//Put this in the section

نصرالله في البلاغ الرقم 1 ضد قانون قيصر: أنا القيصر!

أحمد عياش – النهار

لم تكن إطلالة الأمين العام لـ”حزب الله” السيد #حسن_نصر_الله عشية تطبيق “قانون قيصر”، عادية على الإطلاق، حسب تقييم الخبراء الذين استطلعتهم “النهار”. والسبب الذي دفع هؤلاء الخبراء إلى اعتبار إطلالة زعيم المقاومة الأخيرة، إستثنائية، هو المواقف التي أطلقها والتي تمثل حسب رأيهم، برنامج عمل يجب متابعة تنفيذه من الآن فصاعداً. فماذا في هذا البرنامج؟




ما لفت المراقبين خروج نصرالله عن هدوئه وتحوّله إلى التشدد الكامل عندما كان يستعرض كل الضغوط التي يتعرّض لها الحزب في سياق الأزمات التي تعرّض لها لبنان ولا يزال منذ 17 تشرين الأول الماضي، ما أوصل إلى الربط ما بين تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1559 والخروج من الأزمة الاقتصادية. من هنا بدا نصرالله غاضباً جداً في قوله: “الذي يضعنا ما بين خيارين: “يا نقتلك بالسلاح يا نقتلك بالجوع، أقول له‏، سيبقى سلاحنا في أيدينا ولن نجوع ونحن سنقتلك، نحن سنقتلك، نحن سنقتلك”.

على أهمية هذا الموقف الرافض إطلاقاً لأي بحث في سلاح الحزب، يعتبر المراقبون أن الأساس لكل ما طرحه نصرالله بالأمس هو الاستعداد لمرحلة بدأت الآن، وستمضي إلى فرض تغيير استراتيجي في سوريا، ليس بفعل العقوبات التي لا سابق لها في “قانون قيصر” فحسب، بل بفعل قانون “لعبة الأمم” التي بدأت تتوضح معالمها في الميدان السوري الذي يزدحم فيه اللاعبون الكبار والصغار على السواء. ومن الأمثلة الحديثة جداً على هذه “اللعبة” ما ظهر في محادثات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مع نظيره الروسي سيرغي لافروف بالأمس في موسكو. ففيما أعلن ظريف أن بلاده “تعمل مع الأصدقاء لتطوير الوضع الاقتصادي لسوريا”، اكتفى المسؤولون الروس بالحديث عن “متابعة المفاوضات السياسية عبر مسار أستانا”، من دون الإشارة مباشرة إلى “قانون قيصر” وتداعياته وسبل التعامل معه. ولم يُخفَ عن المراقبين أن هناك “لغتين” لموسكو وطهران في متابعة الملف السوري من الآن فصاعداً.

لم يكن يدري نصرالله وهو يعلن عن خطة إنقاذية للبنان قائلاً إن ما يطرحه هو غير منسّق مسبقاً مع طهران، أن وزير الخارجية الإيرانية كان يعلن شيئاً مشابهاً في موسكو، هو في ظاهره يتعلق بسوريا فقط، في حين أنه يشمل في جوهره لبنان أيضاً، ما يعني أن الجمهورية الإسلامية تتعامل مع مرحلة “قانون قيصر” على أساس أن سوريا ولبنان في إطار واحد. فقد تحدث ظريف في العاصمة الروسية عن “خط ائتماني في إيران (لسوريا)، وسنفعّل كل وسائل التعاون”. وأتت مواقف الوزير الإيراني في الوقت الذي كانت تشق فيه ناقلة نفط إيرانية طريقها نحو السواحل السورية، فيما يجري الحديث عن تجهيز ناقلات إيرانية أخرى في الأيام المقبلة. ألاَ يشبه كلام ظريف والمعلومات المتصلة به، ما قاله نصرالله مساء الثلثاء: “هل يمكننا إيجاد دولة مثلاً إقليمية صديقة قريبة بعيدة مثلاً الحرف الأول من اسمها إيران، لأن كل الناس يفهمون عليّ، تستطيع أن تبيع الدولة اللبنانية بنزين، غاز، مازوت، فيول، مشتقات نفطية، بتروكيميائيات، وفينا نتوسّع نروح على الإحتياجات التانية؟”.

