//Put this in the section

بعد لغة “الانقلاب والزعران”.. مخاوف من “بطش أمني” في لبنان

نهاية أسبوع حامية شهدها لبنان، عمت خلالها الاحتجاجات والتظاهرات المطلبية كافة المناطق اللبنانية، واشتدت في وسط العاصمة بيروت ومدينة طرابلس شمالا، تنديدا بتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بعدما لامس سعر صرف الليرة اللبنانية 7000 مقابل الدولار الواحد، ليل الجمعة الفائت، وهو رقم قياسي جديد للهبوط الحاد للعملة اللبنانية.

السلطات اللبنانية افتتحت الأسبوع الجديد، خلافا لكل التوقعات، فبينما انتظر اللبنانيون تقديم تفسير لما يجري، وحلول سريعة للواقع المتدهور، جاء الرد على شكل إجراءات أمنية وإعلان نوايا بفرض قبضة أمنية على البلاد من خلال تشديد “الممارسات البوليسية” و”الإجراءات القمعية”، وفق ما وصفها حقوقيون ونشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.




اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، برئاسة الرئيس اللبناني، ميشال عون، وحضور رئيس الحكومة حسان دياب، خرج بتصريحات تنذر بشكل التعاطي المقبل للسلطات اللبنانية مع الاحتجاجات.

“محاولة انقلاب”

عون وصف الاحتجاجات بالأعمال التخريبية الممنهجة، داعياً إلى “ضرورة اعتماد العمليات الاستباقية لتوقيف المخططين والمحرضين”، فيما قفز دياب بتوصيفه للأحداث إلى خانة المؤامرة التي تحاك داخلياً وخارجياً للعبث بالسلم الأهلي وتهديد الاستقرار الأمني”.

وقال إن “الزعران يستبيحون الشوارع ويدمرون البلد ومؤسساته، والدولة تتفرج، لماذا؟”، مضيفا “هذه ليست احتجاجات ضد الجوع والوضع الاقتصادي، هذه عملية تخريب منظمة”.

وشدد، دياب، الذي وصف ما جرى نهار السبت بمحاولة “الانقلاب”، على “وجوب أن يكون هناك قرار حاسم وحازم بالتصدي لهذه الحالة التي تتزايد، يجب توقيف الذين يحرضون والذين يدفعون لهم والذين يديرونهم”.

يرى عضو تجمع “بيروت مدينتي”، طارق عمار، أن “الممارسات القمعية والسلوك البوليسي للسلطة اللبنانية بدأ بالفعل خلال الفترة الماضية، لاسيما في التعاطي الأمني والاستدعاءات إضافة إلى رد الفعل في الشارع وقمع التظاهرات، وليس انتهاءً عند ممارسة التهويل والترهيب بالقانون..”.

السلطات اللبنانية لجأت لقمع المحتجين.
السلطات اللبنانية لجأت لقمع المحتجين.

ويضيف “كنا نحذر من تنامي هذا السلوك وبالتالي لسنا متفاجئين، لكن المفاجئ هو تصريحات صادرة عن حكومة تكنوقراط تضم، كما هو مفترض، أكاديميين ومتخصصين وحاملي شهادات، لاسيما الدكتور حسان دياب، رئيس الحكومة، الذي وصف التحركات الماضية بالزعرنة والانقلابية لتبرير فشلهم في إيجاد مخرج او حل اقتصادي وخطة فعالة لمكافحة الفساد أمر غير مقبول، وإذا ما راجعنا الأداء الحكومي والأمني للسلطة السياسية بإمكاننا وصف ممارساتهم هم بالزعرنة التي نالت من حقوق المواطنين وودائعهم”.

المحامي أيمن رعد، عضو لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين في لبنان، توقف عند وصف “الانقلاب” الذي استخدمه رئيس الحكومة، مؤكدا أنه “على الرغم من أن استخدام المصطلح كان في سياق سياسي، إلا أنه بالبعد القانوني للتوصيف قد يغير من طريقة التعامل الأمني مع الاحتجاجات، فالانقلاب بالقانون يختلف عن الثورة التي تعتبر حقاً للشعوب، بينما الانقلاب يقمع بالقوة”.

“الزعران”.. مؤشر لمرحلة بطش أمني

وحول توصيف “الزعران”، يقول رعد “إن هذه التوصيفات تمثل مؤشر لمرحلة عنف وبطش أمني قادمة من قبل القوى الأمنية والسلطة السياسية، ومن الممكن اعتماداً على توجيهات المجلس الأعلى للدفاع وتوصيفات الرؤساء للمتظاهرين أن يتم استغلال بعض أعمال الشغب المتفرقة بهدف قمع كافة الاحتجاجات السائدة في البلاد..”.

