//Put this in the section

في لبنان لا ثورة شعبيّة ولا انقلاب عسكري

سركيس نعوم – النهار

اللبنانيّون بارعون في كل شيء. هذا ما تظنُّه غالبيّتهم. وهذا ما يعكسه إعلامهم المتنوِّع وزعماؤهم وقادتهم ورجال دينهم والعاملون منهم في حقول الاقتصاد المتنوّعة. أمّا رجال الفكر والثقافة والعلم عندهم ونسبتهم العدديّة ليست قليلة على الإطلاق فإنّهم لم يقوموا بالدور النهضوي المُفترض أن يقوموا به لأسباب متنوّعة. منها الاقتناع بأنّ الانتماء الطائفي والمذهبي في البلاد أقوى من الانتماء الوطني، وبأن كل طائفة أو مذهب يريد إقامة دولته وإخضاع الآخرين لها. ومنها الادّعاء أنّ لبنان هو بلد الإشعاع والنور وأنّه سويسرا الشرق وأنّ الحضارة خرجت منه وأن عمره من عمر التاريخ. ومنها اليأس من وجود فرص الإصلاح الفعلي الذي دفع برجال الفكر والثقافة إلى خيار من اثنين أو ثلاثة. الأوّل وضع فكرهم ومعارفهم ومواهبهم في خدمة “السلاطين” في البلاد و”سلاطين” الخارج الذين يحكمون لبنان بواسطة هؤلاء. وبذلك يتجنّبون العوز والحاجة وتنفتح أمامهم أبواب الترقي في مجالات السياسة والأعمال الحرّة ووظائف الإدارات والمؤسَّسات العامّة. ونجاحهم في هذا المجال يدفعهم إلى فلسفة هذا الخيار وإلى نزع صفة الانتهازيّة عنه وإلباسه ثوب الوطنيّة والمذهبيّة والطائفيّة وأحياناً القوميّة. والخيار الثاني هو الهجرة إمّا إلى دول العالم الأوّل التي تُقدِّر العلم والمعرفة والثقافة فتفتح لهم أبواب النجاح. ويسمح لهم ذلك بتقديم شيء إلى أوطانهم الجديدة وحتّى إلى العالم رغم أنّها في نظر العالم الثالث استعماريّة نهبت خيراته. علماً أنّ هذه النظرة غير خاطئة لكنّها ناقصة. إذ أن على العالم الثالث نفسه أن يعترف بأن حكّامه وقادته السياسيّين والقبليّين والدينيّين والطائفيّين والمذهبيّين تصرّفوا مع شعوبه مثلما تصرّف “المُستعمرون” وأحياناً كثيرة بظلم أكثر وبطمع أكثر وبحرمان من العلم والتطوُّر والحريّات. أمّا الخيار الثالث لرجال الفكر والثقافة والعلم فهو قيادة عمليّة تغيير شاملة في العقليّة وفي السياسة وفي المؤسّسات والأحزاب تنتهي بإقامة دولة المواطن والقانون والمساواة والكفاءة والعدالة لا دولة العشائر والقبائل والطوائف.




أي خيار من الثلاثة يتبنّى اللبنانيّون البارعون في كل شيء في اعتقادهم ولا سيّما رجال الفكر والثقافة والعلم منهم وغالبيّتهم تبنّت الخيارين الأوّلين وقد حقّقت فيه نجاحاً ملموساً. ففي الداخل سطعت نجوم هؤلاء في خدمة “سلاطين” بلادهم وطوائفهم… وسلاطين الخارج الذين يحكمونهم فتوظّفوا ووُزِّروا وصاروا رجال أعمال وحقَّقوا ثروات نتيجة “تبييض الأسود وتسويد الأبيض”. أمّا الذين اختاروا التغيير والعمل لإنجازه بواسطة الأحزاب التقليديّة والأحزاب العقائديّة من يمينيّة ويساريّة ومن قوميّة وطنيّة وقوميّة عربيّة أو بواسطة أحزاب جديدة فلم يُحقِّقوا النجاح المطلوب. إذ أنّ التي منها حكمت لم تتقيّد بمبادئ أحزابها بل بشهوات قادتها وبعصبيّاتهم الطائفيّة والعرقيّة والدينيّة والمذهبيّة فساهمت في خراب شعوبها وبلدانها وأحبطت كل من كان يعتبر العمل الحزبي طريقاً للنهوض. والتي منها لم تحكم بسبب عدم استنادها إلى عسكر أو إلى طائفة وعشيرة ومذهب ودين وبسبب عدم إقبال الناس عليها رغم زعمها الدفاع عن مصالحهم اضطرّت من أجل البقاء إلى الاعتماد على أحزاب وجهات مُناقضة لها بل مُعادية. ولعلّ من المُفيد هنا ذكر أن مناطق معيّنة في لبنان كانت تُفاخر بعدم وجود حزبي عقائدي من أبنائها فيها.

