//Put this in the section

السنيورة يدعو مصر والسعودية لوقف التمدد الإيراني: الانتفاضة اللبنانية هدأت قليلاً لكنها ستعود أقوى

يرى رئيس الوزراء اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة، أنَّ فشل حركات الربيع العربي سمح بالتمادي الإسرائيلي في المشروعات الاستيطانية وضم الضفة الغربية والسير في تنفيذ صفقة القرن، ووصفها بأنها مشروع خطير نتج عن السياسات الأمريكية المدمرة.

وقال السنيورة في حواره مع “عربي بوست”، إن الخلافات العربية هي التي أصبحت تشجع دول الجوار الإقليمي ومنها إيران، على التمدد إلى قلب النظم العربية، وإن ما تقوم به إيران في العراق وسوريا وليبيا دليل على ذلك.




فيما اعتبر أيضاً أن الخلافات العربية هي التي سمحت لتركيا بالتمدد والتدخل في سوريا والعراق وفي ليبيا مؤخراً.

ودعا المملكة العربية السعودية ومصر إلى أن تعملا معاً لمنع التمدد الإيراني وغير الإيراني في دول المنطقة، قائلاً: “بإمكان العرب منع إيران وغيرها لكن ليس بالشعارات؛ بل بالأفعال والجهود المشتركة الجادة”.

فيما يرى السنيورة أن الثورة أو الانتفاضة اللبنانية التي بدأت في السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي لم تتوقف، بل هدأت قليلاً، على حد وصفه، بسبب جائحة كورونا وبسبب اندساس العناصر المخربة في صفوفها، ولا شك في أنها ستعود بزخم أكبر لاحقاً.

واعتبر أن من ينتمون إلى حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر والأحزاب المنتمية للنظام السوري مستفيدون من اندساس العناصر المُخرِّبة لتشويه الحراك الشعبي.

ويرى السنيورة أن قانون قيصر ليس ملزماً من الناحية القانونية، لأنه قانون أمريكي وليس قانوناً دولياً، لكنه يرى أن له انعكاساته وتداعياته الكبيرة على لبنان. وإلى الحوار..

كيف تنظر إلى الدعوى المرفوعة على السفيرة الأمريكية بمنعها من التحدث للإعلام اللبناني؟

في الحقيقة، إن الأمر مستهجن ومستنكر، لأنه يمثل قمة التدخل السياسي في عمل القضاء، وهو يساهم في ضرب صورة القضاء اللبناني والمؤسسات اللبنانية، فيما نحن بأمسّ الحاجة لعودة وبناء الثقة بهذه المؤسسات، كما يعد تضييقاً على الحريات الإعلامية، وهو أمر مرفوض رفضاً تاماً في لبنان.

بدايةً، كيف راقبت اللقاء الوطني الذي عُقد قبل أيام في لبنان؟

حقيقة، إن ما جرى في هذا اللقاء كمن أضاع شيئاً ثميناً في مكان ويبحث عنه في مكان آخر، وهذا اللقاء عُقد من أجل بحث مسألة الخلل الأمني والتخريب الذي حصل بسبب الممارسات العُنفية التي جرت خلال المظاهرات الأخيرة التي اندسّ فيها مجموعة من المخربين.

ولكن وكما تبين من خلال البيان الصادر عقب انتهاء اللقاء، لم يجرِ البحث إلا في ظاهر المشكلات وليس في جوهر المشكلات من أساسها.

والجوهر يعني معالجة المشكلات التي يعاني منها لبنان حالياً، وأهمها التصدي لهذا الانهيار الكبير لثقة اللبنانيين بالحكومة وبالعهد، وأيضاً نتيجة للقصور والتقصير عن اعتماد المعالجات اللازمة لحل المشكلات الداهمة.

وهي المشكلات الاقتصادية والمالية والسيولة وتداعياتها المعيشية على اللبنانيين بسبب انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية الذي هو ناتج عن الانهيار الكبير في الثقة.