وأردف قائلا “وهذا الأمر يحصل فعلاً خلال فض التظاهرات في وسط بيروت وغيرها لناحية استخدام العنف المفرط والمبالغة في قمع التظاهرات، أو لناحية قمع حرية الرأي والتعبير، وقد بدأنا نشهد استدعاءات أمنية جديدة لناشطين في هذا السياق، بعدما كانت هدأت مع تفشي وباء كورونا، وقد رصدنا استدعاء أكثر من 4 نشطاء خلال الأسبوع الماضي”.

مقررات المجلس الأعلى للدفاع وما تخلله من تصريحات، انعكست قرارات قضائية اتخذت بالتزامن تمس بحرية الرأي والتعبير في البلاد وترفع من مستوى الترهيب الذي تمارسه السلطة السياسية، وفق ما تلاقاها الناشطون.

Lebanese security forces arrest a man during an anti-government protest against dire economic conditions, in the capital Beirut…
توقيف محتج في لبنان.

وكان النائب العام التمييزي، القاضي غسان عويدات، كلف قسم المباحث الجنائية مباشرة التحقيقات لمعرفة هوية الأشخاص الذين عمدوا الى نشر تدوينات وصور تطال مقام رئاسة الجمهورية، وتعليقات تطلب من النيابة العامة التمييزية ملاحقة أصحاب هذه الحسابات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بجرم القدح والذم والتحقير.

كذلك سبق لوزيرة العدل، ماري كلود نجم، أن وجهت إلى القاضي عويدات كتاباً ‏طلبت فيه إجراء التعقبات بحق من يلزم بعد ورود أخبار عبر وسائل التواصل تنال من متانة النقد الوطني حول فقدان الدولار من السوق وارتفاع سعره، وهو ما تلقفه عويدات وسطر بناء عليه اليوم، استنابة قضائية الى المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، بإجراء التحقيقات اللازمة ومخابرته بالنتيجة.

وفي هذا الإطار، رأى المتحدث الإعلامي باسم مؤسسة سمير قصير لنشر الديمقراطية والدفاع عن الحريات، جاد شحرور، أن كل ما صدر من تصريحات رسمية خلال 48 ساعة الماضية تصب في هدف واحد، السلطة اللبنانية تبعث برسالة مفادها أن لبنان “بلد أمني” من غير المسموح التمادي في التعبير عن الرأي المعارض لأداء السلطة ومزاجها، وحتى لو كان الدستور يكفل حرية التعبير.

السلطة تقول للمواطنين “لدينا قوانيننا الصالحة للقمع أيضاً” كما هو حال قانون تحقير رئيس الجمهورية أو عقوبات القدح والذم، بإمكان السلطة من خلالها أن تلاحق كل من يبدي رأيه إن كان صحفياً أو ناشطا عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو مجرد مواطن يعبر عن رأيه، وفق ما يضيف شحرور.

ويتساءل عن مفهوم مصطلح “تحقير الرئاسة” الذي قد يقتصر على الشتم، وقد يمتد إلى أي رأي مخالف لمزاج الرئاسة او نقد لأدائها، قبل أن يؤكد أن السياسة متغلغلة بالقضاء اللبناني إلى مرحلة تمكن السلطة السياسية من تطويع الأداء القضائي ضد المواطن وضد بعضهم البعض في صراعهم على المصالح.

هل تمنع السلطة ارتداء “الشورت”

من جهته، يؤكد المحامي أيمن رعد أن القانون الذي يحاسب على تحقير رئاسة الجمهورية موجود بالفعل في المادة 384 من قانون العقوبات، ولكنه قديم جداً، تم نبشه من الزمن البائد حين كانت حرية التعبير أقل وكانت القوانين القمعية هي السائدة ولم يكن هناك لا وسائل تواصل اجتماعي ولا مدونات ومنصات الكترونية للتعبير، وهو يتعارض مع مقدمة الدستور اللبناني التي تكفل حرية التعبير، ويتعارض مع معاهدات واتفاقيات دولية عدة وقع عليها لبنان ومع شرعة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة، التي تكفل جميعها حرية الرأي والتعبير كقانون إنساني يسمو على القوانين المحلية البالية والجافة.

حتى أن مصطلحات “التحقير والذم” هي مصطلحات فضفاضة، أخضعت القانون لاستنسابية القضاة، ففي حالات عدة استفاد القضاة من ذلك ليصدروا أحكام براءة بحق ناشطين كما جرى عام 2015، لكنه في المقابل سهل أيضاً التشدد بالتفسير القانوني واستخدامه لقمع حرية التعبير.

