//Put this in the section

قراءة اقتصادية- اجتماعية… فقيرةٌ كلُّ عائلة مدخولها أقلّ من ٢٫٢ مليوني ليرة شهرياً!

روزيت فاضل – النهار

يعيش المواطن اللبناني حالاً من الفصام الحقيقي بين واقعه المتدهور اقتصادياً، مالياً واجتماعياً، والذي تقابله حال من نكران هذه الحقيقة لدى شريحة لا بأس بها من الطبقة الحاكمة اليوم، أو حتى لغالبية من توالوا على إدارة شؤون البلد منذ زمن.




الواقع المعيشي والاقتصادي لربّ الأسرة، أو لكل مواطن، في القراءة الاقتصادية الآتية للخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة.

60% فقراء

بدايةً، شدّد البروفسور عجاقة على أهمية ما ذكره المدير الإقليمي للبنك الدولي للشرق الأوسط ساروج كومارجا، الذي عبّر عن تخوفه “من ارتفاع نسبة الفقر في لبنان إلى 60% من السكان مع أكثر من 22% منهم تحت خطّ الفقر المُدقع، أي الذين لا يستطيعون تأمين السعرات الحرارية اللازمة لهم”.

ورأى أن “هذه المخاوف تأتي في ظل تقاطع أزمات عدة في لبنان، بدءًا من الأزمة السياسية مع ثورة 17 تشرين الأول 2019، وصولًا إلى أزمة كورونا، مرورًا بالأزمة المالية والنقدية الحادّة، والتي خفّضت من قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي إلى 80% خلال ثمانية أشهر، بحسب ما أفادت وكالة رويترز، وفي ظل تصريح خطير من قبل رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، قالت فيه: “لا يوجد سبب بعد لتوقّع حدوث انفراج ‏في الأزمة الاقتصادية في لبنان”.

وتوقف البروفسور عجاقة عند “الانهيار السريع الذي شهده سعر صرف الليرة اللبنانية في السوق السوداء والذي يعكس عمق الأزمة، التي وصفها بعض الخبراء بالأخطر على الصعيد الاجتماعي منذ المجاعة الأولى”، مشيراً إلى أن الليرة “خسرت 30% من قيمتها في الأسبوع الأخير في ظل عجز حكومي واضح عن معالجة الأزمة”.

 

الانهيار ووزير الاقتصاد

برأيه، “هذا الانهيار رفع بشكل شبه تلقائي أسعار السلع والمواد الغذائية مع اعتماد التجار مبدأ الـ “Replacement Cost”، الذي يمنعه المرسوم الاشتراعي 73/83، من دون أن يكون هناك أي قمع من قبل وزارة الاقتصاد لهذه الممارسة، لا بل على العكس، اعتبر وزير الاقتصاد راوول نعمة أن عدم قيام التجار بهذا الأمر يقضي على رأسمالهم”.

ماذا عن أحوال اللبنانيين؟ رأى عجاقة أن “المواطن اللبناني يرزح تحت عبء هذه الأزمة، إذ تخلّى بشكل شبه كلّي عن استهلاك الكماليات لصالح الأساسيات مع وصول الأسعار إلى مستويات لا يُمكن له تحمّلها، وبالتالي كان لا بدّ من التركيز على المواد الأساسية”.

وتوقف عند دراسة الدولية للمعلومات، التي أشارت إلى ارتفاع “أسعار مُعظم السلع الغذائية والاستهلاكية بنسب يصل بعضها إلى 100%”، مشيراً إلى أن “هذا الأمر يضع المواطن أمام أزمة حقيقة من ناحية قدرته على تأمين الغذاء لعائلته”.

 

غلاء السلّة الغذائية

وتوقف عجاقة عند مصروف عائلة مؤلّفة من أب وأمّ وولدين،” مشيراً إلى أننا “نرى أن كلفة السلّة الغذائية والاستهلاكية الأساسية أصبحت تُقارب المليون وخمسمائة ألف ليرة في الشهر بعد أن كانت لا تزيد على 400 ألف ليرة في بداية الأزمة”.

