//Put this in the section

وسط بيروت في قبضة الفوضى: 150 محلاً أُقفل… 60% من العلامات التجارية رحلت والخسائر بالملايين!!

سلوى بعلبكي – النهار

هي بيروت تلك المدينة التي هدمت وطمرت 7 مرات على مر العصور، وكانت تعيد انتاج حضارتها وثقافتها كطائر فينيق يخرج من رماده ليلاعب نسيم الحياة وينتظر ترمّده الجديد. بيروت التي غار منها العرب وأنشد لها نزار قباني اعتذارا “نعترف أن منك كنا نغار، وكان جمالك يؤذينا”. بيروت التي صمدت امام وحش الاحتلال وفلتان العنف. بيروت التي أطفأوا أنوار محالها وشركاتها وغرزوا أحقادهم حرابا في زجاج واجهات محالها وصنعوا من سفالاتهم قنابل مولوتوف واحرقوا ما تبقى من مؤسسات تكابد وتناطح الانهيار للحفاظ على ما تبقى. بيروت هذه “راجعة” من قلب كل هذا السواد لتصنع الثورة بالثوار وليس بالهمجية، بالهتافات لا بالزعيق والسباب، بالأنوار لا بالنار. بيروت “راجعة”… لأن لهذه المدينة أهلا في كل كتاب تطبعه مطبعة، وفي كل عنوان صحيفة، وفي كل فستان تشتريه أمّ من أسواقها لطفلة صغيرة، وفي كل جامعة ومدرسة ومستشفى، وشركة، ومعرض، واغنية، بيروت “راجعة” تمتهن الحياة والحب وليس العتمة والموت.




هذا فيض عاطفي يعكس مرارة ما حصل في وسط بيروت من اعتداءات كشفت “همجية” بعض شباننا العاطلين بمعظمهم عن العمل، والذين لم يصلوا الى هذا الدرك لولا الغطاء من مسؤولين في السلطة والاجهزة والتغذية المذهبية والحزبية التي يتلقونها على مدار الساعة لتخريب ثورة إن كُتب لها النجاح ستطيحهم الى غير رجعة.

أمام الخسائر التي طاولت القطاع التجاري في “الوسط”، يقف وزير الاقتصاد راوول نعمة مكتوفا مع “صعوبة تأمين الدعم له في ظل فقدان الدولار من السوق”. وأقصى ما يمكن ان تقوم به الوزارة هو “دعم السلع الاساسية، وتأمين الدولار لاستيراد هذه المواد”، والذي يعتبر برأي نعمة “أمرا في غاية الاهمية”. كما أن “التخفيف من الاجراءات المتخذة لكورونا، سيساعد نوعا”. ويأسف كون لبنان ليس لديه الامكانات المتوافرة في دول أخرى مثل أميركا وفرنسا والمانيا وغيرها من الدول التي تساعد القطاع التجاري والاقتصادي عموما. هل هذا يعني أن التعويض على المؤسسات في الوسط التجاري أمر صعب المنال؟ يقول نعمة: “لم نتحدث في مجلس الوزراء عن الجهة او كيفية التعويض على هذه المؤسسات، مع أرجحية أن تقوم الهيئة العليا للاغاثة بذلك”.

تشير التقديرات الاولية الى أن الخسائر الناتجة من تحطيم وتكسير المحال التجارية في الوسط التجاري منذء بدء الثورة والتي جاءت على مراحل تقدَّر بنحو 700 مليون دولار. لكن رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير يشكك بهذا الرقم خصوصا أن الخسائر لا تقتصر على التكسير والتحطيم، إذ “يجب ألا ننسى سمعة لبنان، عدا عن أن حركة البيع في المحال التي لا تزال تعمل معدومة”.

المشكلة التي يضيء عليها شقير ايضا هي ان المحال التي اقفلت أبوابها لن تجد أي مستثمر جديد ليستأجرها، علما ان ادارة “سوليدير” تشجعهم على البقاء بتسهيلات بالدفع أو حتى عدم الدفع في هذه الفترة، ولكن أصحاب المحال يرفضون بسبب عدم قدرتهم على دفع رواتب الموظفين وفواتير الكهرباء ورسوم الصيانة والبلدية.

هل من أمل؟ لا يبدو شقير متفائلا بهذه الحكومة التي أعدمت الثقة من خلال التعيينات والقرارات العشوائية، إذا “لم توضع الثقة في البلاد على السكة بالتوازي مع توفير السيولة، عبر صندوق النقد والعلاقات الجيدة مع الدول الخليجية، فإن الامور ستنحو الى الأسوأ، وسيلامس سعر صرف الدولار العشرة آلاف ليرة”.

ولكن هل سيضخ صندوق النقد الاموال؟ يقول شقير: “الثقة هي الاساس، بدليل أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أرسى الثقة عبر قوانين جديدة، فحصل من دول الخليج على 25 مليار دولار ضخوها في مشاريع حيوية، كما حصل من البنك الدولي على 17 مليارا وأخيرا تلقى 5 مليارات دولار… أما حكومتنا فلا آمل منها خيرا. قالوا إنها حكومة تكنوقراط واختصاصيين، ولكن تبين أنه شعار كاذب”.

