//Put this in the section

”حزب الله” يعمل لتحصين محوره وشد العصب وباسيل يسعى إلى تعويم وضعه لدى الأميركيين!

ابراهيم حيدر – النهار

أياً تكن طبيعة المواجهة التي قررها “حزب الله” ضد العقوبات الأميركية الجديدة، في ضوء دخول قانون قيصر الأميركي حيز التنفيذ، فإنه لا يستطيع الصمود ما لم يتمكن من توفير حصانة داخلية لبنانية لبنيته وسلاحه، وهو الذي لم يعد بالنسبة إلى قسم من اللبنانيين سلاحاً مقاوماً بالنسخة التي كانت تواجه الاحتلال الإسرائيلي، بل يعتبرون أنه وظُف في الداخل واستخدم كسلاح إقليمي لحسابات غير لبنانية. فالحزب يتعرض اليوم لضغوط كبيرة وقاسية لم يختبرها في تاريخه على رغم فائض القوة الذي يتمتع به، فيما هو تقدم إلى موقع المواجهة من خلال انخراطه في النظام وحمايته لحكومة حسان دياب التي كان له دوراً أساسياً في تشكيلها ضمن محور المقاومة بالتحالف مع التيار الوطني الحر.




باتت العقوبات الأميركية تؤثر على لبنان كله، وليس على الحزب وحده، وتزيد من حدة الازمة المالية والاقتصادية، وهي في الوقت نفسه تفتح الطريق لقوى حليفة إلى رهانات مختلفة، برغم تأكيدها متانة التفاهم الذي نشأ على قاعدة مصالح متبادلة. فها هو الحزب اليوم يراقب مدى التفكك الذي بدأ يظهر في محوره، وفي فشل الحكومة العاجزة عن السير في الإنقاذ وفي أي خطة إصلاحية جدية، فإذا به يرتد إلى الدفاع عن موقعه واتهام قوى معارضة بالعمل لنزع سلاحه واستحضار القرار 1559، فيما الواقع أن تضخيم هذا الجانب يزيد من عزلة الحزب لبنانياً ولا يحميه ضمن بيئات الطوائف الأخرى التي كان له اليد الطولى فيها. فكلما أمعن في الحديث عن سلاحه صار مكشوفاً أكثر، علماً أن الذين يرفعون هذا الشعار لا يشكلون أكثرية، حتى بين المعارضين لدور الحزب في الداخل وفي المنطقة.

يرد “حزب الله” على الأزمة بالدعوة إلى التوجه شرقاً، وهو أمر غير ممكن، في ظل المعادلات الدولية القائمة، وايضاً في التركيب السياسي والاقتصادي اللبناني. فلا حل وارداً في الأفق وفق ما يقول مصدر سياسي متابع، طالما أن الحزب يريد أن يقول للبنانيين أن المعادلة الداخلية الراهنة لا يمكن أن تتغير، لا بل أنه يمعن في ممارسات تزيد من تكتل فئات ضده، حتى أن القوى التي يتحالف معها اليوم تفكر بآليات مختلفة لضمان مصالحها وفي مقدمها التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل، فيما العهد يسعى الى استعادة ملف ترسيم الحدود البحرية. لكن الخطر الذي يواجه الحزب يبقى في طريقة تعامله مع خصومه، فهو كأنه يستدرجهم إلى النقطة الحساسة المتعلقة بسلاحه، فيرفع سقف موقفه إلى حد أن كل من تحدث عن السلاح يصبح حليفاً للولايات المتحدة الأميركية ومنخرط في الحملة على “حزب الله”، فتصبح المواجهة داخلية بدلاً من أن تكون مباشرة مع الاميركيين. أما حين يدعو العهد إلى الحوار الجامع كما هو مقرر في قصر بعبدا، ويسعى الرئيس نبيه بري الى حوارات ثنائية، فإن ذلك لا يقدم ولا يؤخر طالما أن المشكلة الأساس تكمن في الصراع القائم بين محورين في المنطقة، يدخل فيه “حزب الله” كطرف يمتلك عناصر القوة والفائض فضلا عن القدرة على بسط سيطرته والإمساك بالقرار. وهذا يعني أن كل الخصوم سيفكرون بالطريقة التي تضمن مصالحهم، ليس على المستوى السياسي بل على مستوى التركيب الطائفي القائم.