ماذا يعني الضغط الذي باشره نصرالله في مواجهة موجبات “قانون قيصر”؟ لم يُخفَ على المراقبين أن الأمين العام لـ”حزب الله” أصدر توجيهاً للمسؤولين في لبنان على كل المستويات يدعوهم فيه إلى الاستعداد للعمل بموجب المخطط الإيراني الذي سيمضي، ولو بمعزل عن روسيا، كي يمنع القانون الأميركي من الوصول إلى رحيل الرئيس بشار الاسد ومعه النفوذ الإيراني ضمن صفقة ستكون موسكو في قلبها. ولهذا بدا نصرالله وكأنه يحضّر لـ”أمر ما” عندما قال: “أنا أتكلم للشعب اللبناني: عليك أن تساعدني على ‏المسؤولين اللبنانيين إذا قال المسؤولون اللبنانيون كلا، بصراحة، إذا خافوا من ‏الأميركيين مثلاً، هل يعني سنبقى خائفين من الأميركيين؟”.

لا يبدو أن هناك من المعطيات ما يكفي لمعرفة ما سيذهب إليه نصرالله في الاسابيع المقبلة تنفيذاً للمخطط الإيراني في سوريا. إلا أن هناك ما يكفي من معلومات للتأكيد على أن ساحة النزال الأساسية لتطبيق “قانون قيصر” ستكون لبنان الذي يمثل رئة النفوذ الإيراني في هذه المنطقة. ويقول وزير سابق له خبرة واسعة في ملف “حزب الله” لـ”النهار”، إن الأخطار التي تتهدد لبنان حالياً تفرض استقالة الحكومة الحالية التي باتت “أكثر من ضرورية لحماية الشعب اللبناني من الكوارث المقبلة”. أضاف: “إنها حكومة الدويلة التي أسقطت الدولة، ومن أخطر ما أقدمت عليه الحكومة أخيراً هو ما يشبه السطو على تعيينات القطاع المالي وخصوصاً تعيينات المصرف المركزي”. وخلص إلى القول: “لقد وضع حزب الله يده عملياً على القطاع المالي. فعلى رغم أن الحزب رضخ ظاهرياً لعدم القدرة على الإطاحة بحاكم مصرف لبنان، لكنه استطاع عملياً الإحاطة بمجموعة من كاتبي التقارير وناقلي الرسائل”.

في العودة إلى الخبراء الذين استطلعتهم “النهار”، يقول هؤلاء إن نصرالله تصرّف بالإجمال على طريقة منفّذي الانقلابات الذين يستهلون انقلاباتهم بـ”البلاغ الرقم واحد”، علماً، كما يوضح الخبراء، أن البلاغ الجديد ليس الأول من نوعه منذ أن صارت طهران اللاعب الرئيسي في لبنان العام 2005 بعد انتهاء مرحلة الوصاية السورية، إلا أنّ هذه المرة يأتي في ظروف معقّدة تشير إلى أن لبنان والمنطقة يتحضّران لتغييرات مهمة.

يستعيد اليوم بعضُ من عاصر المرحلة الأخيرة من وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان قبل زواله بعد الاجتياح الاسرائيلي صيف عام 1982. ففي مهرجان تأبيني لمناسبة الذكرى السنوية السادسة لاغتيال الزعيم الاشتراكي كمال جنبلاط، أقيم في مدينة عالية، كان الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات خطيب المناسبة. وأثناء إلقائه كلمته عبرت في سماء المنطقة طائرات حربية إسرائيلية، فعلّق عرفات قائلاً: “أنا في انتظارك يا بيغن (رئيس الوزراء الاسرائيلي في ذلك الوقت)”. وفي أقل من ثلاثة أشهر اجتاحت إسرائيل لبنان وأخرجت منظمة التحرير الفلسطينية منه. العبرة في هذه الواقعة، كما يقول من عاشها، أن هناك فارقاً ما بين إظهار القوة وما بين الفعل الذي تنطوي عليه القوة، وهذا الأمر ينطبق على نصرالله اليوم.

كأن الأمين العام لـ”حزب الله” يعلن حالياً رداً على “قانون قيصر” الأميركي أنه هو “القيصر” في لبنان. لا جدال في أن نصرالله هو “القيصر” في لبنان اليوم، لكن ما هو ليس مضموناً ما سيحصل غداً؟