//Put this in the section

طارق المجذوب خبير المياه اللبناني الذي جفف أنهار التربية والتعليم

صلاح تقي الدين – العرب

خلال الدقائق الأولى من عملية التسلم والتسليم بين وزير التربية والتعليم العالي السابق أكرم شهيب والوزير الجديد طارق المجذوب، ارتكب هذا الأخير ما سمّيت بـ“زلة لسان” عندما قال إنه يأتي إلى حكومة ستطلق مبدأ الأقوال لا الأفعال في عملها، قبل أن يستدرك الأمر ويصحح المقولة. لكن الواقع الذي تبيّن بعد مرور ما يقارب الخمسة أشهر على توليه المسؤولية التربوية في لبنان، يشي بأن ما ارتكبه المجذوب من خطأ “غير مقصود” هو حقيقة مرّة وقع فيها ولا يزال.




لم يحالف المجذوب الحظ في توليه الوزارة، وهو الذي جاء من عالم “التكنوقراط”، فلم يساعده واقع تفشي جائحة كورونا في معالجة الأزمات التربوية المتراكمة من المدارس الرسمية إلى الخاصة وإلى الجامعات والمعاهد الفنية، فقد اضطر لبنان إلى إعلان حالة التعبئة العامة لمواجهة هذه الجائحة، وكان وقعها كالصاعقة على المدارس والطلاب الذين اضطروا إلى التزام بيوتهم تطبيقاً لمبدأ عدم المخالطة الاجتماعية لتجنب فايروس يسميه الوزير “قاتلاً”.

لكن عوض مواجهة هذا الواقع المرّ بالتخطيط والمعالجة بما يتيسّر من إمكانيات، راح الوزير المجذوب يتخبّط في قراراته التي بدأها مع قرار تبيّن أنه كان الأصعب تطبيقاً والحلم الأبعد عن الواقع اللبناني وهو التعليم عن بعد، وإذا كان هذا القرار يحلّ مشكلة بعض المدارس الخاصة لمستوى أساتذتها وطلابها، فإنه لا يلائم الواقع التعليمي الرسمي بالتأكيد والوزير أدرى بذلك لأن أهل مكة أدرى بشعابها.

وعود وتمنيات

ربما فات معالي الوزير أن من يتولى السلطة لا يحق له المضي في إعطاء الوعود والتمنيات بل عليه أن يحقق أهدافاً مرسومة مسبقاً لكي يضطلع بمسألة تطوير النظام التربوي وتحسينه، ومن هنا يطرح السؤال الأهم هو لماذا أقدم منير أبوعسلي الخبير التربوي المشهود له أولاً بنظافة الكف وثانياً بالخبرة التربوية المديدة، على تقديم استقالته من مهمة مساعدة المركز التربوي للبحوث والإنماء الذي سبق له أن تولى رئاسته، على تطوير المناهج التربوية، والكلام يقال عن “سوء تفاهم” مع الوزير الجديد الذي ألمح بنفسه إلى “ضخامة” التعويضات التي يحصل عليها أبوعسلي علماً أنها من حساب الدول المانحة ولا تكلف الخزينة اللبنانية قرشاً واحداً.

حسابه على موقع تويتر يلجأ إليه الوزير المجذوب لتبرير اقتراحاته الصادمة، فيكتب مغردا “صحتكم أولوية، شعار رفعناه منذ بداية جائحة كورونا. وكان هذا الشعار رفيقنا في كل قرار تربوي، وما بدلنا تبديلا. إن الشهادات الرسمية ليست هي النهاية”

الوزير المجذوب من مواليد صيدا. أنهى دراسته الثانويّة في بيروت، وحصَل على الإجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانيّة، والبكالوريوس في الهندسة من الجامعة الأميركيّة في بيروت أيضاً، ثمّ الدكتوراه في القانون العام من جامعة رين في فرنسا. وكان موضوع رسالة الدكتوراه ”قضيّة المياه في الشّرق الأوسط – الأبعاد القانونيّة لاستخدام مجاري المياه لأغراض غير المِلاحَة“. وقد منَحته اللّجنة الفاحصة، إثر مُناقشة طويلة حامِيَة، لَقَب دكتور في القانون العام بدرجة امتياز مع تهنئتها، وسَمحت بطبع الرسالة وبيعها في أسواق العالم.

ويُمارِس الوزير المجذوب التعليم الجامعي في لبنان وعددٍ من الدول الغربيّة منذ تخرُّجه. وكان مُستشاراً لبعض المؤسّسات والإدارات والوزارات في لبنان، ولعدد من المنظّمات الدوليّة والإقليميّة كجامعة الدول العربيّة، والإسكوا وبرنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، ومنظّمة العمل الدوليّة ومنظّمة الأغذية والزراعة، ومنظّمة التربية والثقافة والعلوم ”اليونيسكو“، والبنك الدولي، والأمم المتّحدة، وهو قاضٍ ”مُستشار“ لدى مجلس شورى الدولة، وعضو في “نادي قضاة لبنان“. ونُشِرت له العديد من المؤلَّفات في فرنسا ولبنان والمملكة العربيّة السّعوديّة، وأبحاث علميّة وقانونيّة بالإسبانيّة والإنجليزيّة والتركيّة والعربيّة والفرنسيّة والكاتالونيّة.

