//Put this in the section

“سنأتي بك حتى لو كنت عند الأنبياء”.. شهادات عن التعذيب في لبنان

أيمن شروف – الحرة

كل من شارك في تظاهرة هو عرضة للاعتقال في لبنان، الذي شهد احتجاجات ضد الفساد والطائفية. آخر فصول هذه الاعتقالات، كان ما حدث في صيدا وعين الرمانة وطرابلس والبقاع الأوسط وغيرها، حيث عمدت الأجهزة الأمنية وتحديدا مخابرات الجيش إلى اعتقال العديد من الناشطين، بعضهم سُحب من منزله تحت جنح الظلام، واقتيد إلى مراكز تحقيق إما في وزارة الدفاع أو في أفرع المخابرات.




لبنان عانى كثيرا من قبضة الأجهزة الأمنية، بالرغم من كونه يصنف على أنه بلد ديمقراطي، إلا أن واقع الأمور يُشير إلى عكس ذلك.

منذ 17 أكتوبر إلى اليوم، عادت الأجهزة الأمنية إلى ممارسات اعتقد اللبنانيون أنها انتهت. اعتقالات وملاحقات بحق ناشطين تظاهروا وشاركوا في الاحتجاجات المستمرة ضد النظام اللبناني. الاعتقالات توزعت بين بيروت والمناطق كافة.

كثيرون لم يسلموا من هذه الاعتقالات التي كان جهاز مخابرات الجيش الطرف الأبرز فيها. شباب شاركوا في ثورة 17 تشرين خرجوا من أفرع الأمن بأضرار نفسية أكبر بكثير من الجسدية. بعضهم قرر أن يترك البلد فوراً، بعضهم الآخر قرر أن يبقى ويواجه.

موقع “الحرة” حصل على شهادتين لناشطين خضعا لتحقيق مورس خلاله كُل أنواع التعذيب،  اعتقلا في 29 أبريل 2020 وأطلق سراحهما في 2 مايو  على 2020 على خلفية أعمال شغب حدثت في شارع المصارف في صيدا، جنوب لبنان.

الشابان قالا جزءاً بسيطاً مما حصل معهما أثناء الاعتقال، فيما رفض آخرون، لخوفهم من رد فعل الأمن، لأنهم هُددوا “إن تجرأوا على الحديث” بما حدث معهم أثناء الاعتقال.

“دمروا مستقلبنا”

علاء عنتر، شاب من  صيدا، عمره 23 سنة، قرر المشاركة في انتفاضة 17 تشرين ليطالب بحقوقه بالحياة. تظاهر ضد “الجوع والفقر والموت على أبواب المستشفيات ولنواجه هذه السلطة التي حكمت بلدنا لأكثر من 30 سنة ولم تقدم لنا أي شيء، لا بل العكس، دمرت لنا مستقبلنا”. علاء نزل ليقول: “نحن لم نعد نحتملكم. لقد خنقتمونا”.

قبل أن يروي علاء ما حصل معه، يُشدد على أنه كان حريصاً كُل الوقت على سلمية التحركات. لكن هذا لم يمنع الأجهزة الأمنية من اعتقاله.

على ساحة النجمة، كان عناصر الجيش يقفون بطريقة تمنع المتظاهرين من الوصول إلى الساحة. طلب علاء من عسكري يقف هناك أن يسمح له بالمرور، و ما هي إلا لحظات حتى يصل ضابط برفقة كثير من العناصر، ويقول له: “أنا أرصدك منذ زمن، سنُبرحك ضرباً.

“حمّلوه” بالشاحنة وتوجهوا به إلى مكان التوقيف. لمدة نصف ساعة، غالبية العناصر الذين كانوا في الشاحنة لم يوفروا أي مجهود عنفي إلا ومارسوه بحق علاء. كان يقول في قراره نفسه، “سيضربونني قليلاً حتى أصل إلى المركز”. كان بينه وبين نفسه يحاول أن يسهّل الأمور على نفسه، يواسي نفسه. هو الشاب الذي “تربى في بيئة لا تحمل سوى المحبة والاحترام للجيش وعناصره”.

رحلته في الشاحنة كانت البداية. وصل إلى مركز اللواء الأول في صيدا ومنها إلى الأمن القومي. ليلتها لم يتعرض له أحد. سألوه عن علاقته بربيع الزين الذي أوقف أكثر من مرة من قبل الأجهزة الأمنية. قال لهم علاء: “أنا لا أعرفه. التقيته مرة في صيدا ولم يحصل أي حديث بيننا. تحدثت بصدق وصراحة”. اعتقد علاء أن الأمور ستنتهي عند هذا الحد. يبيت ليلته ومن ثم يعود إلى منزله.