وهو ناتج أيضاً عن التلكُّؤ في إجراء الإصلاحات الضرورية، الذي كان واجباً على هذه الحكومة، كما كان واجباً على جميع الحكومات التي سبقتها، لا سيما أيضاً خلال رئاسة الرئيس ميشال عون.

تلك الحكومات عجزت عن إجراء الإصلاحات التي هي أشد ما يحتاجه لبنان، للأسف تفاقمت هذه المشكلات بسبب استمرار الامتناع والتمنع، والاستعصاء عن القيام بالإصلاحات؛ وهو ما أدى من ثم إلى هذا التردي الكبير في الأوضاع الاقتصادية والنقدية والمعيشية التي يعانيها لبنان.

لقد عُقد هذا اللقاء دون تحضير صحيح وخلافاً للنصائح التي وُجِّهت إلى رئيس الجمهورية بأهمية التروّي، ومن ذلك ما نصح به غبطة البطرك بالإعداد والتصحيح اللازم لهذا اللقاء، وبأهمية إجراء المقاربة الصحيحة للمشكلات التي تعاني منها البلاد.

ومن ثم السعي الحقيقي من قِبل رئيس الجمهورية ليعد جيداً لهذا اللقاء؛ من أجل أن يجمع اللبنانيين على توجه حقيقي يؤدي إلى ولوج باب الإصلاح الحقيقي والشجاع.

وهذا هو الأمر الذي ما فتِئ اللبنانيون أن يطالبوا به، وما فتئ الأشقاء في العالم العربي وأيضاً الأصدقاء في بقية الدول أن يطالبوا به الحكومة اللبنانية؛ من أجل القيام بالإصلاحات التي يحتاجها لبنان والتي كان قد تعهد بتنفيذها منذ سنوات، لكن تعطلت بسبب المماطلة في الإصلاح والامتناع عن تنفيذ القوانين التي أصدرها المجلس النيابي لقطاعات الكهرباء والاتصالات والطيران المدني وغيرها.

ليس ذلك فحسب فقد طرأ شيء جديد أيضاً، أدى إلى التسبب في مشكلات إضافية، وهو ناتج عن خرق الدستور والامتناع عن تطبيق القوانين، كل هذه بمجموعها يضاف إليها المغالاة في إنكار وجود

المشكلات.

وما أدى إلى امتناع عدد كبير من المدعوين عن حضور اللقاء هو أن الرئيس والحكومة لم يستبقا تلك الدعوة ولم يقوما ولا بخطوة صغيرة، من أجل إظهار النية والرغبة والإرادة لإجراء الإصلاحات المطلوبة.

وهو ما أسفر عن لقاء فيه طرف واحد يتحاور مع نفسه دون إفساح المجال للاستماع أو النظر في الأفكار والاقتراحات التي تقدَّم بها الرئيس ميشال سليمان والنائب تيمور جنبلاط، ولم يهتم بها أحد من الحضور.

أمام أحداث بيروت وما وقع في بقية المناطق اللبنانية من احتقان مذهبي واشتباكات متفرقة.. هل يرى دولة الرئيس أننا مقبلون على تصعيد مستمر من هذا النوع؟ وهل ما شهدناه يعني انتهاء الثورة التي انطلقت في 17 تشرين (أكتوبر)؟

لا شك في أن ما جرى قبل أسبوعين، من اندساس عناصر مشاغبة مدفوعة من أطراف لها أجنداتها الخاصة، أمر مستنكر ومرفوض. ولكن هذا الأمر يجب ألا يحجب عن نظرنا المشكلة الأساسية وهي انهيار ثقة اللبنانيين بالحكومة والرئيس.

وهو الأمر الذي أصبح يُقلق اللبنانيين بشأن مستقبلهم وما سيسببه التردي من انعكاسات وتداعيات على أكثر من صعيد اقتصادي ومعيشي وامني وسياسي.