هيئة الاغاثة ستدفع… ولكن أين الاموال؟

بعدما كلف رئيس مجلس الوزراء حسان دياب الأمين العام للهيئة العليا للاغاثة اللواء محمد خير إجراء مسح ميداني للأضرار التي أصابت المؤسسات التجارية والأملاك العامة والخاصة في وسط بيروت، كانت للأخير زيارة الى الوسط يرافقه رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني.

فيما تشير التقديرات غير الرسمية الى أن قيمة الاضرار تجاوزت المليار ليرة لبنانية، أكد الخير لـ”النهار” ان “نحو 17 مؤسسة ومحلا تجاريا تضررت في اعتداءات السبت الماضي، وأول من أمس انتهت الهيئة والجيش اللبناني من اجراء الكشف الميداني على الاضرار على ان يصدر التقرير بالارقام النهائية بعد يومين تقريبا. وبعد أن يردنا التقرير من وزارة الدفاع، سأعرضه على مجلس الوزراء الذي ما ان يوافق عليه ويؤمن الاموال اللازمة له حتى تباشر الهيئة دفع التعويضات للمؤسسات المتضررة”.

هروب الماركات العالمية!

يعتبر قطاع تراخيص الامتياز في لبنان السبّاق بين نظرائه في الدول العربية، بشهادة الاتحاد الأوروبي. فحجم هذا القطاع الذي كان يقدر في الاعوام القليلة الماضية نحو 1.6 مليار دولار، أي نحو 5% من الناتج المحلي، ويؤمن نحو 99 ألف وظيفة، ويتوزع على 5500 نقطة بيع و1200 مفهوم تسويقي، 450 منها مفاهيم تسويقية لبنانية و750 مفاهيم تسويقية أجنبية، أصبح الآن على حافة الانهيار وخصوصا في ظل تسارع خروج العلامات التجارية العالمية من لبنان. إذ يشير رئيس الجمعية اللبنانية لتراخيص الامتياز (الفرانشايز) يحيى قصعة الى أن نحو 65% من صناعة “الفرانشايز” تراجعت أعمالها، فيما بدأ نحو 65% من الماركات الاجنبية الخروج من لبنان وخصوصا العلامات التجارية التي تتعلق بقطاع الكماليات والالبسة، كونها تجد صعوبة في الاستمرار في هذا المجال، وما ارقام ونتائج اعمال مرفأ بيروت الاخيرة، والتي تظهر تراجعا في الشحن العام بنسبة 38% إلا أكبر دليل على تراجع حجم الاعمال.

الخضات التي يشهدها الاقتصاد اللبناني لا تعد ولا تحصى، ولكن ما حصل من تكسير واعتداءات في الوسط التجاري كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير أقله في المنطقة تحديدا، إذ اعطى الذريعة للناس بعدم زيارتها على رغم أن بعض المؤسسات تعالت على جرحها وعاودت مزاولة اعمالها، وفق قصعة.

واذا كانت الخسائر المادية مقدورا عليها وخصوصا حيال الاعتداءات الاخيرة، إلا أن المشكلة برأي قصعة هي في “تراكم الخسائر الناتجة من عدم التعويض عن أضرار الاعتداءات وعدم البيع وارتفاع سعر الصرف بما يفضي الى قرار المستثمرين العدول عن اعادة فتح ابواب مؤسساتهم”.

وبما أن الامل مفقود حاليا في لبنان، يأمل قصعة في “أسواق الخارج التي كانت ولا تزال أساسية لتراخيص الامتياز اللبنانية مثل أسواق قطر والامارات والسعودية التي توقفت نحو 3 أشهر بسبب “كورونا”، ولكنها تعود تدريجا، وهذا أمر ايجابي لنا كونها تؤمن الـ fresh Money”.

ينطلق قصعة من مقولة “إن أردت أن تطاع فاطلب المستطاع” ليطلب من الدولة التي “نعرف وضعها المالي”، ان “تنير الطريق أمامنا لكي نعرف الى اين المصير. منذ 6 أشهر ندور وندور في فلكنا من دون ان نعرف السكة الواجب اتباعها… إذ لا نريد من الحكومة سوى أن تقول ماذا تريد واي اقتصاد تريد لكي نكون على بينة وننظم امورنا. ولكن المشكلة اننا نتخبط في العتمة، من دون أن يشركوا القطاع الخاص في مخططاتهم، مع عدم معرفة بخصائص السوق وكيفية تعزيزها بالقيمة المضافة التي كانت ولا تزال مصدر قوتنا. فكل همهم اليوم كيف يؤمنون السكر والرز وعلبة التونا… إضافة الى ترقب سعر الدولار”.

