//Put this in the section

هل كان انقلاباً بالمقاييس المعروفة ما تحدّث عنه دياب أخيراً، أم أنّه أمر آخر؟

ابراهيم بيرم – النهار

كثر الى الآن يطلقون تساؤلات عن حقيقة الأبعاد وجوهر الرسائل التي أراد رئيس الحكومة حسان دياب توجيهها عندما تحدث بفصيح اللسان عما سمّاه “انقلاباً” دُبر في ليل، لقلب طاولة المشهد السياسي رأساً على عقب، وقد بلغ الأمر ببعضهم إلى الاستنتاج أن “الأكاديمي” العريق سابقا والوالج في نادي رؤساء الوزراء حاليا، إنما بالغ وأفرط في التهويل لحظة رسم سيناريو “متفجراً” خاتمته انقلابٌ أُحبط، وعمل تخريبي كبير جرى الإعداد له بعقلية مخابراتية محترفة.




ولا ريب أن البعض الآخر تبنّى اعتبار أن دياب إنما أراد هذا “المضمون التهويلي” من كلامه المرسَل، بغية التستير على اخفاقات مُنيت بها حكومته في مسيرتها الصعبة، بعدما انتهت فترة السماح المعطاة لها، وتجلت أبرز مظاهر هذه الاخفاقات في الفوضى الأمنية وفي الفلتان النقدي وفي التوتر السياسي البالغ عتبة الاحتقان منذ عشية السادس من حزيران (السبت 6/6) والمتوالي فصولا حتى السبت التالي (6/13) حيث أضرمت النار على نحو غير مسبوق في وسط بيروت (اللعازرية) وحيث التهب وسط طرابلس بمواجهات بين الجيش ومتظاهرين في فوضى كانت نتيجتها سقوط نحو 100 مصاب ومواد استهلاكية بملايين الدولارات التهمتها نيران عناصر أخذ منها الغضب مأخذاً، فضلاً عن قطع للطرق وتعدٍّ على العابرين في أنحاء العاصمة، أو الخارجين منها بدرجة من القسوة والحقد، أعادت بالذاكرة إلى الايام الأولى من حراك 17 تشرين.

وكل تلك التطورات الدراماتيكية في الشارع، ترافقت مع كلام ملتبس عن بلوغ سعر صرف الدولار عتبة السبعة آلاف ليرة.

بناء على كل هذه المعطيات والوقائع المتفجرة وهي غيض من فيض، كان مشهدا طبيعيا ان يخرج الرئيس دياب عن تحفظه وتأنقه الكلامي المضبوط عادة، ليتحدث صراحة عن انقلاب دُبر. فالراصدون لمسار الوضع الأمني والسياسي والمالي يلاحظون أن التطورات المتلاحقة ليل نهار، لم يتم الدفع بها وصب الزيت على نيرانها إلا بقصد إحداث فعل مدوّ، ويكون ما بعده ليس ما قبله، مترافقا بطبيعة الحال مع الشروع في تطبيق قانون “سيزر” في سوريا، ومع كلام تردد خفية وبشكل هامس في الأوساط السياسية والاعلامية عن “سيناريو” تجريبي كان يفترض أن تشارك فيه قوى أساسية من بينها الحزب التقدمي الاشتراكي، ثم تردده واستنكافه وعزوفه، فضلاً عن عوامل أخرى ستُكتشف لاحقا، أبطلت مفاعيل هذا السيناريو، لا بل وأد الانقلاب في مهده، ثم أجبرت كل المشاركين على إعادة النظر في رهاناتهم وخياراتهم في حينه وبعد ذلك بكثير.

ومما لا ريب فيه أن “صدى” ذلك الأسبوع، ما زال يفعل فعله في كل الأوساط، وهو موضع حديث بالتفاصيل المملة، لكن ملخص ما كشفته المعلومات المتوافرة لاحقا، هو أن الاسبوع الساخن إياه كان اسبوع اختبارات نزل مبارزا إلى ميدانها معظم اللاعبين الاساسيين القدامى منهم والجدد واستغلوا تداعي الأحداث على الأرض ليبعثوا عبرها برسائل إلى كل من يعنيهم الأمور بقصد رسم الحدود وتظهير أوراق القوة، ومساحة الفعل والتأثير.

وفي رأي ساسة مخضرمين، مهمتهم الرصد والتقويم، ان أنصار محور المقاومة والممانعة عاودوا النزول الخشن إلى الشارع الملتهب والأكثر توهجا وهو وسط العاصمة، ليدحضوا بالبرهان فكرة أنهم محاصرون ويدهم مغلولة، وعاجزون عن مواجهة “الطحشة” الأميركية التي تجلت ذروتها في اقرار قانون “قيصر” الذي يستهدف سوريا وكل حلفائها، وأن عليهم أن يتلقوا المزيد من ألوان الضغط والعقوبات الأميركية، لا سيما أنه كان واضحا أن واشنطن لم تعطهم فرصة لالتقاط أنفاسهم في لبنان، بعدما أملوا ذلك اثر “تهدئتهم” للموقف في الساحة العراقية.

