثيرها على أي فرصة مقبلة لإعادة ثقة بالإدارة المالية في البلاد، محليا ودوليا، لاسيما وأنها الاستقالة الثانية لمفاوض من جهة لبنان الساعي للحصول على برنامج دعم من صندوق النقد الدولي، بعد هنري شاؤول، مستشار وزير المالية اللبناني.




في الوقت نفسه فقد فتحت الاستقالة الباب على تساؤلات طرحت حول أداء بيفاني على امتداد فترة توليه لمنصبه، والأسباب التي دفعته اليوم بالذات إلى تقديم استقالته، في حين لم يفعلها طيلة السنوات التي شهدت تطبيقا للسياسات المالية التي أوصلت إلى الأزمة الحالية.

“أرفض أن أكون شريكا أو شاهدا على ما يجري”، بهذه العبارة اختصر بيفاني الغاية من مؤتمره الصحفي، معلنا استقالته من منصبه بعد شرح مفصل لأسبابها.

استعرض الرجل في المؤتمر الصحفي سلوكا مشتركا بين السلطة السياسية والحكومة اللبنانية والمنظومة المصرفية، يميل إلى “تدفيع” المودعين اللبنانيين ثمن الخسائر التي مني بها الاقتصاد اللبناني، مقابل “حماية المصارف والمساهمين فيها ممن ضاعفوا أربحهم على حساب الدولة خلال السنوات الماضية، والمستفيدين من نسب فوائد ضخمة، ويرفضون اليوم اعادتها للنهوض بالاقتصاد اللبناني”، على حد وصف بيفاني.

استقالة بيفاني، الذي وصل إلى منصبه عام 2000 وعايش السياسات المالية للحكومات المتعاقبة على مدى 20 عاما، صورت الحائط المسدود الذي وصلت إليه الدولة اللبنانية بحكومتها وإدارتها المالية، والذي بدأ يظهر بالفعل من خلال سلسلة تصريحات دولية أبرزها كان للمديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي كريستالينا جيورجييفا.

وقالت جيورجيبفا إنها “لا ترى سببا لانفراج في المفاوضات مع لبنان”، كذلك بالنسبة لفرنسا التي عبرت عن تراجع حماسها للسير بمشاريع مؤتمر “سيدر” وربطه بالمفاوضات مع صندوق النقد، وهو ثاني أبرز موارد الدعم الخارجي التي تتأمل منها الحكومة اللبنانية وقف الانهيار المالي في البلاد.

أما ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش فقد علق على استقالة بيفاني، “الخبير المعروف دوليا”، بوصفها عبر “تويتر” بـ ” خسارة للبنان خلال الأزمة الشاملة التي تزداد وطأتها سريعاً في البلاد.”

ويرى المحلل الاقتصادي اللبناني مروان اسكندر، أن استقالة بيفاني بتوقيتها ومضمونها، مؤشر على مرحلة قادمة “سنرى فيها الويلات”، متوقعا أن يعود لبنان إلى “ما يشبه القرن التاسع عشر”، بسبب عجز الدولة اللبنانية عن استيراد المواد الأولية والنفط والحاجات الطبية والمعدات المتطورة وغيرها من حاجات الدولة الحديثة، وسط غياب اي خطة لحل واضح في المدى المنظور من شأنه استعادة الثقة الدولية.

من جهته، يرى المستشار الاقتصادي السابق لـ “الإسكوا” أديب نعمة، أن المشكلة اللبنانية راسخة وعميقة ومعقدة إلى حد أن استقالة ألان بيفاني لا تؤثر بشكل مباشر عليها، أو على المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، لكنها تأتي كمؤشر إضافي على التخبط والارتباك داخل مؤسسات الدولة والفوضى الحاصلة فيها، وتزيد من انعدام الثقة بالقدرة على المعالجة والإصلاح.