وفي ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وتركيز همهم الاقصى على تأمين المواد الغذائية لعائلاتهم، ثمة تخوف من تراجع قطاعات الاعمال الأخرى في سلسلة قطاع تراخيص الامتياز، ويؤكد قصعة أن “القطاعات التي لا تعطي قيمة مضافة فإنها ستضرر حتما، ولن يكون في مقدورها المقاومة مثل القطاعات التي تعتمد على التصنيع وتلك التي يمكن أن تؤمن قيمة مضافة للبنان. أما قطاع تراخيص الامتياز المستورد الذي يعتمد خصوصا الكماليات والالبسة والازياء فهو من أكثر القطاعات المتضررة كونه يرتكز على العملات الاجنبية، علما أنه كان بدأ بالتراجع قبل الدخول في الازمة الحالية”. وإذ توقع أن تغادر الكثير من الماركات العالمية السوق اللبنانية، قال: “الذي يمنح الامتياز يمكن أن يصمد أكثر من مستورد الامتياز او الماركات الأجنبية، باعتبار أنهم يحتاجون الى الدولار لتأمين شروط بقائهم واستمراريتهم”.

ولا يأمل قصعة في إمكان حصول لبنان على أموال من صندوق النقد، إذ قال: “طاقة الدولة كلها مركزة على المفاوضات مع صندوق النقد الذي استبعد أن يعطينا الاموال، لذلك يجب التركيز أكثر على ما يمكنه تعزيز صمودنا في هذه الأوضاع”.

جورج شهوان: سنحمل السلاح!

غالبية المؤسسات التي تعرضت للتحطيم والتكسير موجودة في مجمعين يملكهما رجل الاعمال جورج شهوان. وهي ليست المرة الاولى التي يقوم بها “المخربون” بتحطيم واجهات المحال فيهما. ففي بداية الثورة عاث هؤلاء خرابا بالمبنيين وتسببوا بقتل شخصين كانا في أحد المبنيين. وهم عاودوا الكرة الاسبوع الماضي، فقاموا بتحطيم وتكسير المحال التجارية من دون أن تعمد القوى الامنية الى توقيف الفاعلين، علما أن وجوههم معروفة، ويأتي ذلك في ظل غياب موقف حازم من نواب بيروت، وفق ما يقول شهوان. ويقدر الخسائر التي مُني بها جراء هذه الاعتداءات نحو 3 ملايين دولار، إلا ان “الجهة التي ستقوم بالتعويض غير معروفة حتى الآن، فيما ترفض شركات التأمين التعويض على اعتبار أن الأضرار ناتجة من أعمال الشغب ولا تشملها التغطية، في وقت يطرح نواب بيروت أن تقوم البلدية بالتعويض عن هذه الخسائر”.

وفيما الصورة لا تزال ضبابية حيال إمكان التعويض، خصوصا أن اصحاب المحال لم يحصلوا على تعويضات الاضرار التي تسببت بها الاعتداءات التي حصلت في بداية الثورة، إلا أن الاهم برأي شهوان هو “تأمين التغطية الامنية والتنسيق في ما بين القوى الأمنية والاحزاب لضبط الوضع والحؤول دون قيام المخربين والمشاغبين مرة جديدة بالعبث بأملاك الناس، لأنه في حال لم تقم هذه القوى بواجباتها، فإننا سنضطر الى حمل السلاح والاستعانة بشركات أمن خاصة لحمايتنا من كل من سيعتدي علينا، وهذا حقنا الطبيعي والمشروع”.

(Roche Bobois): الخسائر كبيرة

حتى الآن لم ينته الخبراء الذين استعان بهم داني حتي مالك مؤسسة Roche Bobois من احصاء الخسائر، ولكنها بالتأكيد خسائر كبيرة وفق ما يقول. فالتحطيم طاول الديكور والبضاعة، كما اتى على الطابق الاول بالكامل. وتشمل الخسائر التوقف عن العمل نحو شهرين للانتهاء من اعمال التصليحات والترميم. حتى سيعاود افتتاح مؤسسته، لكنه يسأل: “من يضمن لنا عدم معاودة الاعتداءات، ومن سيؤمن الحماية لمؤسساتنا؟، علما أن المؤسسات التي تضررت هي في محيط مجلس النواب، ويفترض أن الحراسة مؤمنة ليلا ونهارا”.

DHL مكتب آخر لمتابعة العمل

لم ينتظر وكلاء DHL اعادة تصليح الاضرار التي أصابت مكتبهم، فاستأجروا مكتبا آخر قرب مكتبهم المتضرر الذي قدرت خسائره بنحو 400 ألف دولار.

سياج معنوي وأمني

طمأن رئيس الحكومة حسان دياب الى أن هذه التعديات لن تمر وستكون هناك محاسبة للمعتدين، وسيقام سياج معنوي وأمني حول الوسط التجاري في بيروت التي تشكل قبلة لكل اللبنانيين ومقصدا للإخوان العرب.

عربيد: ما حدث لا يشبه لبنان

ما حدث في الوسط التجاري لا يشبه لبنان ولا اللبنانيين، إذ إن المجتمع اللبناني ليس مجتمع تكسير ولا تعد على املاك الناس. أتمنى من القوى الامنية المحافظة على أملاك الناس وخصوصا المؤسسات كونها تشكل خسائر ليس فقط على اصحابها بل أيضا على الاقتصاد اللبناني وعلى القوى العاملة فيها وديمومة عملها.