//Put this in the section
وسام سعادة - القدس العربي

بلاد «الفريش موني» و«اللولار البرزخي» و«الرّخص الغلائيّ» – وسام سعادة – القدس العربي

أثار تصريح متلفز للنائب ميشال الضاهر اعتبر فيه أن «لبنان بلد رخيص» عاصفة من الإستياء، في ظلّ ما يقاسيه البلد من انهيار متفاقم لسعر صرف عملته الوطنية في السوق السوداء المتعاظمة، بشكل خسرت فيه الليرة من حيث قيمتها التبادلية أمام الدولار ثمانين في المئة من قيمتها «الرسمية»، ما استتبع موجات متلاحقة من ارتفاع سعر المواد الغذائية والسلع الإستهلاكية.

والحال أنّ في قولة «لبنان بلد رخيص» مدخل ممتاز لتلمّس مفارقات الانهيار المالي اللبناني المتنامي. سارع النائب لإيضاح مراده بأنّه لبث الحماسة في المغتربين والسياح «لإدخال الدولار المفقود أصلاً». وهذا يثير «تفصيلاً تقنياً» قبل أي شيء: فهذا السائح المتخيل لن يكون بمستطاعه الإستفادة من «جنة الرخص» هذه، إذا أتاها حاملاً «الكريديت كارت»، لأن التسعير عندها سيحصل على السعر الرسمي للدولار، الذي لم يتزحزح، وبالتالي ستكون الأسعار عندها أغلى من أي نقطة أخرى على الكرة الأرضية.




كي يستفيد هذا السائح المتخيل من الرخص اللبناني، الذي هو من أعراض الانهيار، ثم يأتي بالدولارات، لمداواة الانهيار، عليه أن يصطحب معه الدولارات هذه عدّاً ونقداً، محمّلة في حقيبة، ويبيعهم في السوق السوداء، وبعدها يمكنه بالفعل أن يشعر بأنّ البلد بات ينعم بالرخص النوعي على الصعيد التجاري ـ السياحي، علماً أنّ جزءاً من هذا «الرخص» هو نتيجة لتسارع انهيار العملة الوطنية أسبوعاً إثر أسبوع، بشكل لم يعد بإمكان رفع أسعار السلع أن يستلحقه مباشرة… لكن هذه أسعار السلع ترتفع تباعاً، بموجب حركة دوران الكلفة من ناحية، وتأثراً بحركة العرض والطلب من ناحية ثانية.

يستفيد هذا العرض والطلب من يقين الناس بأنّ ما في حوذتهم من عملة محلية لا ينبغي أن يبيت لليوم التالي. فما يمكنهم إدخاره يحصل فقط إذا اشتروا به دولارات في السوق السوداء. وما لا مجال لإدخاره من الليرة ينبغي صرفه والابتياع به في أسرع وقت، قبل أن يهبط سعر الليرة بعدُ أكثر.

جوفاء ومستهلكة في ظرف كهذا الدعوات بأن تتعامل الناس أكثر بالليرة اللبنانية، وبأن تخفف الطلب على الدولار. لئن كان التعامل بالعملة الصعبة في سوق داخلية لبلد غير صناعي هو بحد ذاته نكبة، فإن حث الناس للإستغناء عنها واستبدالها بالليرة الآن، وفي وقت تنهار فيه هذه الليرة، ليس سوى إسهام إضافي في الإنهيار: اقتصاد يزداد تدولراً كلما شح فيه الدولار أكثر. وحده الأبله من من يرى في هذا الإنهيار تحرّراً من ربقة الدولار.

كذلك الضغط على المصرف المركزي لضخّ الدولار إلى سوق الصرف: نتجت عنه انتفاخة سوق سوداء ضربت للدولار سعراً أعلى من سعر الصرافين الذي حاول المصرف المركزي ضبطه بالتسييل اليومي لبعض الإحتياطي، ولم يسهم التدبير الرسمي بتحديد كمية الدولارات التي يمكن للمواطن شراؤها رسمياً من عند الصراف سوى بازدياد الأمور سوءاً، لأن الحاجة إلى شراء أو بيع الدولار بسعر أعلى من هذا، عند الصراف نفسه، أدّت لأن تكون لهذا الصراف شخصيتان: واحدة تتعامل بالسعر المحدّد لها، بالإتفاق مع المصرف المركزي، والذي هو ضعفا ونصف السعر الرسمي للدولار أساساً، وثانية تتجاوز هذا السعر «غير الرسمي انما المتفق رسمياً عليه»، إلى السعر الذي تفرزه السوق السوداء! فالسوق السوداء شخصية أخرى لهذا الصراف، مثلما أن الصراف شخصية أخرى للمصرف.

يعطي كل هذا الوضع مقداراً من الصحة لما قاله الضاهر. الأسعار لمن يملك الدولار باتت فعلاً متهاودة في لبنان اليوم. أرخص بشكل نوعيّ مما كانت عليه الأمور في هذا الوقت من العام الماضي مثلاً. بمعيار الدولار كان لبنان واحداً من أغلى دول العالم، ولم يعد الوضع كذلك اليوم، في عزّ الإفقار الشامل الذي يشهده شعبه. الضاهر، «رائد الأعمال» كما تصفه نبذة ويكيبيديا التقريظية له، والتي يبدو أنه أوعز بها، يكثف لوحده هشاشة شعار «نقل لبنان من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج». هكذا شعار، سيجعله في صفوف بناة «الاقتصاد المنتج»، بما أنه يملك مصانع مواد غذائية، وفي نفس الوقت «أكبر شركات توزيع السلع الإستهلاكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» على ما تعرّفه نبذة ويكبيديا «السيرة ذاتية» إياها. لربما كان عليه أن يضيف أنّ كلفة اليد العاملة اللبنانية هي أيضاً ستكون «أرخص» في الفترة المقبلة، وهذا بيت آخر للقصيد.

