//Put this in the section

طرابلس: أنا أمّ الفقير قد أغفر لمرتزِقٍ مأجور لكنّي أزدري العميل والغنيّ المنعدم الضمير

عقل العويط – النهار

أنا المدينةُ الأبيّةُ الصابرةُ المعذّبة، أطلب ما يأتي من أهلي، وممَّن يكرهونني وأهلي: فليصمت عازفو الموت، ولتتوقّف على الفور هذه المعزوفة الجهنّمية اللئيمة. اسحبوا أُجَراءكم وأزلامكم وجواسيسكم وعملاءكم من الشوارع والأزقّة. كفّوا جرائمكم. وارعووا. أوقِفوا تكسير البدن ونهش الروح ونزف الدمّ. ثمّ ارفعوا أيديكم عنّي. هذه لستُ أنا. هذه لستُ أنا. لم أعد أتحمّل يدًا عليَّ من داخلٍ، ولا يدًا عليَّ من خارج. حياتي عزيزةٌ، وأهلي يعزّ عليَّ أنْ يناموا على ضيم. اخلعوا أحذيتكم، قبل أنْ تدخلوا. وادخلوني آمنين مطمئنّين. وإذا لا بدّ من إقامة، فلتكن على طريقة الأحرار والفرسان والشرفاء والنبلاء والأصدقاء والودعاء. وإلّا حفاةً مطأطِئين.