يقول علاء: “أتفاجأ صباحاً أني أستيقظ على كلام بذيء كثيراً. ثُم بدأوا التحقيق معي. بدأوا فعلياً مشوار التعذيب والضرب والإهانة الجسدية والمعنوية”. يسألونه ويجيب أنه لا يعرف.

يقول علاء: بدأوا بضربي ورميي على الأرض والدعس علي وصعقي بالكهرباء مع الكثير من الشتائم. استمروا على هذا الحال لأكثر من 5 ساعات. لم أعد أحتمل كمية الضرب التي تعرضت لها”.

قرر علاء أن يُسمعهم ما يريدون:” أنا قاتل وإرهابي. سأقول كُل ما تريدون ولكن أتركوني أعود إلى أهلي”. وحول التعذيب بالكهرباء، يقول: “يعتقدون أنها لعبة. يتسلون في صعقك كل الوقت، مرة على الأيدي ومرة على الرجلين أو الصدر. يتركها لثواني طويلة على جسمي. حين يوقفها، أصرخ. يطلبون أن تصعد الدرج، وطبعاً ليس هناك من درج”. كانوا يمرحون.

خرج علاء من “المعتقل” بعد ضغط الرأي العام وعمل جبار قامت به المحامية لمى الأمين. خرج علاء إلى المستشفى مباشرة. لم يكن يقدر على المشي جراء الضرب الذي تعرض له. قبل أن يُفرجوا عنه، هددوه: “إذا تحدثت عما جرى معك سنعود ونأتي بك مجدداً ونكرر ما فعلناه معك في الأيام الأربعة الماضية”.

لدى الشرطة العسكرية، أنكر علاء ما اعترف به تحت التعذيب. قال لهم إن كُل كلمة قالها خلال الاعتقال كانت كذب كي يهرب من التعذيب. لكن علاء لن يتراجع، يقول: “كُل ما حصل معي لن يزيدنا سوى إصرار على أن نستمر في الاعتراض والوقوف ضد هذه السلطة التي جوعتنا. سنبقى في الساحات حتى ترحل هذه السلطة الفاسدة”.

 

“كأنني كيس ملاكمة”

محمد السمّور، 22 سنة، أيضاً لا يريد سوى العيش الكريم. يريد فرصة، للعمل. اعتقله الجيش من ساحة النجمة في صيدا، ومن هناك إلى ثكنة زغيب. في الثكنة حقق مع محمد جيش لبناني. كان المحققون غاية في الاحترام، سؤال وجواب. انتهوا سريعاً، ثُم نقلوه إلى فرع الأمن القومي. محمد ليس جديداً على الأمن القومي. اعتُقل أكثر من مرة، وقبل إطلاق سراحه كانوا يحرصون على أن يمضي تعهداً بعدم النزول إلى الشارع مجدداً. لكنه، “استمر بالنزول”.

لدى الأمن القومي كانت الأجواء مغايرة تماماً. بدأ التحقيق معه، والتحقيق لدى هذا الفرع عنوانه “الترهيب أولاً”. استقبلوه بالسباب، تعصيب الأعين، ثم الضرب.

هناك، يبدو من رواية محمد، كما رواية علاء، أن العناصر التي تُحقق، تعتبر أن ما تقوم به عبارة عن تسلية. يتفنون بتحويل الضحية إلى وسيلة يقتلون من خلالها الوقت أو يملأون فراغهم الكبير. يضحك المحققون بين بعضهم البعض، يطلبون من محمد أن يقفز، ثم يطالبونه بالاستمرار وحين يضجرون يقوم أحد المحققين بركل محمد وهو يقفز، ليقع على الأرض وهو طبعاً مكبل اليدين والرجلين ومعصب العينين، أي من دون أي وسيلة لحماية نفسه من السقوط. حماية رأسه تحديداً. يضع رجله على رأس الضحية، ويبدأ بسؤاله “أنت من رمى المولوتوف، أنت رشقت حجارة، أنت حطمت ممتلكات عامة”، يأتيه الجواب من محمد بالنفي، يُكمل الضرب بالعصا لأكثر من 5 ساعات. عملية تكررت طيلة فترة الاعتقال.

انتهى وقت العصا. صعد المحققون بالمستوى، الكهرباء. الأسئلة نفسها مع فارق بسيط، بعد كُل “كلا” يقولها المتهم، هناك صعق بالكهرباء. هنا كان أمام محمد خياران، إما تحمّل ما لا قدرة لأحد على تحمله، أو أن يُسمع المحقق ما يريده. صار يسأله، يقوله له لا، يصعقه، يقول نعم فعلتها. وهكذا، تحت التعذيب والصعق والركل على أماكن حساسة، أخذ المحققون ما يريدونه. لكنهم لم يكتفوا، في يوم آخر، يقول محمد: “انهال علي باللكم وكأنني كيس ملاكمة، كسر لي ثلاثة من أسناني من دون أن يرف له جفن”.

