//Put this in the section

ماذا يعني اهتزاز صرح عريق كالجامعة الأميركية وتعرُّض لبنان الثقافي للخطر؟

الطريق طوال شارع بلسّ، حيث الجامعة الأميركية منذ العام 1866، مكتظّ بالأحلام واتّساع السماء. زحمة طلّاب وحركة نقاش ووجوه تعلن التهام الحياة. بديع المشهد في هذه المنطقة البيروتية الملوّنة بالتعدُّد والرأي ومساحات الضوء، بناسه وحركته الطالبية والمكتبات وعراقة التاريخ. نداء من فضلو خوري يُنذر بالويلات: “الجامعة تواجه واحدة من أكبر الأزمات منذ تأسيسها”، متحدّثاً عن “تلاقي المصائب”، أي الانهيار الدراماتيكي للاقتصاد اللبناني واجتياح الوباء ودخول العالم في نفق، مستبعداً تحسُّن الوضع قبل سنوات. نكرّرها دائماً: آه يا بيروت وآهات يا لبنان. أين كنّا وأين أصبحنا، فلا آفاق ولا آمال. ليس المطروح فحسب بقاء صرح تاريخيّ عريق كالجامعة الأميركية، بل ثباته في الصدارة والقمم وأعلى المستويات. بعد نداء أول دقّ الأجراس وأطلق الصافرات، يهدّئ فضلو خوري النبرة، مع مسحة تفاؤل: “الجامعة مستمرّة وباقية برغم الأزمات”. تخبُّط حيِّز ثقافيّ كـ”الأميركية”، هو تخبُّط وطن الحداثة والريادة، فماذا يعني هذا الاهتزاز، وأن تُصاب المداميك الراسخة للبنان الحضاري بالارتجاج المادي والمعنوي، بما يُلحق الضرر بمناعته ودوره؟ وأي لبنان ثقافي، أكاديمي، تربوي، هو هذا الذي يتعرّض للخطر؟ برغم ضبط فضلو خوري إيقاعات التهويل، إلا أنّ المخاوف لم تنظفئ. اهتزاز الجامعة الأميركية ينذر بارتباك القطاع التعليمي برمّته، فإن تهاوى، أدخل معه لبنان المنارة في الهوة الحالكة ومستنقعات الخواء القيميّ، فتُشرَّع النهاية عندها على جنائزية الكيان ونواحه.

معضلة الإغراء




دخل الدكتور رضوان السيّد الجامعة الأميركية في العام 2016 بعد تقاعده من “اللبنانية”. يسمع فضلو خوري يتحدّث عن خسائر بالملايين، فيعقّب: “الجامعات الكبرى بأسرها تشكو، وإن كانت لا تُلحِق الشكوى بالأرقام”، ثم يفنّد أسباب الوضع المأسوي باتّجاهات ثلاثة: “الخوف من أن تقلّ نسبة الطلاب في العام المقبل بمعدّل 20 إلى 30 في المئة، لارتفاع رسوم الدراسة؛ تأثُّر رواتب الأساتذة بفارق سعر صرف الدولار، كونهم يتقاضونها بالليرة اللبنانية؛ وخسائر تهدّد ملف الاستثمار في المشاريع العلمية، أهمّها المشروع الاستشفائي الكبير، جرّاء تضخُّم عدد الأطباء والموظّفين وارتفاع أسعار الأدوية والأدوات”. بكلمتين يُوصّف: “المتاعب شديدة”. يخشى الكاتب والأكاديمي والسياسي اللبناني، من ضرب الجامعة بنوعية طلّابها ومغادرة الأساتذة الكبار طاقمها، مما يخرِّب معادلات الإبداع والتميُّز. أخبره مرّة أستاذ ألمانيّ أنّ الحصول على كرسيّ أو وظيفة في الجامعة، يضمن له راتباً أعلى من راتب يتقاضاه مقابل التعليم في برلين. “الجامعة مغرية. هي ليست مهدّدة بوجودها، بل بمستواها. فإن لم تبقَ مغرية لطلّابها وأساتذتها، فهنا المعضلة”.

يعود إلى استغاثة فضلو خوري وقرار الجامعة اتّخاذ إجراءات مُنقِذة. شكا إليه زملاء أنّ الأسلوب أمكن أن يكون مغايراً، فيوصل الرسالة من دون ضخّ الرعب، خصوصاً أنّه تعدّل فاستقرَّ على شيء من الطمأنة. لا يوافق على الإيحاء بأنّ الجامعة مهدَّدة في وجودها، وبرأيه، الخسائر تطاول أكثر مستشفى الجامعة، حيث الكلام عن تسريح المئات. لا يتعامل مع الوضع بنكران: “الضربة قاضية جرّاء السقوط الاقتصادي وتلاعب الدولار وهجرة الكفاءات”، واصفاً المال بـ”الجبان”، يغادر فوراً عند أول إحساس بالخطر، تماماً كهجرة الطاقات المبدعة مع موت الفرص وفقدان الأمان. نشكو الوجع على لبنان المنارة وهو يتلوّع كأم هجرها الأبناء، فيضيف إلى الشكوى وقائع من خبرات العُمر: “أهمّ الشعراء والكتّاب لم يكونوا خرّيجي (الأميركية)، فالجامعة اللبنانية صنعت نحو 70 إلى 80 في المئة من الحياة الثقافية، ومسار الشعر والرواية والكتابات الفكرية والنقدية، فيما اتّجه اهتمام الجامعات الأخرى نحو الطبّ والهندسة والرياضيات والتكنولوجيا، أي العلوم التطبيقية. أما اليوم، فالحياة الثقافية تتراجع، والكتّاب الجدد قلّة”. يكرّر المعادلة: “العلم مثل المال، يريد الأمان”، ويُذكّر بالنقاش أيام الرئيس الشهيد رفيق الحريري: “أيّهما أولى، الاهتمام بالبشر أو بالحجر؟”. تبدّلت النقاشات بعد الـ2006، مع تأجّج صراع سياسيّ رهيب يتعلّق بانتماء لبنان ومساره وهويته، وتبدّلت معها النظرة إلى الصورة والسُمعة. استعادة العافية رهن استعادة الثقة بالقطاعات والدولة والأمن والأيام. طريق الأشواك وعذاب الانتظار…

