//Put this in the section

مراجعة أمنية لأحداث 6 حزيران: بهاء الحريري أولاً

نقولا ناصيف – الأخبار

ما حدث في 6 حزيران، ثم في الأسبوع التالي 11 منه، في الشارع، خلّف كمّاً كبيراً من الهواجس والقلق لدى الجيش والأسلاك العسكرية والأمنية. أعطى انطباعاً بأنّ البلاد لا تحتاج إلى أكثر من عود كبريت كي تشتعل في أكثر من اتجاه




بسبب الأزمة الاقتصادية والمعيشية المتفلّتة، من دون التذرّع بوجود غير لبناني على الأراضي اللبنانية، كأن فكرة حرب أهلية جاهزة في الأذهان. يكفي أن يعدّد الجيش الوحدات التي دفع بها إلى شوارع متقابلة بين الوسط التجاري والخندق الغميق، وبين الشياح وعين الرمانة، وبين الطريق الجديدة وبربور، وكل منها لا يفصله عن الآخر سوى عشرات الأمتار، للدلالة على أن الحرائق المذهبية والطائفية يمكن أن تندلع في كل وقت. أضحى كل منها موصوفاً بمذهبه: الوسط التجاري والطريق الجديدة سنّيان، كالخندق الغميق وبربور والشياح الشيعية، وعين الرمانة المسيحية.

في المراجعة المتأنّية لما حدث منذ 6 حزيران، واستفحل في 11 منه، وما تلاهما، من غير أن يكونا بعد نهاية المطاف، بضعة معطيات يتحدّث عنها الجيش والأسلاك العسكرية والأمنية:

1- غداة 6 حزيران، طلب المدّعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات في استنابة قضائية الى الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة جلاء هوّية مثيري الشغب في ذلك اليوم، الذين تعرّضوا للقوى الأمنية وخرّبوا في المنشآت والأملاك العامة والخاصة. لم يصر الى توقيف أيّ من الأجهزة الأمنية أيّاً من منفّذي أعمال الشغب والتخريب في 6 حزيران. ثم أتت أحداث 11 حزيران، في حصيلة الاستقصاءات ومعطيات الكاميرات والإفادات، أوقف فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي قبل يومين 11 متورّطاً، ومديرية المخابرات 47 متورّطاً، بينهم فلسطيني وسوريان، جلّهم من طرابلس، أُطلق من هؤلاء بأمر من عويدات 40 بسند إقامة، من جراء تعذّر إحالتهم الى القضاء في الوقت الحاضر، وعدم توافر أماكن للتحقيق معهم. الباقون لا يزالون في عهدة الجهازين الأمنيين بعدما استكملا أمس بالذات لوائح الاستنابة القضائية.

2 ـ لم يكن من الصعب تفسير تنقّل التوتر المذهبي والطائفي، على أنه أقرب ما يكون مدروساً ومعدّاً سلفاً، تحقّق في ساعات قليلة في أكثر من منطقة، في توقيت متزامن. من وسط بيروت الى الشياح ــــ عين الرمانة فإلى الطريق الجديدة ــــ بربور. بدأ بأعمال شغب وتخريب في الوسط التجاري، تطوّر سريعاً الى شتم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله من أشخاص تحققت الأجهزة الأمنية من مجيئهم من طرابلس. قوبل ذلك للفور بشتم للسيدة عائشة. تدريجاً، نحا التسعير المذهبي والطائفي من سنّي ــــ سنّي، الى سنّي ــــ شيعي، الى شيعي ــــ مسيحي. فإذا البلاد على أبواب تكرار ما حدث عام 1975.
في كورنيش المزرعة، الفاصل ما بين الطريق الجديدة وشارع بربور، نشر الجيش قوات من فوجَي التدخل الثالث والرابع بما يوازي أربع سرايا للفصل ما بين الطرفين. في الشارع الفاصل ما بين الشياح وعين الرمانة، دفع الجيش بأربع سرايا من القوة المجوقلة وسريّتين من قوة التدخل، ناهيك بكتائب من اللواء الحادي عشر المنتشر أساساً في المنطقة، وإلحاق عناصر مخابرات جبل لبنان والضاحية الجنوبية بها لضبط الوضع، نظراً الى ما تعنيه في ذاكرة الحرب اللبنانية أول خطوط تماسها التاريخية.