هل القصد من هذا الكلام دفع الناس إلى اليأس؟ طبعاً لا. فمع الأسف الناس وبغضّ النّظر عن الفقر الذي حلّ بهم والجوع الذي قد يُصيبهم والفوضى وربّما الاحتراب وسفك الدم لم ييأسوا. لكنّهم مُنقسمون وكل فريق منهم له لبنانه الخاص وهو يعمل له ويطلب مساعدة الخارج له في ذلك مع استعداده لتقديم شتّى أنواع الخدمات له. وقد ينجح بعضهم ويفشل البعض الآخر، أو قد يفشلون كلّهم. أمّا دولة لبنان الواحد فإنّ لا أحد يُريدها منهم. فهم دمَّروا دولة الاستقلال لأنّها كانت غير عادلة في نظر فريق مُهمّ من اللبنانيّين، ثمّ دمّروا دولة الطائف لأسباب مُشابهة ويسعون الآن إلى دولة لا يعرفون معالمها ويطرحون لها أسماء وصفات، وهي قد تقوم ولكن بمساعدة الخارجَيْن الإقليمي والدولية يوم يتّفقان. لكن لا شيء يمنع انهيارها بعد سنوات وعقود إذا عادا إلى الاختلاف والحروب وإذا شعر أفرقاء آخرون أنّها على حسابهم. وما هو أخطر فقدان اللبنانيّين الأمل. علماً أن كثيرين منهم يرفضون هذا الكلام ويقولون إن الحل موجود وهو واحد من اثنين: إمّا انقلاب عسكري وإمّا ثورة تُؤسِّس دولة جديدة. والإثنان مُستحيلان في لبنان. فالجيش يضمّ لبنانيّين ينتمون إلى المذاهب والطوائف والأديان المُتناحرة على السلطة لا على الله طبعاً. ومشاعر جنوده ورتبائه وضُبّاطه لا تختلف عن مشاعر بيئاتهم. وأي حركة انقلابيّة ستدفع من يعتبر نفسه مُتضرِّراً منها إلى فرطه. فهو يمشي من الجنوب إلى البقاع والشمال والجبل والعاصمة على النحو الذي يُعبّر عنه المثل الآتي: “أمشي من الحيط إلى الحيط وأقول يا ربّ توصِّلني عالبيت”. أمّا الثورة فلا تقوم في بلاد شعبها مُنقسم وزعماء كل قسم حريصون على إبقائه مُنقسماً كي يبقوا حُكّاماً لها. و”ثورة 17 تشرين الأول” الماضي ظهر واضحاً قبل “الكورونا” وبعدها أنّها ليست ثورة بدليل انقسامها وانقيادها إلى طوائفها ومذاهبها وزعمائها ودول الخارج المتنوّعة واستعدادها للتقاتل من جديد من أجلها وليس من أجل سدّ جوع من شاركوا فيها واستعادة أموالهم المنهوبة وحقوقهم المسلوبة.

في النهاية ظنّ الحالمون في القرن الماضي أنّ العروبة هي الصيغة التي تجمع أبناء المنطقة من مُسلمين سُنّة وشيعة ودروز ومن مسيحيّين. لكنّها فشلت في ذلك في حينه أو فُشِّلت. و”العرب” اليوم على تنوّعهم بلا عروبة. فالإسلام لا بل الإسلاميّة أو بالأحرى الإسلاميّتان السُنيّة والشيعيّة تخلّتا عنها فصارت ذكرى من تاريخ. وبذلك صار المسيحيّون العرب خارجها والمُسلمون غير الراديكاليّين. فهل يُصبح هؤلاء كلّهم أهل ذمّة وإن بمفهوم جديد؟ أو يُدفعون إلى التحوّل طوابير خامسة للخارج المُعادي لهما مُنفردين أو مجتمعين فتتكرّر مآسي الماضي السحيق والقديم والحديث؟