الأمر نفسه بالنسبة لقرار وزيرة العدل، الذي اعتمد على المادة 319 من قانون العقوبات التي قد تفسر بمنحى يطال السلطة السياسية نفسها التي أدت إلى هذا الواقع النقدي، وهنا مشكلة القانون أنه قابل للتوسع أو التضييق بحسب مصلحة السلطة السياسية بالملاحقة واستخدامه في سبيل القمع القانوني ولكنه غير شرعي ويتناقض مع حقوق الإنسان وحرية التعبير.

واعتبر رعد أن هذه القوانين يجب الغاؤها بدلاً من العودة الى استخدامها، “هناك العديد من القوانين غير المطبقة بسبب عدم شرعيتها لكونها لا تناسب الزمن الحالي ولا تنسجم مع تطور المجتمع ورؤيته لحرية التعبير، قانون منع ارتداء “الشورت” مثلاً، الموجود نصاً لكنه غير مطبق فعلاً لاستحالة ذلك، فهل تريد السلطة اللبنانية اعتقال المتظاهرين الذين يرتدون “الشورت” في الساحات؟”.

ميشال نوم

رد نشطاء “ثورة 17 أكتوبر” على التصريحات والقرارات الرسمية كان سريعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أطلقوا عددا من الهاشتاغات المتهكمة على أداء العهد والحكومة والسلطة الأمنية، من بينها وسم #ميشالنوم الذي تصدر قائمة تويتر و #عبرعنحبكللريس وغيرها، عبروا من خلالها عن رفضهم لتلك الممارسات القمعية واستعدادهم لمواجهتها.

وفي هذا السياق يكشف الناشط طارق عمار، في حديثه مع موقع “الحرة”، عن نية عدد كبير من الناشطين التوجه أمام قصر العدل في بيروت من أجل دعوة القاضي غسان عويدات لاعتقالهم، وذلك إيمانا منهم بعدم ارتكابهم لأي جرم، كذلك تعبيراً عن “عدم وجود ما يخسرونه” ونيتهم التصدي لهذه الممارسات بجميع الوسائل والأثمان.

مواقع التواصل الاجتماعي شهدت استذكاراً لواقعة استدعاء الناشط في التيار الوطني الحر جان عاصي على خلفية “تحقير” رئاسة الجمهورية في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان، وطريقة تعاطي التيار ورئيسه اليوم جبران باسيل مع الأمر منتقدين ازدواجية المعايير في عهد عون الذي كان رئيساً للتيار الوطني حينها، مطالبين باسيل “إن كان صاحب مبدأ” أن يشارك في تظاهرات الأربعاء أمام وزارة العدل من المبدأ نفسه.

تقنياً يؤكد شحرور، أن هناك استحالة أصلا لتنفيذ هذا القرار اذ لا إمكانية لوجستية لملاحقة كل من يدون على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتالي سيكون هناك استنسابية بتنفيذ القرار الملاحقة، والقاضي عويدات كما كان حال الوزير جريصاتي سابقاً، يدرك ذلك.

وبالتالي لا قدرة على تنفيذ القانون لكن الهدف هو الأثر الترهيبي لهذا القرار، لذا على اللبنانيين التسلح بمقدمة الدستور والمعاهدات الدولية لدى استدعائهم، وعدم الرضوخ لحملات الترهيب “فالحقوق تفرض بالممارسة” وبالتالي لا يجب التوقف عن التعبير عن الرأي او الخوف من القمع، وفق شحرور.

القبضة البوليسية

القبضة البوليسية هي نهج الغائي وقمعي تتبعه السلطة اللبنانية دائماً وتاريخيا كلما فشلت في ايجاد حل لإرضاء الشارع، يقول الناشط طارق عمار، ويضيف “لقد شهدنا نماذج من هذه الممارسات الموزعة على كافة الأجهزة الأمنية من جيش في بعبدا الذي حطم سيارات المواطنين وقوى أمن ومكافحة الشغب في ساحات الاعتصام وحرس مجلس النواب أمام المجلس وفي منطقة عين التينة، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على المأزق والرفض الشعبي الذي تعاني منه السلطة وأحزابها، وانعدام ثقة المجتمع الدولي والمحلي بالحلول المقدمة.”

عمار ختم متسائلاً “أين كانت الدولة وقوانين المحاسبة حين تم الاعتداء على المتظاهرين في عين التينة وإحراق الخيم في ساحة الشهداء بالبدلات العسكرية، لماذا كل هذا التهويل من إحراق 3 محلات تجارية مقابل كل تلك التجاوزات التي لم تتم فيها المحاسبة.. هدفنا اليوم تشجيع الناس على التعبير.. ونحن لن نسكت وأقل ما يمكن لشعب تم سرقته ونهبه أن يعبر بالشتائم وسنتابع نشاطنا كما كنا دون الرضوخ إلى هذه الممارسات”.

الحرة