فاللبنانيون عندما يرون بأُمّ العين التقصير والقصور في الأداء الحكومي وعدم القدرة على إدارة الشؤون العامة بشكل سليم، لاسيما ما يخص القضايا الاقتصادية والمالية والنقدية، فإن خوفهم على المستقبل يزداد.

لننظر وعلى سبيل المثال، فيما تقوم به الحكومة اللبنانية من تفاوض مع صندوق النقد الدولي. فهي مازالت حتى الآن تتخبط، بسبب عدم قدرتها على أن تحدد بدقة وبشكل صحيحٍ حجم المشكلات المالية والنقدية التي تعانيها.

ولا أن يتحدد كيف ينبغي لها أن تتفاوض مع هذا الصندوق، وما هي المقاربات التي يجب أن تعتمدها، وما هي الحلول التي تقترحها للقيام بالمعالجات المطلوبة.

ومن ذلك يتبين بعض تلك الأسباب التي تسهم في هذا الانهيار الحاصل في ثقة اللبنانيين بدولتهم وحكومتهم.

وأنا لا أعتقد أن الثورة أو الانتفاضة التي بدأت في السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قد توقفت؛ بل هدأت قليلاً، بسبب كورونا وبسبب اندساس العناصر المخربة في صفوفها، ولا شك في أنها ستعود بزخم أكبر لاحقاً.

صحيح أن تلك الممارسات العُنفية والتخريبية التي قام بها بعض المندسين في التظاهرات، قصدوا منها أن يحرفوها عن مبادئها وعن مقاصدها،  لكن خروج هذا العدد من المواطنين للتعبير عن غضبهم ورفضهم لتدهور الأوضاع العامة أمر مهم في حد ذاته ويشكل تأكيداً لعمق وخطورة هذه المشكلات.

كذلك على مدى معاناة الشعب اللبناني التي ماتزال مستمرة، لا بل ما زالت تتفاقم، فهؤلاء المواطنون يريدون حلولاً حقيقية، كما أنهم يرفضون إغراقهم مجدداً في الرمال المتحركة للدعوات الطائفية والمذهبية والشعبوية.

ولذا فإنه ينبغي لأولئك الشباب المنتفضين تطوير الأدوات والأساليب المستخدمة من قِبلهم، لتحقيق مواجهة أفضل وأفعل في وجه تعاظم المخاطر المحدقة بلبنان على الأصعدة المالية والنقدية والاقتصادية والمعيشية والأمنية والتي ظهر جانب منها في الأسابيع الماضية، أخشى أن تتحول الى عنف أكبر يُخشى أن تسيل فيه الدماء وتُزهق فيه الأرواح.

لا يكون ذلك إلا بالعودة إلى التهدئة والتركيز على المبادئ الأساسية، ومن ذلك العودة إلى احترام الدستور والقوانين، وتأكيد احترام سلطة الدولة على أراضيها بالكامل ودون أن ينازعها في ذلك أي سلاح آخر أو أي سلطة أخرى.

كذلك تأكيد استقلالية القضاء، واستعادة السكينة إلى اللبنانيين من خلال التركيز على التقدم على مسارات الإصلاح الحقيقية التي هي المفتاح الحقيقي نحو البدء باستعادة ثقة اللبنانيين بالدولة اللبنانية وبالمستقبل وكذلك ثقة المجتمعَين العربي والدولي.

من جانب آخر وعلى ما يبدو، فإن بعض قوى الأمر الواقع، لا سيما ممن ينتمون إلى حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر والأحزاب المنتمية إلى النظام السوري، تريد الاستفادة من اندساس تلك العناصر المُخرِّبة بأن ترسل رسالة تهويل واضحة لمن يقف في وجهها من

الفريق المعارض للحكومة اللبنانية، تقول فيها إننا سنتصرف بقوة وبقسوة إذا ما وقفتم بوجهنا، أو عارضتم سياستنا أو طالبتم باستعادة الدولة لسلطتها على الأراضي اللبنانية بالكامل، وإنهم أيضاً سيكونون على استعداد مجدداً لإشعال القلاقل في البلاد وحتى لو اقتضى ذلك إضرام الفتن الطائفية والمذهبية.