المستقبل التربوي

الوزير المجذوب يعتبر طاقة علمية وأكاديمية كبيرة، لكن ذلك لا يكفي للنجاح في مهمة صعبة تتطلب منه على الأقل تشكيل فريق عمل متخصص يساعده على قراءة “المستقبل التربوي” ووضع الخطط لتطويره والبدء بتنفيذها
الوزير المجذوب يعتبر طاقة علمية وأكاديمية كبيرة، لكن ذلك لا يكفي للنجاح في مهمة صعبة تتطلب منه على الأقل تشكيل فريق عمل متخصص يساعده على قراءة “المستقبل التربوي” ووضع الخطط لتطويره والبدء بتنفيذها

لا شك أن الوزير المجذوب يعتبر طاقة علمية وأكاديمية كبيرة، لكن ذلك لا يكفي للنجاح في مهمة صعبة تتطلب منه على الأقل تشكيل فريق عمل متخصص يساعده على قراءة “المستقبل التربوي” ووضع الخطط لتطويره والبدء بتنفيذها، إذ في أرشيف الوزارة من الدراسات والبرامج ما يكفي للانطلاق منها، لكن معاليه اعتبر أن تولي الوزارة والقرارات التي يتخذها بمثابة الأحكام التي يصدرها في مجلس شورى الدولة مستنداً إلى قناعته الذاتية وإلى المستندات التي بين يديه.

غير أن ما ميّزه خلال تعاطيه مع جائحة كورونا هو “التخبّط” و”التردّد” في اتخاذ القرارات المناسبة لمواجهتها “تربوياً”، فراح يسأل عن كيفية تعاطي الدول الأوروبية وخاصة فرنسا التي عاش فيها ردحاً من الزمن، فاستنسخ هذا التعاطي وحاول تطبيقه على الطلاب والمدارس في لبنان.

فمن تغريدة أولى فيها الاهتمام الأول لصحة الطلاب، قرّر وقف ارتياد الطلاب للمدارس والجامعات والمعاهد تماشياً مع قرار التعبئة العامة الذي أصدرته الحكومة المشارك فيها، ثم وفي مرحلة لاحقة، وعن سابق تصوّر وتصميم، قرّر اعتماد نظام التعليم عن بعد، أي أن يقوم الأساتذة بتلقين الطلاب دروسهم عبر تطبيقات تعتمد على الإنترنت.

تخبطه في شؤون إدارة وزارة التربية يدفع المجذوب إلى الحديث في السياسة، لذلك بدت إطلالاته الإعلامية الأخيرة سياسية بحتة، وقد يكون ذلك جزءا من عمل الوزير، لولا أنه يطلق على نفسه لقب “وزير الذين لا صوت لهم”

وقد يكون فاته أن خدمة الاتصالات في لبنان هي الأكثر كلفة في المنطقة وربما في العالم، ثانياً أنها من الرداءة بمكان لا تستطيع أن تضمن تقديم درس لمدة 40 دقيقة متواصلة دون انقطاع، ما دفع الطلاب أولاً إلى الاعتراض على هذا النظام، ثم الأساتذة في المدارس الرسمية الذين تنقصهم الخبرة الضرورية لاعتماد هذا النظام. ومع ذلك، اضطر الفريق التقني في وزارة التربية إلى وصل النهارات بالليالي لتدريب مدراء المدارس والأساتذة على كيفية استخدام الأنظمة التقنية لتطبيق التعليم عن بعد، وهو، باعتراف من المسؤولين في وزارة التربية أنفسهم، أثبت فشلاً ذريعاً، فكان أن قرر معالي الوزير بعدها، بحجة استمرار التعبئة العامة، “إنجاح” جميع الطلاب في لبنان بموجب إفادات صادرة عن وزارة معاليه.

وقبلاً كان وزير التربية قد أعلن في مؤتمر صحافي عن خطة لاستئناف العام الدراسي وعودة الطلاب إلى المدارس، غير أنه وبمواجهة الضغوط الهائلة من الأهالي والمعلمين على السواء، قال في حديث صحافي “عندما أعلنّا تفاصيل خطة العودة إلى المدارس والمعاهد والجامعات، ارتكزنا على معطيات علمية وصحية. وفي هذه الظروف الاستثنائية، علينا أن نقارب الأمور بمسؤولية وتعقّل. المزايدات الآن والشائعات ليست في مكانها. وطبعا، إذا ساءت الأوضاع الصحية لا سمح الله، سنعدّل تفاصيل القرار“. ونفى المجذوب وجود قرار راهن لإلغاء الخطة، مشيراً إلى أن “وزارة التربية بصدد تحضير كل إجراءات العودة الآمنة إلى المؤسسات التعليمية وسنوّزع بروتوكولاً تربوياً صحياً نفسياً اجتماعياً لمواكبة العودة بالتعاون مع المراجع الصحية والتربوية”.