خسوف معنى لبنان

“الجامعة الأميركية حالة ذهنية وعاطفية لكلّ مَن مرّ بحرمها”، يبدأ الأكاديمي والشاعر أمين ألبرت الريحاني الكلام عن دورها كمختبر حديث متقدّم لمواكبة المستقبل وهندسة العالم الآتي وتصميم الجسور العابرة للمعتقدات والأوطان: “لا يمكن مثل هذا الحَرَم أن يُمَسّ”، يجزم كحبيب واثق بجمال روح حبيبه. لكنّنا في القعر، دكتور، والاهتزاز في كلّ مكان، فيجيب بنَفَس فضلو خوري: “تاريخ الجامعة تغلّب على جميع المحن السابقة التي عصفت بلبنان والشرق الأوسط، فلم تتنازل عن دورها ولا عن مبادئها الليبراليّة ومعتقداتها الإنسانية المبنية على أسس الحريّة والعدالة والتعدديّة والانفتاح على الآخرين، ولا عن منهجيّتها المبنية على حريّة البحث والتفكير والمعتقد، هي التي وصلت إلى طليعة الجامعات العالمية، مثبتة جدارتها في صيانة مستويات رفيعة في التعليم والتأليف، منتقلة بثقة كبيرة من تدريس المعرفة واستهلاكها إلى إنتاجها وتطويرها”.

“عن أي لبنان نتحدّث؟”، يسأل ويجيب: “من غريب المصادفات أنّ المِحَن تعصف بنا وسط الذكرى المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير. كأنّ امتحان المئوية الأولى قد جاء من أصعب الامتحانات التي مرّ بها لبنان في تاريخه الحديث، وهو تاريخه النهضوي والثقافي والفكري والتنويري الذي شكّل التأسيس الفعلي للنهضة العربية مع القرنين التاسع عشر والعشرين”. ثم يتأسّف: “لبنان القيم الثقافية والحضارية والتربوية يتعرّض اليوم للخطر عينه الذي يقرع أبواب الجامعة الأميركية، طالباً رأس منارتها، وحقيقة تاريخها العريق”، ويتساءل: “فإن أُطفِئَت المنارة، بأي نور تُضاء؟ إنها عملية انتحار جماعيّ ومَحوٍ مخيف للصروح العلميّة التي شيّدناها، فهل نتصوّر أن نخسر كلّ هذه القيم لأنّ الجامعة لم يعد باستطاعتها أن تبقى صامدة في وجه الريح؟”. يختم بلسان لبنان المقهور: “لو يدرك أهل السلطة طبيعة هذه المأساة، لاستقالوا جميعاً حياءً وخجلاً، حتى تعود منارة الجامعة مشعّة كما عرفناها منذ 150 عاماً حتى اليوم”.

“في أمل”؟

تعني الجامعة الأميركية الكثير للأكاديمي والوزير السابق طارق متري. يُقلقه واقع التعليم في لبنان والتهديد الوجودي للمدارس، أكثر من قلقه على الجامعات، بأهمية هذا القلق. شعر برهبة نداء فضلو خوري عندما أخاف اللبنانيين الحريصين على استمرار الجامعة، فإذا برسالته الثانية تؤكّد القدرة على المواجهة، وإن بإجراءات مؤلمة. كيف يمكن إنقاذ هذا الصرح؟ “الأولوية لطلابها، فالأساتذة، والباقي يأتي. أي محاولة لعصر النفقات أو الدخول في إجراءات التقشُّف أو تخفيض الميزانية، ينبغي ألا تؤدّي لعبء أكبر على الطلاب، فيتحوّل المكان من كونه مساراً للتنوُّع، ليُحصر بالطبقة الميسورة”. يخشى تراجع مبادرات توزيع المنح، فتُحرَم الجامعة طاقات نابغة من الطبقتين المتوسّطة والدنيا. يستعيد أيامَ كان طالباً فيها، حين رافق أصدقاء من مختلف الجنسيات. آنذاك، كانت بيروت ملتقى للمثقفين العرب، ثم راح الدور ينحسر بعد الحرب الأهلية، وازداد تضاؤلاً مع تشييد الدول العربية جامعات كبرى ومؤسسات تعليمية راقية. واليوم دكتور؟ “تردّي الأحوال يُفقده جزءاً من دوره، لكنّ الجزء الآخر لا يزال يتوهّج. نخاف أن تُجهِز الأزمة على القليل الباقي من لبنان الثقافة. انشالله لأ”، يختم بأمل. “إيه في أمل”، بيطلع من ملل ووجع…

المصدر: النهار