… وأنتِ، أيّتها المدينة المثلّثة، “ثالوثُكِ” برٌّ وتلّةٌ وبحر. وميزانُكِ عادلٌ لليل والنهار، للوجع وللفرح، ومُعادِل بين الأزل والأبد. ميناؤكِ قنديلٌ لزوارق المتوسّط، وشِباكٌ طيّبةٌ تُلقى في اليمّ، على مقربة، للبحّارة وللصيّادين. نبعُكِ يَدُكِ. وهو عميقٌ ومفتوحٌ ونقيٌّ وكريمٌ وفوّار. يشرّفكِ أنْ تكوني سعيدةً، ومرفوعةَ الجبين، فلا أحد يوازيكِ في اللقمة والطحين. ويشرّفكِ أنْ تكوني غنيّةً وفريدةً بين الأمّهات، فلا أمومة توازيكِ في الأمومة. وأنتِ عطاؤكِ جمٌّ، وبلا مقابل. وأنتِ غفرانُكِ متواضعٌ وحييٌّ. تمنحين القمح لطالبيه ولغير طالبيه. وإذا عزّ الخبزُ، عند الفقير كما عند المستور والغنيّ، فأنتِ تمنحين لحمَ القلب، وتُرشدين إلى البيدر والحلوى والقفير. وأنتِ مُولِمٌ بيتُكِ في النهار للقاصدين. وأنتِ مفتوحةٌ أبوابُكِ في الليل للتائهين والعابرين. وأنتِ لا تضيقين صدرًا، ولا تردّين طلبًا. وأنتِ لا تُعاتِبين. وأنتِ لا تعاملين بالمثل، إلّا إذا كان المثل عزيزًا وأبيًّا. فأنتِ ليس عندكِ موضعٌ للحقد، ولا للحاقدين. وأنتِ تسامحين. كأنّكِ مزيجٌ من رحمةِ قرآنٍ وإنجيل. وأنتِ – يا لَسموّكِ (بل يا لخطيئتكِ!) – تترفّقين بمستعبِديكِ وكارهيكِ وقَتَلَتِكِ. وأنتِ تغضّين الطرف، وتتعالَين. فأنتِ تتعالَين لأنّكِ عالية. وهذا دأبُكِ حين تتعالَين على كلّ إهانة. وأنتِ تغضّين، لأنّ من شِيَمكِ أنْ تغضّي، كما لو كنتِ تغضّين عن كلِّ عقوقٍ جاهلٍ وأرعن. وأنتِ تسامحين، لأنّكِ سماحٌ ليس في مقدوره إلّا أنْ يسمح ويتسامح. وأنتِ تسامحين، كما لو كنتِ تسامحين ولدًا ضَحوكًا يتشيطن في حديقةٍ، أو في ملعب مدرسةٍ، أو في نصرٍ صبيانيٍّ مبين. وأنتِ التي يُهرَع إليكِ مثلما يهرع طفلٌ مرتعبٌ إلى حضن أمّه، أو حضن جدّتيه لأمّه وأبيه. وأنتِ التي ثوبُكِ حنونٌ ومضمّخٌ برائحة البحر، من جهات البحر. وأنتِ التي ثوبُكِ مضمّخٌ بموسيقى الياسمين والبرتقال من جهات البرتقال والياسمين. وأنتِ التي نهرُكِ دموعٌ وينبوعٌ، وهو نهرٌ يطرّي ويروي ويسقي. وأنتِ التي قلعتُكِ عمرانُ استشراقِ مستشرِقٍ، لكنّها هي أيضًا حبٌّ وشغفٌ وكِبَرٌ وَغَدٌ واثقٌ وهواجسُ حنين. وأنتِ التي شموسُ قناطرِكِ المتآخية المتوائمة المتلاحقة في الأزقّة الداخليّة، روضةٌ لذاتها، وبذاتها، وروضةٌ للناظرين. وأنتِ التي حنانُكِ هو الحنان. وأنتِ الرفقُ الذي هو الرفق. وأنتِ التي حديقتُكِ البلديّةُ المعمِّرةُ، مقاعدُ شِعرٍ، وظلالُ هندسةٍ، وارتماءُ صنجٍ ورنين. وأنتِ التي مدارسُكِ مدارس. وأنتِ التي منتدياتُكِ أدبٌ وأفكارٌ لا تيأس من تألّق الأفكار. وأنتِ التي مقاهيكِ طاولاتُ نردٍ، وحكاياتُ فناجين، وأقوالُ جرائد، وغيومُ أراكيل، ووشوشاتُ زبدٍ وموجٍ ونورسٍ وبحر. وأنتِ التي باعَتُكِ نداءاتُ ولعٍ، وطقوسُ فتنةٍ وصداقةٍ، ودعواتٌ للشقاوة والأمل والربح الضئيل. وأنتِ التي طيبةُ سائقي الأجرة فيكِ، أرقّ من وقتِ الفجر وموعدِ إيابِ الشمس إلى الأفق البعيد. وأنتِ التي جُزُرُكِ الثلاثُ “ثالوثٌ” في البحر، ينده “الثالوث” الذي في البرّ. وأنتِ التي لا وقتَ عندكِ للهرب من الأتعاب، ولا لراحة البال. وأنتِ التي كفاحُكِ يبدأ قبل صياح الديك، مع وداعة الأجراس ووعود المآذن. وأنتِ التي يمكنكِ أنْ تعيشي من تلقاء ذاتكِ، مثلما ينمو عصفورٌ يتيمٌ في خيال أمّه القتيل. وأنتِ التي تتنزّهين وتخطرين في بساتين الليمون، مثلما يمرّ يمامٌ في غيمةٍ ونسيم. وأنتِ التي لا ينال منكِ جرحٌ، ولا يستولي عليكِ ضيم. وأنتِ التي يتدفّق عليكِ التاريخ من التاريخ. وأنتِ التي يتدفّق الحاضر عليكِ من الحاضر ومن غده القريب. وأنتِ التي يأتيكِ المعوزون والأوادم وأهل الخير من السهول، من الأودية، من الأعالي، ومن أحلامٍ مضرّجة، بحثًا عن كيس الفقير. وأنتِ التي تُغنّيكِ الأغنيةُ، وتعزف لكِ الحساسين. وأنتِ التي سمكُكِ غفيرٌ في القرّ والحرّ، وفي صخب العيش كما في السنوات الجاف. وأنتِ التي رغيفُكِ يُشبِع ويفتح المدارس ويضيء الطريق. وأنتِ التي ثوّارُكِ ثوّار. وأهلُكِ الأكارمُ أكارم. وكتّابُكِ كتّاب. وشعراؤكِ شعراء. وفنّانوكِ فنّانون. ومؤرِّخوكِ مؤرِّخون. ومتصوِّفوكِ متصوِّفة. وشهداؤكِ شهداء.

* * *

… وبعدُ، أنا أمّ الفقير، المدينةُ التي لم تعد تتحمّل يدًا عليها، لا من داخلٍ ولا من خارج؛ أنا التي تريد أنْ تنام وتحلم، وأنا التي تريد أنْ تستيقظ لتشمّ رائحة البنّ والبحر، وأنا التي تريد أنْ تذهب إلى الأشغال والأعمال، طَرقًا لنحاس الزمان، قد أغفر للمرتزِق المأجور، والأزعر المأمور، لكنّي أزدري العميل و”أهلًا” سوبر أغنياء ومترفين، منعدمي الوجدان والضمير.