بيفاني ومع إعلانه استقالته، شرح في تصريح تلفزيوني أسباب استقالته التي تأتي “اعتراضا على طريقة تعاطي الحكم بكامله مع الأزمة”، منبها من أن “المسار الذي نسلكه اليوم متهور وبموجبه فإن الشعب سوف “يحترق سلافه” (يتضرر).

وحذر بيفاني اللبنانيين، في مؤتمر صحفي لاحق، من أنهم مقبلون على “مرحلة جديدة من الاستيلاء على أصولهم بالمواربة”، ما سيؤدي إلى “سحق الطبقة غير الميسورة وتحميلها مع الطبقي الوسطى الكلف الباهظة إضافة إلى تدهور العملة مع غياب أي برنامج إصلاحي وتأجيل الحلول”. وهو ما دفع نشطاء لبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، لوصف المؤتمر بانه “فضيحة” داعين القضاء للتحرك بشأن كل ما كشفه

وكان لافتا موجة التضامن التي خرجت عن شخصيات بعيدة سياسيا عن بيفاني، والتي أثنت على أدائه ونظافة كفه، في حين حازت استقالته على تأييد عدد آخر ممن دعوا بقية المسؤولين اللبنانيين إلى الاستقالة في ظل العجز عن تقديم حلول.

في المقابل انطلقت حملة شارك فيها أنصار التيار الوطني الحر عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحمل بيفاني جزءا من مسؤولية الواقع المالي للبلاد، كمدير عام لوزارة المالية لـ 20 عاما وابن المنظومة الحاكمة، بالإضافة إلى عدد من النشطاء الذين اعتبروا في استقالته محاولة تنصل من المسؤولية، متسائلين عن توقيتها وسبب سكوته طيلة الفترة الماضية عن الممارسات المالية وتمريره لسلسلة الرتب والرواتب، إضافة إلى إشرافه على خطة الحكومة التي جاءت فارقة من الحلول الواقعية

وفي هذا السياق يرى اسكندر أن “بيفاني ليس مسؤولا عن الواقع المالي، هو مجرد موظف ليس في موقع تحديد السياسة المالية وإنما موقعه يمكنه من الاحتجاج على السياسة المالية، وقد فعل ذلك في إكثر من مرحلة، ولم يتم الركون اليه، مؤكدا أنه لا يجوز تحميل بيفاني مسؤولية تمرير سلسلة الرتب والرواتب، فالمجلسين النيابي والوزاري صادقا على هذه السلسلة وأقرت من قبلهم، منبها من تحويل بيفاني إلى “كبش فداء” لفشل الحكومة في تقديم أداء مقنع للجهات الدولية الداعمة أو استقدام استثمار واحد مفيد للبنان.

ويشير نعمة من جهته إلى أن بيفاني هو في النهاية ابن هذا النظام الاقتصادي، ولا يتمايز لناحية انتهاجه النهج الليبيرالي في الإدارة المالية، وذلك واضح من خلال حماسته للجوء إلى صندوق النقد الدولي.

ولكن بيفاني رأى في الحكومة الجديدة فرصة لتنفيذ رؤيته الاقتصادية، خاصة بعد التغيير الحكومي الذي ابعد خصومه التقليديين عن المشهد (الحريرية السياسية)، وقد حاول بيفاني وضع رؤيته في الخطة الإقتصادي للحكومة، والتي عليها ما عليها من ملاحظات.

صندوق النقد وخلاف الأرقام

بيفاني كان الحاضر الأبرز في تفاوت الأرقام المقدمة من قبل الدولة اللبنانية، بين الحكومة والمجلس النيابي، لاسيما وأنه المسؤول عن إعداد أرقام الحكومة، وفي هذا السياق أكد بيفاني في مؤتمره الصحفي أن صندوق النقد أكد ثلاث مرات على صحة الأرقام المقدمة من الحكومة.

واعتبر بفاني أن “تسرع البعض أدى إلى تحريف الإجراءات لتظهر على غير حقيقتها فاستاء الصندوق واستاء المانحون”، مشيرا إلى أن التوجه العام هو لإرضاء المستفيدين من النظام القائم “بشكل يفقد لبنان قدرته على التفاوض مع الجهات الدولية”.