بعد كُل هذا التعنيف، وقبل أن يخرج محمد، ذكره المُحقق “إذا تحدثت بما حصل معك، سنأتي بك لو كنت عند الأنبياء”.

 

رواية من الخارج

المحامية لمى الأمين، هي أحد المحامين الذين تابعوا ما يحدث من اعتُقل في صيدا أواخر أبريل. حاولت أن تتابع الملف. مُنعت من دخول ثكنة زغيب حيث يتواجد المعتقلون. تواصلت مع نقيب المحامين ملحم خلف، الذي تحرك سريعاً فاستطاعوا أن يأخذوا إشارة بأن يدخلوا (بعد أيام من الاعتقال)، لكن طبعاً لم تستطع المحامية أن تدخل لترى المعتقلين وهم لدى المخابرات، أو الأمن القومي كما يقولون.

سُمح لها بالدخوال لدى الشرطة العسكرية، بعد نقل المعتقلين من عند المخابرات. تقول الأمين: “حين رأيت الشباب، كانت آثار الصدمة واضحة عليهم. كذلك آثار التعنيف. اثنان منهم تعرضا لصعق بالكهرباء. 6 شُبان قابلتهم. لأكتشف أن السابع كان فتى من الجنسية الفلسطينية يبلغ من العمر 13 سنة”.

وتضيف: “تبين أن كُل الإفادات التي أعطوها كانت تحت التعذيب. كانوا يقولون لهم ما يجب أن يقولوه. لذلك طلبت من الشباب أن يذكروا ما حصل معهم أثناء التحقيق خلال الإدلاء بإفاداتهم أمام الشرطة العسكرية. وعلى هذا الأساس أكدوا أن كُل ما اعترفوا به لدى المخابرات كان تحت التعذيب. كذلك طلبنا الطبيب الشرعي”.

بعد أسبوع من خروج الشباب من “المعتقل” إلى حريتهم. طلب قاضي التحقيق العسكري بيتر جرمانوس فتح تحقيق بما حصل. وطلب المباشرة فه من قبل فرع أول تحقيق في وزارة الدفاع اللبنانية، و”حين طلبوا من الشباب أن يذهبوا إلى الوزارة للإدلاء بإفاداتهم، رفضنا”، تقول الأمين، وتضيف: “رفضنا هذا الأمر لأنه مخالف لأحكام قانون التعذيب الذي يؤكد أنه لا يُسمح للضابطة العدلية أو أي جهاز مُتهم بالتعذيب أن يقوم هو بالتحقيق، وأرسلنا مذكرة لجرمانوس واستجاب لطلبنا، والآن الشباب في انتظار أن يُدلوا بشهاداتهم أمام قاضي تحقيق في المحكمة العسكرية ولكن الأمور الآن معلقة إلى حين عودة المحاكم لسير العمل الطبيعي”.

مخالفة للقوانين والقضاء غائب

تتابع هيومن رايتس ووتش ما يحصل في لبنان عن كثب. لها الكثير من التحفظات على ممارسات الأجهزة الأمنية، كذلك على القضاء الذي لا يتحرك لوقف التمادي الحاصل في التحقيق وغير التحقيق. تقول الباحثة في المنظمة آية مجذوب لموقع “الحرة”: “وثقنا الكثير من حالات التعذيب لكن السلطات القضائية لم تحقق فيها بشكل جدي، وللأسف ليس هناك أي محاسبة جدياً في لبنان خلافاً للقانون 65 الذي يُجرم التعذيب في لبنان”.

من جهته، يقول المحامي فاروق المغربي لموقع “الحرة”: “القضاء حين لا يتحمل مسؤوليته بشكل واضح، تحصل الانتهاكات كما حصل في صيدا وغيرها”. هناك عشرات حالات التعذيب التي حصلت منذ 17 أوكتوبر حتى اليوم. التحقيق فيها لم يتحول ليكون جدياً إلى الآن.

حاول محامون وبينهم المغربي أن يضغطوا لتطبيق القانون رقم 65 الذي يجرم التعذيب. حدث خرق بسيط لكن برأيه، ليس كافياً، لا بل الأمل في أن يتحقق شيء استثنائي يبقى بعيداً. في النهاية. “نحن في لبنان”، على حد تعبيره.