هذا هو جوهر الأمر، وهذه هي حقيقة ما جرى في السادس والحادي عشر والثامن عشر من يونيو/حزيران.

لا شك وفيما يتعلق بقوى الانتفاضة، فقد بات الامر أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق، وهو ما يحتاج إلى مزيد من التبصر ومزيد من الصمود والوعي لدى شباب الانتفاضة.

من جهة أخرى فإنه ينبغي للأطراف الحزبية المسلحة، التي أعلنت أنها تستنكر وترفض تلك التجاوزات والممارسات العُنفية، وإن هي -على ما يبدو- غضّت الطرف عن تلك التجاوزات التي قامت بها تلك العناصر المخربة، فإنه ينبغي لتلك الأطراف، ومنعاً لمزيد من التردي في البلاد، أن تثبت صِدقيتها في استنكارها لتلك الممارسات.

وإن إثبات صدقية هذه الأطراف يتطلب منها تغيير الخطاب المستعمل والإقدام على خطوت ملموسة بالسماح للقوى الأمنية بأن تطبق القانون وتعتقل وتحقق وتطبق القوانين العادلة بحق من شارك في تلك الأفعال الجرمية وليس بالوقوف في وجه القضاء العادل ومنعه من أداء واجبه في هذا الخصوص.

كذلك ومن جهة أخرى، فإنه ينبغي للأجهزة العسكرية والأمنية إتاحة المجال أمام المنتفضين من العناصر الشابة للتعبير عن رفضهم لما تقوم به الحكومة، على أن تحول تلك الأجهزة دون أي ممارسات عنفية وتخريبية. الصِّدقية يجب أن تكون بتغيير الأداء وليس فقط بالأقوال والاكتفاء بالإدانة وادعاء الطهرانية.

كيف ترى مستقبل لبنان في ظل الأحداث الجارية وتحديداً الموقف السلبي لصندوق النقد الدولي من خطة الحكومة والفتور الدولي والعربي تجاه أهل الحكم؟ وكيف تقيّم خطة الحكومة المالية؟

الخطة المالية التي وافقت عليها الحكومة، للأسف لا تعالج مختلف جوانب المشكلات التي يعانيها لبنان بشكل مكتمل وصحيح.

هناك خطأ ارتكبته الحكومة في المقاربات التي استندت إليها لتنفيذ المعالجات الصحيحة، فهي تتصرف باعتبار لبنان بلداً مفلساً وأن عليها أن توزع الخسائر على اللبنانيين، لا سيما أنها وفي المحصلة تُحمِّل المودعين تلك الخسائر والأعباء، وهم الذين لم يكن لهم ضلوع بكل ما جرى من أخطاء وانحرافات، أدت في المحصلة إلى هذه المشكلات الجسيمة التي يعانيها لبنان.

من ناحية ثانية فإن الفروقات الجسيمة في الأرقام بين ما تقدمت به وزارة المالية في الخطة التي اعتمدتها الحكومة وما يقوله المصرف المركزي وجمعية المصارف كبير جداً.

هذا التباين في الأرقام كان ينبغي بتَّه في الأساس، من خلال عمل جدّيٍّ وفي ورشة العمل التي كان يجب أن تتولاها السلطة التنفيذية الممثلة بالحكومة وبالتعاون مع المصرف المركزي والمصارف والهيئات الاقتصادية؛ وذلك للتوصل إلى مواقف ومقاربات محددة.

وللأسف فإن هذا هو ما فشلت الحكومة في تحقيقه؛ وهذا ما أدى إلى هذا التباين الكثير، وما أدى في المحصلة إلى انعدام الثقة بالأرقام.