ومن البديهي حيال ذلك، أنه بات يتعين على هؤلاء الأنصار أن يسارعوا لاثبات العكس تماما، ولافهام الخصوم والأعداء أنهم ما برحوا يمتلكون زمام المبادرة وأن يدهم ليست مغلولة.

وعليه، فإن هؤلاء يقيمون على اعتقاد بأن تجربتهم العابرة فعلت فعلها وأتت ثمارها، وأن الذين سعوا وإن بخفر إلى رفع شعار “نزع السلاح” ما لبثوا أن فهموا ان عليهم عدم خوض غمار هذه التجربة لأن دون ذلك “تكسير أيد”، وأنهم أخطأوا في المضي في هذه المغامرة غير المأمونة العواقب.

أما الذين في الطرف الآخر، وهم خليط من قوى ذات أجندات ومرجعيات مختلفة وأحيانا متناقضة، فهناك انطباع لدى بعض دوائر 8 آذار، أن ثمة قوى وأطراف جربت نفسها للمرة الأولى في “لعبة الشارع” بغية حجز دور لها مستقبلا، وثمة قوى أخرى، وتحديدا تيار “المستقبل”، وجدت نفسها غائبة عن المشهد وبمنأى عن “اللعبة”، فحاولت أن تستدرك نفسها لاحقا من خلال إطلاق بعض المواقف.

والأخطر من ذلك، وفق الأوساط عينها، أن ثمة من حاول أن يظهر أن بمقدوره إقامة سلطة موازية للدولة وأجهزتها، وقد تجلى ذلك في استغلال الوضع الطرابلسي المعلوم والتاريخي في عاصمة الشمال.

لكن رياح الأمور سارت لاحقا لمصلحة الدولة التي ما لبثت ان استجمعت قواها وسرعان ما انطلقت في هجوم “مضاد” لاستعادة ما فقدته من هيبة أمنية وحضور وذلك عبر الآتي:

– مبادرة ثلاثي أركان الحكم إلى تحرك عاجل لضبط الموقف المالي من خلال ما أعلن عنه من إجراءات للحيلولة دون انهيار قيمة العملة الوطنية، وهي إجراءات أكثر جدية وعملانية من قبل ويمكن البناء عليها لاحقا، خصوصا اذا ما وفى حاكم مصرف لبنان بتعهداته ومضى قدماً في مهمة الضبط والمساعدة.

واللافت هذه المرة هو أن العقول المدبرة والمؤثرة في توجهات الحكومة وهو الوزير دميانوس قطار، تخلى للمرة الأولى عن صمته المطبق، وأطلق موقفا معبرا اعتبر فيه أن سعر الدولار لم يصل إلى خمسة آلاف ليرة، وكانت هناك حرب ممنهجة نفسية على المواطنين عبر وسائل التواصل، مما أوحى للعارفين بأن “الحزب الحاكم” في الحكومة، قرر البعث برسالة مفادها أن الزمن الأول على وشك التحول ما لم يتجاوب جديا مع التدابير المالية.

ونظرا الى حراجة الموقف كان الرؤساء الثلاثة وفي مقدمهم الرئيس نبيه بري قد قرروا وضع رصيدهم الشخصي في المشهد، وقرروا النزول بشخصهم إلى الميدان وقد تجلى ذلك في تصريح بري أمام قصر بعبدا.

– اجراءات وتدابير أمنية مشددة وجادة اتخذتها الأجهزة الأمنية عبر ملاحقتها لكل المرتكبين وقد بدأت بتوقيفهم أو اجبر البعض على تسليم نفسه.

باختصار كسبت الحكومة ومحتضنوها جولة أساسية، أكدت خلالها انها ما برحت تمتلك القدرة على الضبط والربط، واستطرادا ان على الذين استضعفوها في لحظة ما، أن يعيدوا النظر في خياراتهم.

والثابت في كل هذا المشهد المتحول أن الأمور حبلى دائما بالمفاجآت والمحطات الدراماتيكية، لذا فهو أمام 3 خيارات:

– مزيد من التوترات.

– انتظار حروب ومواجهات اقليمية.

– أو تمهيد المسارح المترابطة بانتظار الدخول في عمق لعبة البحث عن تسويات.

وفي انتظار جلاء الغبار، فإن الجميع لا يفاجأون بالتوترات هنا وهناك.

وعَود على بدء، فإن الثابت أن الرئيس دياب عندما تحدث في إطلالته الشهيرة عن “انقلاب”، لم يكن يقصد انقلابا بمقاييس الخمسينات والستينات على غرار ما حصل في دول عربية عدة، بل قصد فعلا تجاوز كل المقاييس والأنماط المألوفة.