في المقابل ردت جمعية المصارف بعنف على تصريحات بيفاني واصفة إياها بـ “المغالطات”، وعبرت الجمعية عن أسفها بسبب “للتهجم العدائي على القطاعات الاقتصادية بعامة والقطاع المصرفي بوجه خاص” في كلام بيفاني، معتبرة أنه “يتعارض مع الوقائع والحقائق، ويفتقر الى الدقة والموضوعية”، مؤكدة أنها “سوف تفنّد في الأيام القليلة المقبلة كل المزاعم الباطلة التي تضمّنها حديث السيد آلان بيفاني.”

وفي هذا السياق يشرح نعمة أن بيفاني اصطدم بصراعين حول خطة الحكومة التي ساهم في اعدادها، الأول سياسي وواضح يدور بين “لوبيهات” المصارف وأصحاب المصالح الممثلين عبر الأطراف السياسية ووزراء الحكومة، حول الجهة التي ستدفع الثمن الأكبر للانهيار، حيث يجري تقاذف هذا الثمن بين المصارف ومصرف لبنان وبين الدولة والمودعين.

أما الصراع الثاني، “الذي قسم ظهر البعير بالنسبة لبيفاني”، فكان داخل الإدارة نفسها، وعلى مستويين، الأول داخل الحكومة، حيث ظهر عدد من الوزراء غير المتحمسين للخطة لاسيما وزراء حركة أمل والمردة، وانتهاء عند تخلي جميع مكونات الحكومة عن تلك الخطة التي بقيت يتيمة دون تبنٍ.

والمستوى الثاني من الصراع يمتد إلى المجلس النيابي وبدا واضحا مع ما صدر عن لجنة تقصي الحقائق النيابية التي يرأسها النائب ابراهيم كنعان، وأظهرت خلافاً ما بين الحكومة والمجلس النيابي، وتناغمت مع رؤية المصارف لناحية تقدير حجم الخسائر بالأرقام.

وبالتالي لحظ بيفاني تخل آخر من قبل مكونات الحكومة عن الخطة لاسيما التيار الوطني الحر الذي بات واضحا أنه يعيش بدوره صراع نفوذ داخله بين المتمسكين بالخطاب الإصلاحي، وحماة المصالح المالية للمصارف والمتمولين، الذين باتوا يسيطرون على القرار في التيار، وادخلوه نادي المنتفعين من السياسات المالية السابقة واصحاب المصارف، وتجربة بنك “سيدروس” مثال على ذلك، بحسب نعمة.

يلفت اسكندر إلى أن مشكلة بيفاني مع التيار الوطني الحر بدأت حينما قدم أرقاما تناقض الحسابات الواردة في كتاب “الإبراء المستحيل” والتي أشرف عليها النائب ابراهيم كنعان، وهو الكتاب الذي يتساءل فيه التيار الوطني رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة عن 11 مليار دولار تبددت في عهد حكومته ولم يعرف أين صرفت، والتي بنى على أساسها تيار رئيس الجمهورية حملته الدعائية والانتخابية.

ويضيف أن بيفاني وعلى مدى سنتين من العمل، بين كافة الحسابات وكشف أنها صحيحة على عكس رواية النائب كنعان، وهذا هو سبب “الضغينة التي يكنها نظام الحكم الحالي على ألان بيفاني”، خاصة وانه قام بهذا الأمر وهو المحسوب على التيار الوطني الحر سياسيا لفترة طويلة، مقابل معارضته التاريخية لسياسات الرئيس فؤاد السنيورة منذ أن كان وزيرا للمال.

يرى اسكندر أن النائب إبراهيم كنعان “لم يصب بأي من حساباته للعجز، وفي كل عام كان يجري تصحيح تلك الحسابات”، ولهذه الأسباب أرادت منظومة الحكم التخلص من بيفاني لكونه أحرجهم بالأرقام الحقيقية التي يقدمها في هذه المرحلة بالذات.

الحرة