3 ـ في 11 حزيران حدث ما هو مختلف تماماً عن 6 منه. اندلع أولاً بسبب شائعات عن صعود الدولار الأميركي الى سبعة آلاف ليرة، في وقت تحققت فيه الأجهزة الأمنية من أن الدولار وصل فعلاً في شتورة الى 6900 ليرة لدى شراة سوريين، لإدخال العملة الصعبة الى بلادهم. في هذا اليوم، تأكدت الأجهزة الأمنية من أن عناصر الشغب أشخاص جدد، لم يكونوا جميعاً ملثّمين. لم يتمكّن فرع المعلومات في نهاية الأسبوع الفائت من توقيف 11 متورّطاً، إلا بعدما أوقف واحداً من هذه الشلّة كشف عن أسماء رفاقه وهوّياتهم، فكرَّت سبحتهم. في ذلك اليوم الذي دار فيه التخريب المتعمّد في شارع رياض الصلح، مستهدفاً منشآت شركة سوليدير وأملاكها ومبنى اللعازارية، تفقدها الرئيس سعد الحريري بعد يومين، لم تسلم قوى الأمن الداخلي من تأنيب قاسٍ وعالي النبرة وجّهه إليها الحريري، كون المنطقة الممتدة من بيت الوسط الى السرايا الى وسط بيروت في عهدة قوى الأمن وقوة مكافحة الشغب، لا وجود للجيش فيها منذ تشرين الأول المنصرم.

4 ـ بات من باب اليقين لدى الأجهزة الأمنية أن الذين افتتحوا أعمال الشغب والتخريب في وسط بيروت، هم من المشغَّلين لدى بهاء الحريري، شقيق الرئيس السابق للحكومة، ومحرّكهم من تركيا نبيل الحلبي الذي بات يعلن أنه يحوط نفسه بنحو 2000 من الأنصار والمؤيدين. كلاهما بهاء الحريري ونبيل الحلبي خارج لبنان. المواجهة سنّية ــــ سنّية، داخل العائلة السنّية نفسها، على أرض موصوفة بأنها ختم العائلة هي شركة سوليدير التي تحمل اسم الرئيس رفيق الحريري وضريحه، والد الشقيقين المتناحرين اللذين لا تدين لهما منشآت الشركة وازدهارها السابق بشيء. أما الشعارات المرفوعة في حملة بهاء، فلا تمتّ بصلة الى مشكلته مع أخيه، بتصويبها على حزب الله وسلاحه.

بذلك تصحّ مفارقة نزاع سنّي ــــ سنّي، في عائلة سنّية واحدة، بلافتات شيعية. يوم 11 حزيران، شاع أن أنصار سعد علموا بمحاولة منتدى بهاء «شراء» مؤيدين بيروتيين له بمال، شأن ما فعل في طرابلس وفي بلدات في البقاع الأوسط، فعاكسوه بـ»شراء» مماثل فأخفق.

بالتأكيد، يصعب على الشقيق الأكبر، الأوفر ثراءً من الشقيق الأصغر الذي أهدر الثروة والسمعة السياسية لوالدهما، انتزاع الشارع السنّي كله من سعد. إلا أنه تمكّن بفضل تحويلات مالية الى طرابلس من استمالة أشخاص يشكون من العوز تحت وطأة ما يحدث في البلاد. أضف الامتعاض السنّي مما آل سعد بزعامته لشارعه وتدهورها الى حدّ يكاد يوشك على الانطفاء.

تحققت الأجهزة الأمنية من عناصر الشغب هؤلاء الآتين من طرابلس، وفي بعض المعلومات أن الأمر منسَّق مع اللواء أشرف ريفي. كذلك جيء بأعداد أخرى من هؤلاء من سعدنايل وتعلبايا وقبّ الياس.

اللافت في مراجعة الأجهزة الأمنية للدور الذي يضطلع به بهاء لولوج الحياة السياسية في لبنان من بوابة شقيقه، أن أحداً ممّن انتسبوا إليه أو والوه لم يجهر بعد بنفسه، ولا بالمنتديات التي يرعاها بهاء، ما خلا تمويله هؤلاء وتشغيلهم في أعمال تخريب شارع شقيقه لتقويض سمعته وهيبته. وحده نبيل الحلبي، الموصوف بالتعصب والتشدد، أفصح عن نفسه من بعد.

5 ـ في المراجعة الأمنية لما جرى في هذين اليومين، أنه أكثر من بروفة حرب أهلية، كون أحداث 6 حزيران و11 منه اتّسمت بعنف مفرط من عناصر الشغب، بعدما انسحب الحراك الشعبي من الشارع، وهو صاحب الدعوة الى التعبير عن الغضب على الأوضاع المعيشية في 6 حزيران، على اثر انقطاع ثلاثة أشهر عن الاعتصامات. ما بعث على القلق، واستدرج رد الفعل الشيعي في اليوم الأول، طرح شعارات سياسية لم يسبق أن أثارها الحراك منذ 17 تشرين الأول الى الآن، وخصوصاً القرار 1559 وسلاح حزب الله. بفعل انتقال الاحتجاج الى هذين العنوانين، بدا الاحتكاك والصدام حاصلين.