باعتقادي، ينبغي الانتهاء من هذا الأمر بسرعة، توصلاً إلى مواقف ومقاربات وأرقام محددة تعتمدها الحكومة اللبنانية باسم كل لبنان. بعد ذلك فإنه ينبغي للحكومة المسارعة إلى التفرغ لحوار جاد مع صندوق النقد الدولي.

الخطأ الذي ارتكبته الحكومة في خطتها هو أنه كان ينبغي لها أن تنطلق في مقاربة صحيحة، ليس بأن لبنان شركة مفلسة؛ بل من خلال الانطلاق من حقيقة أساسية وهي أن لبنان وطن لديه مشكلات ينبغي معالجتها، وأن هناك مواطنين واقتصاداً ينبغي استعادة استنهاضهما واستعادة نموه الاقتصادي.

وهذا يعني الحاجة إلى تضافر الجهود من أجل استنهاض اللبنانيين، من خلال العمل على استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها، ومن خلال العودة إلى الأصول وسلوك طريق الإصلاح. إنه وبسبب ذلك كانت تلك الأخطاء الجسيمة في المقاربات التي اعتمدتها الحكومة.

وبناء على ذلك فإنه يتوجب على الحكومة أن تبادر وبالتعاون مع المصرف المركزي وجمعية المصارف والقطاعات الإنتاجية في لبنان، من أجل وضع الخطط الإصلاحية العملية والموثوقة والقابلة للتنفيذ لإنقاذ لبنان.

وهذا ما لم تقم به الحكومة حتى الآن، والخطأ الأفدح هو أن الحكومة والعهد -(الرئيس)- لم يقوما حتى الآن بأية خطوة يُستنتج منها أنهما يريدان فعلياً الانخراط الحقيقي في الجهد الإصلاحي الصحيح، الذي هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يستعيدا بموجبه ثقة اللبنانيين وثقة المجتمعين العربي والدولي.

 في الحقيقة فإني أرى أن المسألة والمستقبل بأيدي اللبنانيين وبأيدي الحكومة اللبنانية، وعلى المسؤولين الحاليين المبادرة فوراً إلى الانخراط في تنفيذ ما تمنَّعت الحكومات المتعاقبة عن تطبيقه سابقاً، وأوله البدء بالإصلاحات الحقيقية على كل المستويات، سواء أكان ذلك بإقرار التشكيلات القضائية، أم المباشرة في إصلاح قطاع الكهرباء. والبدء مثلاً بتنفيذ القوانين غير المنفذة من العام 2002 في قطاعات الكهرباء والاتصالات والطيران المدني.

وكذلك تأكيد اعتماد الكفاءة والجدارة والشفافية والتنافسية في التعيينات، بما يعني الالتزام بإيلاء المسؤوليات في إدارات الدولة ومؤسساتها لأكْفائها.

المؤسف أن ما كان مطلوباً من إصلاحات منذ خمسة عشر عاماً لم يُنفَّذ في حينها وحالت دونه معوقات كثيرة من قِبل معظم القوى السياسية، وما زال غير منفَّذ، ولا يبدو حتى الآن أن هناك نية

للتنفيذ. الطريق الواجب سلوكه، عنوانه واضح، وهو إجراء الإصلاحات الحقيقية والجدية، في كل المجالات.

من المؤسف أيضاً استمرار تمنُّع فخامة رئيس الجمهورية ورفضه توقيع مرسوم التشكيلات القضائية بعد طول انتظار ومعاناة مع وزيرة العدل، وموقفه هذا يشكل رسالة سلبية لكل الاتجاهات المحلية والعربية والدولية والتي من شأنها ضرب صدقية الحكومة.

ذلك للأسف يؤدي إلى إضعاف لبنان وإلى تردي أوضاعه على مختلف المستويات، ولا ينعكس إيجاباً على المفاوضات التي يجريها لبنان حالياً مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية الأخرى.

