//Put this in the section

”قيصر” يضيّق الخناق على الاقتصاد اللبناني… و”اللاجئون لن يعودوا الى سوريا”!

فرض قانون “قيصر” نفسه لاعباً أساسياً في الحياة اليومية اللبنانية، فالقانون الأميركي الجديد الذي يسمح لواشنطن بفرض عقوبات اقتصادية على النظام السوري والجهات الداعمة له عسكرياً ومالياً وسياسياً، والمتعاملة معه تجارياً، تحول إلى مادة سجالية جديدة في لبنان، بين مؤيد له من منطلق تجنب العقوبات (إلّي فيه مكفّيه)، وبين معارض له من منطلق تدخل أميركي في الشؤون اللبنانية، والمشاركة في محاصرة سوريا.

ما هو هذا القانون ولماذا هذا التخوف منه؟




كما بات معلوماً، ينص القانون على فرض عقوبات على الرئيس السوري بشار الأسد، وعلى أركان النظام، إضافة إلى الشركات والأفراد الذين يقدّمون مساعدة إلى الدولة السورية، أو مصانعها، خاصة تلك المتعلقة بالبنية التحتية والصيانة وقطع الطاقة، كما يطال المصرف المركزي متهماً إياه بغسل الأموال.

العقوبات الواردة في المشروع تنطبق على كل من شارك وسيشارك في مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، والتي يتطلع لبنان للمساهمة فيها بشكل رئيسي، كما تنطبق العقوبات كذلك على الأفراد الأجانب الذين يدعمون سوريا مادياً، عبر تجميد أصولهم المالية.

يركّز المشروع على الشركات التي تزوّد الخطوط الجوية السورية بقطع الغيار والصيانة، وكل من يبيع السلع والمعدات والخبرات الفنية التي تدعم تطوير قطاع النفط في سوريا، كما يعطي صلاحيات لوزير الخارجية الأميركي بدعم المنظمات التي تجمع الأدلة ضد الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية في سوريا منذ 2011، ويقضي بأن تقدّم الإدارة الأميركية للكونغرس تقارير دورية تعرض خيارات عسكرية لحماية المدنيين في سوريا.

وسُمِّي مشروع القانون هذا بإسم “قيصر” نسبةً لشخصٍ مجهولٍ قال إنّه سرّب معلومات وصوراً لضحايا “تعذيب” في سوريا بين عامي 2011 و 2014، وسرّب 55 ألف صورة لـ 11 ألف سجين قال إنهم قتلوا تحت التعذيب، وقد استخدم اسم “قيصر” لإخفاء هويته الحقيقية، وعُرضت تلك الصور في قاعات مجلس الشيوخ الأميركي.

يرى المراقبون أن القانون الجديد مرتبط بالحلّ السياسي، وهدفه الضغط على النظام السوري عن طريق فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية عليه عبر خنق تعاملاته التجارية الخارجية، ومن ضمنها لبنان، مشددين على أن تطبيق القانون يأتي بمراحل تصاعدية بحسب الحاجة الأميركية إليه، معتبرين أن كل التكهنات عن مدى الضرر على الاقتصاد السوري أو اللبناني مرتبط بالرغبة الأميركية، خصوصاً أن القانون قال حرفياً إن تطبيقه مرتبط بالحل السياسي، ما يعني أن حجم الضرر سيختلف بحجم شد الحبل الأميركي، فإما أن يقتصر في الفترة الأولى على المتعاملين مباشرة مع سوريا فقط، ويكون الضرر محدوداً، أو عبر تشديد الخناق ليصل إلى أي تعامل تجاري حتى مع أشخاص قد تجدهم الإدارة الأميركية على اتصال مع النظام، وهنا تكون الأضرار كارثية على سوريا ولبنان، خصوصاً إذا توقفت الصادرات اللبنانية البرية، ما يعني بالتالي انعدام نظرية التوجه شرقاً لحلّ المشكلة الاقتصادية اللبنانية.

أسئلة كثيرة تُطرح عن مدى تأثير القانون على لبنان، أكان عبر التبادل التجاري، أو خطوط الطيران، أو التبادلات المالية في ظل وجود أموال لمودعين سوريين في لبنان، أو عبر المصارف اللبنانية في سوريا كونها تتعامل مع المصرف المركزي السوري، كذلك مصير التحويلات المالية من لبنان إلى سوريا، أو ملف استجرار الطاقة من سوريا عبر شبكتي ربط رئيسيتين تبلغ سعتهما نحو 200 ميغاواط.

وفي ظل الخناق على لبنان والضغوطات الاقتصادية المتتالية، يواجه لبنان بمعبره البرّي الوحيد إلى العالم تحديات جديدة، يرى فيها الخبير الاقتصادي كامل وزني “انتحاراً للبنان” إذا طبقه، إذ إن وضعه لا يسمح له بالمشاركة في خنق قطاعاته الزراعية والصناعية، لأن منفذه الوحيد هو سوريا. ولبنان حاول مراراً خلال الحرب السورية، العمل جاهداً لدعم التصدير عبر البحر والجو إلا أن التكلفة كانت عالية، والنتيجة سلبية، كما أنه لا يمكن لأي دولة في العالم أن تشارك بوضع عقوبات على دولة مجاورة ولديها ما لا يقل عن مليون لاجئ على أرضها، وبتكلفة تقدر من العام 2011 إلى اليوم ما بين 15 و17 مليار دولار”. معتبراً أن لبنان عبر السنوات التزم بالكثير من العقوبات الأميركية، أكثر من الدول التي تُعتبر حليفة لواشنطن، والتي استقبلت لاجئين سوريين بشكل محدود جداً، على عكس لبنان.

