//Put this in the section

برج ساعة التل أجمل المعالم الأثرية في مدينة طرابلس اللبنانية

تختزن مدينة طرابلس، كبرى مدن شمال لبنان، المئات من المعالم الأثرية القديمة، معظمها من الطراز العثماني، لدرجة أنها وصفت بـ«المتحف الحي»، إلا أن «ثروتها» هذه لا تحظى بالاهتمام اللازم، والكثير من أبنيتها التاريخية مهددة بالهدم.

وتُعتبر المدينة التي تبعد عن العاصمة بيروت حوالي 85 كلم إلى الشمال، المدينة الأولى بثروتها التُراثية على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وهي الثانية في عدد آثارها المملوكية بعد مدينة القاهرة، وتمثل متحفاً حياً يجمع بين الآثار الرومانية والبيزنطية، والآثار الفاطمية والصليبية، والعمارة المملوكية العثمانية، وتمتزج آثارها القديمة التي يفوق عددها الـ 160 أثراً بالعمران الحديث والأبنية الشاهقة ويتعانق الشرق والغرب في جو من الإنسجام الذي يثير الدهشة والإعجاب مما يعطي التبرير الحضاري لدعوات الترميم التي تطلقها الجمعيات التراثية والثقافية والإجتماعية والبيئية.




برج ساعة التل من أجمل المعالم الأثرية في مدينة طرابلس اللبنانية، يرتفع 30 مترا عند المدخل الجنوبي الشرقي للحديقة العامة وسط المدينة، أهدته السلطات العثمانية للمدينة بمرور 25 سنة لتولي السلطان عبد الحميد الثاني الحكم.

ويعتبر البرج «ساعة التل»، من أبرز الآثار التي خلفها الحكم التركي العثماني، في طرابلس، بالاضافة إلى السراي الحكومي، ومستشفى عزمي بك في أبي سمراء والتكية المولوية الرابضة على ضفة نهـر أبي علي تحت القلعة، ولعل، برج الساعة، من أبرز هذه المعـالم، لموقعه في الساحة الرئيسية من المدينة، وإختلاطه بالطرابلسيين والغربـاء الـذين يؤمـون المدينة كل يوم.

بني برج ساعة التل في العام 1901، على بقعة رملية، تكفلت بلدية مدينة طرابلس بقسم من النفقات، التي بلغ إجماليها ألفا وخمسمئة ليرة عثمانية. وصمم برج الساعة وبناه مهندس المتصرفية التركية توفيق بك المهندس، على بعد 10 أمتار غربي سكة الترامواي ولم تكن مباشرة في مواجهة السراي بل تجاهها أو بانحراف عنها لجهة الجنوب بحوالي 10 أمتار، وتبعد عن قصر نوفل الواقع على نفس الخط جنوباً حوالي 35 م وعن حيّز تل الرمل شمالاً حوالي 20 مترا. برج ساعة التل في مدينة طرابلس بناء من حجر ، مؤلف من خمس طبقات، وتوجد شرفة على الدائر في كل من الطابقين الثاني والرابع، ولها سلم من حديد لولبي ووضع في جانب من جوانبها وجه ساعة كانت تدور خلال العهد العثماني على الطريقة العربية باعتبار غروب الشمس الساعة الثانية عشرة، وقد عدلت فيما بعد على التوقيت الزوالي.

يبلغ ضلع قاعدة برج الساعة خمسة امتار ونصف المتر من الخارج، ومساحتها 24 مترا مربعا من الداخل، لكنها تضيق عند كل طبقة أعلى من سابقتها، ويرجح ان يكون السبب هو مبدأ الحفاظ عليها من مخاطر السقوط، وفق هندسة مدروسة رفيعة نظرا لتباسقها الرفيع، والعالي نسبة لضيق مساحة قاعدتها.

ويعتبر برج الساعة أول بناء يشاد في طرابلس للتكريم والتخليد وليس له معنى أو شكل ديني، علماً بأنه قد بني أو جُدِّدَ بناء ثلاثة مساجد في طرابلس والميناء بالمناسبة ذاتها وسمي كل منها بالمسجد أو الجامع الحميدي.وأوضح رئيس لجنة الآثار والتراث في بلدية مدينة طرابلس الدكتور خالد تدمري أن الساعة الحميدية هي آخر ما تركه العثمانيون من آثار في المدينة، التي تتميز بفنهم المعماري، وهي واحدة من عدة ساعات أمر السلطان عبد الحميد الثاني بإنشائها في عدد من المدن المركزية للولايات العثمانية، مثل التي في حلب ومدينة بيروت.