المسألة باختصار لم تعد تتحمل مزيداً من التلكُّؤ والاستعصاء؛ فإما أن تبادر الحكومة والعهد إلى سلوك طريق الإصلاح الحقيقي والشجاع وإلا فإن هذا الانهيار في الثقة سوف يتردى وتتردى معه الأحوال المعيشية والأمنية في لبنان.

كيف ترى محاولات قضم صلاحيات رئيس الحكومة في عهد حسان دياب، هل يتحمل تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري مسؤولية ممارسات “العهد” والوزير باسيل في ضرب اتفاق الطائف؟ وما الدور المنوط بنادي رؤساء الحكومات للحفاظ على الاتفاق والدستور وحماية لبنان؟

المسألة ليست مسألة قضم صلاحيات؛ بل هي في الأساس تكمن في أهمية ومحورية العودة إلى احترام الدستور، وتحديداً المبدأ الذي ينص عليه الدستور بشأن أن النظام اللبناني يقوم على أساس الفصل بين السلطات وعلى توازنها وتعاونها.

الاستمرار في خرق هذه المعادلة يعمّق الهوة ويزيد من حدة هذه المشكلات بين تلك السلطات من جهة وكذلك بينها وبين اللبنانيين أنفسهم.

إن أخطر ما يمكن أن يتعرض له أي بلد أو أي شعب، هو تكراره للتجارب الفاشلة أو تنكُّره للتسويات والاتفاقات وضربه للمواثيق والقوانين، وهنا أعني ما يتعلق بصلاحيات فخامة رئيس الجمهورية وصلاحيات مجلس الوزراء.

إن هذه الصلاحيات منصوص عليها في الدستور اللبناني وهي كانت حصيلة ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر الطائف الذي أنهى الحرب بين اللبنانيين وأخرج لبنان من المحنة الداخلية.

والمطلوب الآن العودة إلى الالتزام بتطبيق الدستور وعدم تجاوزه أو حرفه أو تعطيله، لأنه عندما يتم احترام الدستور والالتزام بتطبيقه فإن ذلك سوف يسهم بالحد من تفاقم المشكلات.

نحن كإطار سياسي يضم رؤساء الحكومة السابقين، فإننا نرى أهمية العودة إلى احترام الدستور وأهمية السهر على حسن تطبيقه وحمايته من التجاوزات، والتي نعتقدها من صلب مهامنا السياسية في هذه المرحلة.

ما هي الانعكاسات المحتملة لقانون قيصر على لبنان؟ وهل من الممكن أن تمارس حكومة دياب غطاء لتجاوزات حزب الله التي قد تساهم في زيادة الضغط الدولي على البلاد؟

قانون قيصر قانون أمريكي وليس قانوناً دولياً. هذا القانون أقرّه الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكي، وهو فعلياً يؤدي إلى فرض عقوبات على سوريا وعلى كل من يتعاون مع النظام السوري.

هذا القانون ليس ملزماً من الناحية القانونية، لأنه ليس قانوناً دولياً يتوجب على جميع دول العالم الالتزام به.

ومن ثم، فإن الدول التي تنظر في أمر الالتزام أو عدم الالتزام بهذا القانون، فإن ذلك يكون استناداً إلى تقييمها لمصالحها. ومن ثم، فإن على كل بلد أن يقيس مقدار التأثر به وحاجته إلى الالتزام به ومخاطر عدم القيام بذلك.

لا شك في أن لبنان كبلد عربي وبسبب وجوده جغرافياً كجار صديق لسوريا وهناك كثير من المصالح والعلاقات المباشرة بين لبنان وسوريا، فإن الالتزام أو عدم الالتزام بهذا القانون الأمريكي له انعكاساته وتداعياته الكبيرة على لبنان.