بلدان عديدة تجتاز موجة غلاء جنوني للأسعار، وبلدان عديدة تصبح فيها المحنة المحلية مدخلاً لاجتذاب سياح قادمين بالعملة الصعبة. الفارق أنّ علاقة لبنان مع الدولار الأمريكي مختلفة.

هذا بلد رست فيه الأمور منذ نهاية الحرب، وبشكل متجذر بعدها، على اقتصاد مدولر حتى النخاع، تبيع فيه الناس وتشتري، سواء بالليرة أو بالدولار، في المتجر أو في المطعم أو محطة الوقود، وتفتح فيه حسابات مصرفية بالعملتين الوطنية المدولرة والدولار الموطن، وتستدين الدولة بالعملتين معاً. إلى أن أخذ الدولار يشح أكثر فأكثر تدفقه، وكلما كان يشح دخوله يزداد خروجه، وصولاً إلى معادلة اقتصاد مدولر بلا دولار متوفر، ما أدى إلى إمساك المصارف ودائع الناس عن أصحابها، و«انشقاق» الدولار نفسه على الأرض اللبنانية:

ثمة من جهة، «دولار ميت» أو «دولار برزخي»، ينادى عليه بـ«اللولار» تفكّهاً. هو العالق في المصارف أو المعدوم، حسب زاوية النظر الذي تختارها للأمور.

يقابله من الجهة المضادة، دولار حي. نضر، ممتلىء صحة وعافية. هو ما بات يُعرَف بـ«الفريش موني». بمعيار هذا الدولار «الفريش» يصير البلد «رخيصاً للغاية» من الناحية التجارية – السياحية. بخاصة اذا أضفنا إلى ذلك أن من عناصر هذا الرخص الغلائي، الرخص الاستفزازي في جانب والغلاء الفظيع في جانب، المحافظة على السعر الرسمي لليرة، ولو تجاوزها سعر السوق أضعافاً مضاعفة. فالسعر الرسمي هو الذي يجري على أساسه دعم شراء المحروقات والأدوية والقمح من الإحتياط المتضائل في المصرف المركزي. وهو السعر الذي تدفع على أساسه فاتورة الكهرباء أو الهاتف، وأقساط قسم كبير من القروض.

إلى حد كبير، يمكن أن تفرز الناس في لبنان اليوم بين طائفة «الفريش موني» وبين طائفة «اللولار» (الدولار اللبناني، الدولار سابقا إذا شئت)، وبين غالبية من الموظفين والعاملين بالأجر ليس لهم غير الليرة عزاء… ونكبة.

لو حصل لشخص وأخرج «قبل الأزمة» وديعته إلى حساب آخر في الخارج، أو إلى تحت الأريكة في المنزل، صارت هذه تحتسب «دولارات حيّة»، «فريش موني». إذا كانت دولاراته في الخارج الآن يمكنه أن يستدعي قسماً منها كدولارات «فريش موني»، ويتنعّم بـ«الرخص» الإستهلاكي. ولو حصل أنه تأخر عن انقاذ وديعته، وقع في ورطة «الدولار البرزخي» المتعدّدة الأوجه والمتحوّلة.

في البدء كان لا يزال بإمكانه أن يقفل حسابه وينال شيكاً مصرفياً يجد منفذاً موارباً لتحصيله نقداً، منقّصاً ربع أو ثلث قيمته. وكان لا يزال بالإمكان في الأشهر الأولى الاصطفاف في الطابور لتحصيل نتف من وديعتك «الدولارية المبرزخة» بالأوراق النقدية، قبل أن تسدل الستارة عن هذه المساحة الضئيلة، ويصار من بعدها إلى إقامة «مرتبة شرفية» لهذا «الدولار اللبناني»: صرف كمية محدودة منه بالليرة، لا تحتسب لا بالسعر الرسمي الذي هو خمس السعر في السوق السوداء، ولا بسعر السوق السوداء، وتحاول جاهدة أن تقيم في نصف المسافة بين السعرين… لكن عبثاً.
المنكوبون أكثر هم من يتقاضون الأجر أو الراتب بالليرة، وهؤلاء يخسر قسم متزايد منهم مصدر عيشه كل يوم.

وهذا يوجد سمة طبقية للقسمة بين «أهل الدولار الفريش» وبين «أهل الدولار المسجّى» وبين «أهل الليرة المنكوبة». لكن القسمة ليست طبقية تماماً. بل لها وجه أساسي يخترق الطبقات: هناك برجوازي بدولار، وبرجوازي بـ«لولار». لكن هناك فئات محدودة الدخل يمكن أن ينعشها القليل من «الفريش ماني» المحوّل إليها من الخارج، نتيجة عمل نفر من العائلة في الخارج. هذا بشرط أن يكون التحويل مصرفياً، طالما أن المصرف المركزي وضع يده على التحويلات الخارجية غير المصرفية.

«الرخص الغلائي» يقوّض في الواقع آخر معالم التماسك الاجتماعي، أو ما يقوم مقامها، في هذا البلد. يضفي على المشهد العام مسّا من الجنون: «مستعمرة دولارية» تحارب الإمبريالية، فينشق فيها الدولار دولارين، واحد «لولار» برزخي، والآخر «فريش موني». هل هناك وصفة أخرى للجنون في الأرض؟