وشدّد المجذوب، في حديث إلى “تلفزيون لبنان على أن “العام الدراسي سيستكمل وفق قرار مجلس الوزراء، والتلاميذ سيأخذون العطلة الصيفية. وإذا استمر الوضع الصحي على ما هو عليه، فهناك خطة تربوية جاهزة للفترة المقبلة”، مؤكدا أن “الأوضاع الصحية الحالية لا تستدعي إلغاء الامتحانات الرسمية“. وأشار الى إمكانية الاستفادة من قاعات الجامعة اللبنانية كي نخوض الامتحانات الرسمية، مؤكداً أن “المناهج الدراسية ستخفف لتلامذة كل الصفوف، وسيتغير نمط طرح الأسئلة، ولن يمتحن التلميذ في كل المواد”.

إلغاء العام الدراسي

المجذوب يفوته أن خدمة الاتصالات في لبنان هي الأكثر كلفة في المنطقة وربما في العالم، وهي من الرداءة بمكان لا تستطيع أن تضمن تقديم درس لمدة 40 دقيقة متواصلة دون انقطاع
المجذوب يفوته أن خدمة الاتصالات في لبنان هي الأكثر كلفة في المنطقة وربما في العالم، وهي من الرداءة بمكان لا تستطيع أن تضمن تقديم درس لمدة 40 دقيقة متواصلة دون انقطاع

فاجأ المجذوب اللبنانيين بتصريح من السراي الحكومي عقب جلسة لمجلس الوزراء قال فيه “اقترحت على مجلس الوزراء إلغاء دورة عام 2020 لامتحانات الثانوية العامة بكل فروعها وفق ضوابط محددة واستكمال العام الدراسي“.

وأعلن “إكمال العام الدراسي عن بعد في كل الصفوف المهني والجامعي وكل كلية تعلن موعد التوقف عن التدريس”، مشيرًا إلى أنه “سيتم ترفيع التلامذة إلى الصفوف العليا بعد انتهاء التعليم عن بعد“. ولفت إلى أننا “سنتقدم بآلية لاستكمال العام الدراسي عن بعد واستثناء المواد التطبيقية، وبالنسبة إلى الشهادات الدراسية إعطاء إفادات للطلاب وفق ضوابط تحددها الوزارة”.

يلجأ معالي الوزير إلى حسابه على موقع تويتر لتبرير اقتراحاته فيكتب مغرّداً “صحتكم أولوية، شعار رفعناه منذ بداية جائحة كورونا. وكان هذا الشعار رفيقنا في كل قرار تربوي، وما بدلنا تبديلا. إن الشهادات الرسمية، ليست هي النهاية بل لعلها البداية لمرحلة جديدة من حياة تلامذتنا الأعزاء، أو هي خطوة على طريق نجاحهم، بإذن الله”.

تعاطيه مع جائحة كورونا يظهر درجة “التخبط” و”التردد” في اتخاذ القرارات المناسبة خصوصا في الشأن التعليمي
تعاطيه مع جائحة كورونا يظهر درجة “التخبط” و”التردد” في اتخاذ القرارات المناسبة خصوصا في الشأن التعليمي

وبعد أن تخبّط في شؤون إدارة وزارة التربية لجأ المجذوب إلى السياسة، فكانت إطلالاته الاعلامية الأخيرة سياسية بحتة، وقد يكون ذلك جزءا من عمل الوزير، لكن أن يطلق معاليه على نفسه لقب “وزير الذين لا صوت لهم” فهذا من عجائب السياسة اللبنانية، وهي من عجائب الدنيا أصلاً.

ومن خلال موقع تويتر، قال المجذوب “لا بد من الارتفاع بالسياسة إلى أعلى درجات الرقي والوطنية الصراح. لا تدعوا أفلاذ أكبادكم يرضخون لمن تعودتم الرضوخ له في رحبات هذه الأرض الطيبة. سياسة المصالح الصغيرة ليست من الغد. قاوموا أنفسكم لتحرير أولادكم”.

إن الانتقادات الكثيرة التي توجه إلى وزير التربية قد تبدو في بعض الأحيان مبالغا فيها وربما تنم عن مخطط مرسوم لتشويه صورة أكاديمي مرموق ومشهود له بنظافة الكف والسمعة الطيبة، لكن تجربة الوزير المجذوب في الشأن العام، أثبتت أنها فاشلة دون أن تنتقص من شخصه الكريم، لأنه ربما اختار توقيتاً غير مناسب إطلاقاً، أو أختير له، للعمل السياسي.