في ضوءهذه الوقائع بدا أن الصراع الداخلي شبه محسوم لـ”حزب الله”. وبالتالي لا معنى للإمعان في تركيب صيغ داخلية ترفع من حدة الصراع في لحظة ينزلق فيها البلد الى الإنهيار، وهو تحت حصار دولي وعقوبات قاسية وأزمة مالية ونقدية وفقر لا يطال جمهوراً معيناً بل كل اللبنانيين بمن فيهم جمهور الثنائي الشيعي، فإذا زادت الضغوط بفعل العقوبات، يعني أن لا شيء داخلياً سيغير من الوضع القائم، بل ستذهب الامور إلى مزيد من الاختناق بفعل الضغط الخارجي، وهو ما سيؤثر على الحزب وعلى لبنان، لذا لا يعود هناك معنى لإطلاق الاتهامات بالعمالة للأميركيين، فيما على “حزب الله” أن يجيب عن وظيفة سلاحه، وهو السلاح الذي تمكن في عام 2000 من إخراج المحتل الإسرائيلي كسلاح مقاوم، أما اليوم فله وظائف متعددة، ومعها فقد جزءا كبيرا من مناعته اللبنانية حتى لو كان قادراً ومتمكناً وواثقاً من السيطرة على السلطة في البلد.

لم تعد الامور مجرد عرض للقوة، بل كيف يمكن للحزب المحافظة على المعادلات التي أرساها لحماية بنيته وموقعه ودوره وسلاحه، وهو المعني وفق السياسي المتابع بالإجابة عن كيفية الخروج من المأزق، باعتبار أن العقوبات والضغوط تستهدفه ومعه لبنان كله، فإذا كانت المواجهة العسكرية غير ممكنة في ظل المعادلات القائمة، حتى لو أعلن السيد حسن نصرالله بأن لديه خططاً لن يعلن عنها، فإن الامر يتعلق بالأفرقاء الآخرين خصوصاً الحلفاء الذين لديهم رهانات مختلفة وأجندات لمزيد من السيطرة على مواقع السلطة وتعزيز الصلاحيات خصوصاً رئيس الجمهورية ميشال عون والتيار الوطني الحر، حيث يسير جبران باسيل على الحافة بين خيارين، والحكومة أيضاً التي لم تعد قادرة على إقناع اللبنانيين بأنها مستقلة بعد النكسات التي تعرضت لها مع التعيينات وغيرها.

يسأل السياسي المتابع عما سيكون عليه موقف الحليف الأول لـ”حزب الله” في المواجهة مع الأميركيين، وعما إذا كان رئيس الجمهورية أو جبران باسيل يعرفان خيارات نصرالله التي لم يعلن عنها. إذ كان واضحاً أن باسيل لديه رهانات مستقبلية على ما يمكن أن تصل اليه العلاقات الإيرانية الاميركية إذا ما جرى التوصل الى اتفاق مع دونالد ترامب أو غيره إذا خسر الانتخابات الرئاسية. ويشير السياسي إلى أن الحزب يجب أن يكون تنبه إلى أن باسيل بقدر ما يؤكد تحالفه القوي معه، هو في الوقت نفسه يقدم الطاعة للاميركيين، وهذا متعلق بحسابات مستقبلية، وليس لتجنب العقوبات. ولا شك أن هذا الرهان يقلق الحزب برغم علمه انه يسعى الى تعويم وضعه رئاسياً. هو يعرف أن لبنان محاصر بقانون قيصر ويتعرض لضغوط أكثر من أي وقت. هذا يعني أن هناك تفككاً في المحور الممانع ورهانات مختلفة، فيما البلد كله يسقط ولا أحد ينتشله من الغرق…