وبين المهندس المعماري والأستاذ المحاضر في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية الدكتور مصباح رجب، أن الساعة الحامدية أنشئت في طرابلس عام 1901م كهدية تحتفي بمرور اليوبيل الفضي (25 عامًا) على تولي عبد الحميد الثاني عرش السلطنة العثمانية منذ عام 1876م، حيث أصدر السلطان تشييد الساعات وسبل المياه في أكثر من 600 مدينة في السلطنة لمناسبة تلك الذكرى وللمصلحة العامة.

تتضارب وجهات نظر الكتاب المعاصرين لها حول وصف وجمالية برج الساعة فحكمت شريف باشكاتب المجلس البلدي في مدينة طرابلس، يراها «كالعروس تتجلى في فسحة التل»، بينما التميمي وبهجت من وزارة المعارف العثمانية والمستنيرين يصفان الساعة بأنها «خلو من كل مهارة وصنعة».

ويذكر كتاب «تاريخ طرابلس الشام» لحكمت بك الشريف أنه «بمناسبة السنة الخامسة والعشرين لتبوؤ سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، السلطان الغازي عبد الحميد خان الثاني، قد أنشئت قلة ساعة عمومية تجاه دار الحكومة السنية (السراي الحكومي الأول)»، وإنه «بلغت أكلافها نحو الف وخمسماية ليرة عثمانية».

يذكر أن حكمت بك الشريف كان باش كاتب المجلس البلدي في طرابلس اللبنانية، ومأمور المراقبة سنة 1323 هجرية، أما لقب «غازي» فهو لقب لأعلى رتبة عسكرية في التنظيم العسكري للجيش العثماني.

وأكد رئيس لجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس خالد تدمري لـ«القدس العربي»: «أن رئيس بلدية اسطنبول الكبرى قادر طوباش والسكرتير العام لمنظمة الحكومات المحلية في الشرق الأوسط UCLG محمد دومان، أشرفا على عملية رفع مجسم لبرج ساعة التل وسط مدينة طرابلس في حديقة مينياتورك في اسطنبول.

واعتبر أن رفع المجسم هو إنجاز جديد يصب في إطار دعم الدعاية السياحية لمدينة طرابلس التاريخية ومعالمها الأثرية، لافتا الى ان الحديقة عالمية وتعد واحدة من 17 حديقة مماثلة للمجسمات المعمارية حول العالم، إذ يزورها سنويا ما يفوق عن مليون ونصف سائح، وهذا إنجاز جديد يصب في إطار دعم الدعاية السياحية لمدينة طرابلس التاريخية ومعالمها الأثرية.

وأبان تدمري أن الساعة واصلت العمل منذ بداية تشييدها فشهدت دقائقها الحربين العالمية الأولى والثانية، ولم تتوقف عن العمل حتى اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت زهاء 15 عامًا، حيث سقطت عقاربها وأرقامها الواحدة تلو الأخرى تحت لهو أعيرة القناصة وسرق قلبها الميكانيكي.

تعرض برج ساعة التل في مدينة طرابلس، خلال سنوات الحرب التي شهدها لبنان بعد العام 1975، للإعتداءات والرمي برصاص المسلحين الذين كانوا يتباهون بدقة إصابة الساعة أعلى البرج، فهذا يراهن على إصابة الرقم واحـد وذاك على الرقم خمسة. فكانت عقارب الساعة، بوجوهها الأربعة، تتساقط الواحدة تلو الأخـرى، وأرقامها تختفي أثر بعضها… حتى باتت خرساء عوراء!

ثم عادت الساعة للعمل في الـ 26 من شهر نيسان / أبريل لعام 2016م بجهاز إلكتروني وإضاءة مميزة احتفالاً بيوم تأسيس طرابلس في ذكرى تحريرها من يد الفرنجة على يد السلطان المنصور قلاوون أحد أشهر سلاطين المماليك عام 1289م وذكرى مرور 130 عامًا على تأسيس ساحة التل.

وأعلنت بلدية ​طرابلس​ في بيان عن انتهاء أعمال ترميم برج الساعة الحميدية – ساعة السلطان عبد الحميد وسط التل في طرابلس عام 2016، ولفتت الى أن الاعمال تمت بهبة من رئاسة الوزراء التركية وبالتعاون مع لجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس، وبإشراف رئيس البلدية ​عامر الطيب الرافعي​، وأشارت الى أن برج ساعة التل اليوم وسط مدينة طرابلس يتألق بالإنارة الهندسية الجميلة والحجارة التراثية.

القدس العربي