بالنسبة إليه، “هذه الكلفة لا تتضمّن المصاريف الأخرى للأسرة من بنزين وتلفون وكهرباء وموّلد خاص وأقساط مدرسية وغيرها من المصاريف الأساسية للأسرة، والتي إذا ما تمّ احتسابها تجعل من كلّ أسرة مؤلّفة من أربعة أشخاص ذات مدّخول أقلّ من 2.2 مليوني ليرة لبنان شهريًا أسرة فقيرة بكّل ما للكلمة من معنى”. قال: “إن كل أسرة مؤلّفة من أربعة أشخاص ذات مدّخول أقلّ من 1.3 مليون ليرة شهريًّا أصبحت أسرة تعيش تحت خطّ الفقر المُدقع”.

 

80 % بطالة

ماذا عن البطالة؟ ذكر البروفسور عجاقة أن “مصرف لبنان ما زال يؤمّن الدولار على سعر الـ 1515 للمواد الأوّلية الأساسية أي المحروقات، القمح والدواء، بالإضافة إلى فاتورة التلفون الخليوي والقروض المقوّمة بالدولار الأميركي”، موضحاً أنه “وعلى طلب الحكومة يقوم مصرف لبنان بدعم سلّة غذائية على سعر يراوح بين 3200 و3800 ليرة للدولار الواحد”.

برأيه، “هذا الأمر وإن كان يلعب دورًا أساسيًا في تثبيت كلفة السلّة الغذائية، إلا أنه لا يحلّ مُشكلة الفقر بحكم أن البطالة ارتفعت بنسبة تفوق الـ 60%، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار البطالة التقنية، أي الموقوفون عن العمل قصرًا بسبب الأوضاع، فإنها تتخطّى الـ 80%”.

وتناول “الوضع الاقتصادي والأزمة الحالية التي فرضت وقف العديد من الشركات في القطاع الخاص عن العمل وخصوصًا في قطاع الخدمات، حيث وصلت نسبة هذه الشركات في بعض القطاعات (المطاعم مثلًا) إلى أكثر من 70%”، مشيراً إلى أن “هذا الواقع يجعل العاملين في القطاع الخاص من دون مدخول فعلي حيث يُمكن تقسميهم إلى أربعة فئات: الفئة الأولى هي الفئة التي فقدت عملها وهي تعتمد حتى الساعة على المُدّخرات التي تمتلكها؛ الفئة الثانية هي الفئة التي انخفض أجرها إلى النصف (بالليرة اللبنانية)، ما يجعلها تخسر أكثر 80% من قدرتها الشرائية؛ الفئة الثالثة هي الفئة التي لم يتمّ المسّ براتبها، إلا أنها خسرت كل التقديمات الإضافية (حال موظّفي المصارف)؛ الفئة الرابعة وعددها قليل وتشمل الموظّفين العاملين لدى شركات أجنبية وما زالوا يقبضون أجورهم بالدولار الأميركي من خلال تحاويل خارجية إلى حسابات خاصة في المصارف”.

واقع القطاع العام

وأكد أيضاً أنه “إضافة إلى العاملين في القطاع الخاص، هناك العاملون في القطاع العام الذين ما زالوا يقبضون رواتبهم كاملة، إلا أن قدرتهم الشرائية أصبحت مُتدنّية جدًا اختفت معها سلسلة الرتب والرواتب وتراجعت إلى مستويات كبيرة، أيضًا هناك المواطنون الذين كانوا يعيشون من مداخيل ريعية مثل الفوائد من حساباتهم المصرفية، وهذه الفئة تضرّرت مع خفض مؤشر بيروت للفوائد (BBR)، وبالتالي أصبحوا يعيشون من رأسمالهم الموجود في حساباتهم المصرفية”، مشيراً إلى أن “التشنّج السياسي وعجز الحكومة عن معالجة الوضع يجعل الوضع العام مُرشّحاً للتدهور أكثر ويُنذر بكارثة اجتماعية حقيقية، إذا لم يتمّ تدارك الوضع من خلال سلسلة من الإجراءات الأساسية وعلى رأسها البحث عن مصادر لتأمين حاجة المواطنين من المواد الغذائية، مثلًا إعطاء أراضٍ للمواطنين لزراعتها، لأن التشدّد الأميركي في تطبيق قانون قيصر والعقوبات المفروضة على قسم من الشعب اللبناني، يجعلان من قدوم الدولار إلى لبنان مسألة مُعقّدة لن تُحلّ في الوقت القريب”.