علينا أن ندرك أن مسألة قانون قيصر مسألة خارجة عن إرادة الدولة اللبنانية، وهو يستهدف النظام السوري ومن يتعامل معه. ومن ثم فإنه وباعتقادي، ينبغي للحكومة اللبنانية أن تتبصر كثيراً في كيفية الإبحار في هذه المياه المليئة بالألغام.

ومن ثم فإن على الحكومة اللبنانية أن تعتمد ما ينبغي أن تقوم به؛ من أجل حماية اللبنانيين وحماية مصالح لبنان وحتى لا يتأثر لبنان سلباً بذلك.

أنا أنصح الحكومة بحماية لبنان من تطبيقات قانون قيصر، يعني بعدم الاستمرار في الإنكار والتعامي عن الحقائق، بل ببذل جهود وطنية كبيرة للتوصل الى قناعات وتوافقات بين جميع الأطراف الوطنية للتعامل مع هذا الواقع الصعب؛ حتى لا ينعكس ذلك سلباً على لبنان.

وباختصار، أرى وجوب أن تبادر الحكومة اللبنانية إلى دراسة الأمر بعناية، والعمل على إجراء الاتصالات بالجهات المعنية في الولايات المتحدة؛ للنظر في إمكانية حصول لبنان على استثناءات محددة تكون في مصلحة لبنان واللبنانيين فيما يخصّ العلاقة مع سوريا.

على اللبنانيين جميعاً أن يدركوا أن التكاتف الوطني والواقعية السياسية هما الكفيلان بمواجهة تداعيات قانون قيصر وإلا فستكون النتائج على لبنان صعبة ومعقدة ومكلفة.

س:

كيف ترى التحولات الجارية في المنطقة “ليبياـــ سورياـــ اليمن”؟ وهل الصراعات الناشبة بين الأطراف تساعد إيران في تمددها على حساب الدول العربية؟

ما من شك في أنَّ فشل حركات الربيع العربي التي اندلعت في مطلع هذا العقد وبأكثر من بلد عربي، مضافاً إليه الفشل في ملفات سابقة على اندلاع الربيع العربي في كثير من المسائل المتعلقة بتعزيز التضامن والتعاون العربي، لا بل أكثر من ذلك بسبب استمرار الخلافات العربية، وهو بمجموعه ما يُضعف الموقف العربي ويسمح بالتمادي الإسرائيلي في ضم الضفة الغربية والسير بتطبيق صفقة القرن، وهو المشروع الخطير الذي أسهمت به السياسات الأمريكية المدمرة في هذا الخصوص.

كذلك فإن الخلافات العربية هي التي أصبحت تشجع دول الجوار الاقليمي ومنها إيران، على التمدد إلى قلب النظام العربي وتحديداً إلى عدد من البلدان العربية. ومن ذلك ما تقوم به إيران في العراق وسوريا وليبيا. وإن هذه الخلافات العربية هي أيضاً التي تسمح لتركيا بالتمدد والتدخل في سوريا والعراق وفي ليبيا مؤخراً.

على العرب أن يثبتوا لشعوبهم أن عليهم أن يستنهضوا قدراتهم ويَدَعوا جانباً خلافاتهم الصغيرة التي تمنعهم من إدراك المخاطر الكبرى التي أصبحت تحيط بهم من كل جانب، نتيجة استمرار التدخلات في شؤونهم الداخلية من قِبل القوى الدولية والإقليمية.

على الدول العربية، لا سيما المملكة العربية السعودية ومصر، أن تجهد في التعاون معاً لمنع التمدد الإيراني وغير الإيراني في دول المنطقة، لا سيما أن إيران في هذا المجال تستغل التراجع العربي والضعف العربي لكي تحاول التمدد وتحقيق طموحها بالسيطرة والتحكم والتخريب والاستتباع.

أنا أعتقد أنه بإمكان العرب منع إيران وغيرها، ليس بالشعارات؛ بل بالأفعال والجهود المشتركة الجدية.

عربي بوست