وأضاف وزني أنه “بتشديد الخناق على سوريا يعني تشديد الخناق على لبنان، وإبقاء السوريين على الأراضي اللبنانية، وفي ظل تدهور الأوضاع هناك سيبقى اللاجئون في لبنان، ما يخلق مشكلة بعيدة المدى وهي قضية التغير الديموغرافي حيث إن معدل الولادات السورية في لبنان تلامس معدل الولادات اللبنانية”.

التخوف من التداعيات على الشركات اللبنانية أكانت مالية أو تجارية، في محله، بحسب رئيس منظمة جوستيسيا المحامي بول مرقص، مؤكداً أن لبنان كان متنبهاً بالأساس للعقوبات الأميركية السابقة، وقد سبقت قانون قيصر عقوبات كثيرة على مرّ سنوات الحرب، ولبنان ليس بانتظار هكذا قانون كي يعمل بحذر مع العقوبات الأميركية، حيث كانت المصارف اللبنانية تحاذر دائماً العمل مع شخصيات لها دعم قطاعي مع النظام السوري، معتبراً أن “قيصر هو دعم للقوانين الأخرى، علينا الانتباه منه مع عدم إعطائه أكبر من حجمه، فهو بالأساس معدّ لسوريا وليس لنا، ونحنا سنتأثر بالطبع به”.

وعن موضوع استجلاب الطاقة الكهربائية من سوريا مباشرة، اعتبر مرقص أنّ على الدولة اللبنانية متابعة الموضوع مع الخزينة الأميركية لشرح الصعوبات والبحث في إمكانية إعطائها إجازة waver، لبعض المجالات الحيوية للبنان، من منطلق أن التصريحات الأميركية بأن العقوبات لا تطاول الدولة اللبنانية.

تداعيات القانون على لبنان، إضافة إلى الأضرار التجارية مع سوريا، ستخلق المزيد من المشاكل في لبنان، بحسب رئيس الجمعية الاقتصادية اللبنانية، الدكتور منير راشد، معتبراً “أن تشديد الخناق على الاقتصاد السوري سيؤذي المؤسسات اللبنانية التي تتعامل مع سوريا، أكانت خاصة أم عامة كمؤسسة كهرباء لبنان التي تعاملت مع المؤسسة السورية للكهرباء، كما أن الحصار على الاقتصاد السوري سيجعله يعتمد على الاقتصاد اللبناني للحصول على عدة سلع كالنفط مثلاً، من خلال المعابر غير الشرعية، ما يشكل ضغطاً على ميزان المدفوعات اللبناني، وفي الوقت ذاته فإن انخفاض سعر الليرة السورية سوف يؤدي إلى رفع القدرة التنافسية للقطاع الخاص السوري لكي ينافس السلع اللبنانية الاستهلاكية وخاصة السلع الغذائية والألبسة…”.

وبحسب قراءة راشد لتداعيات القانون، فإن انخفاض الليرتين السورية واللبنانية سيزيد الطلب على الدولار الأميركي من قبل التجار السوريين في الأسواق اللبنانية، كون التجار السوريين يصدرون العديد من السلع، ما يضع الحكومة أمام تحدي المعابر غير الشرعية، وقد يخلق ردة فعل سورية على لبنان عبر التشديد على الصادرات اللبنانية للخارج، في حال استمرت.

القانون الجديد فرض معضلة أخرى هي التعامل مع صندوق النقد الدولي، إذ ألمحت تصاريح أميركية بأنها سترى مدى التزام لبنان مقابل دعمها لصندوق النقد، ويرى راشد أن لبنان سيتأثر بها، مستبعداً أن يستفيد لبنان من الصندوق على عكس الآمال المرجوة، ففي أحسن الأحوال قد يحصل لبنان على 3 مليارات ونصف المليار دولار موزعة على 4 دفعات، وكل دفعة تقارب 850 مليون دولار، وأي خلل في تطبيق الشروط سيؤدي قطعاً إلى وقف باقي الأموال، ولبنان أصلاً لا يمكنه الإلتزام بالعديد من شروط صندوق النقد.

وعلى صعيد آخر، نفى رئيس المطار فادي الحسن أن يكون للقانون تأثير على الطيران اللبناني، فطيران الشرق الأوسط لا يتوجه أساساً إلى دمشق، مؤكداً ألا مشكلة في وصول الطائرات السورية إلى لبنان. وبحسب ما هو معلوم، فإن الطائرات التي تحط في بيروت ليست للدولة السورية وتدعى “أجنحة الشام”.

بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية في لبنان، فإن القانون خلق انقساماً سياسياً ستشتدّ وتيرته مع التشدد الأميركي، ما سيزيد الضغط على الحكومة اللبنانية في مواجهتها للتحديات كافة، حيث تؤكد مصادر مطلعة بأن الحكومة الأميركية ليست بصدد خنق لبنان حتى آخر نفس عبر تضييق الخناق على الصادرات اللبنانية، خصوصاً أن الأمر مرتبط بالحلّ السياسي.

المصدر: النهار