//Put this in the section

هل أحبط بري ”انقلاباً” استُدرج إليه ”حزب الله”؟

سركيس نعوم – النهار

الاسبوع الماضي حصل “الموقف هذا النهار” على معلومات موثوقة مصادرها عن الاجتماعات التي عقدها الوفد اللبناني الرسمي مع صندوق النقد الدولي، والتي شارك فيها حاكم مصرف لبنان رياض سلامه، والتي انتهت استناداً الى مواقف رسمية من الفريقين الى اعتبار الصندوق أرقام الخسائر التي تضمنتها خطة الحكومة على أساسها يمكن بدء النقاش مع هذه المؤسسة الدولية، لإقناعها بتقديم مساعدات الى لبنان تمكنه من تجاوز الانهيار النقدي – المصرفي – المالي – الاقتصادي فيه ومن الحد من انعكاسه السلبي على الاستقرار الأمني والاجتماعي والسياسي في البلاد. وفي الاسبوع نفسه استضاف قصر بعبدا اجتماعاً ترأسه العماد ميشال عون رئيس الجمهورية شارك فيه الوفد الرسمي اللبناني الذي يفاوض الصندوق وحاكم “المركزي”. والموقف الذي صدر بعد انتهائه عن سيّد القصر كان تأكيد وجود خلاف حول أرقام للخسائر المتنوعة بين سلامه والحكومة أربك التفاوض الدائر مع المؤسسة الدولية، ودفعها الى العمل منفردة للتأكد من صحة أرقام الفريقين. لكنه أكد في نهايته أن اتفاقاً تم على اعتبار الأرقام الحكومية للخسائر الواردة في الخطة المقدمة الى الصندوق. ولم يصدر تعليق من الحاكم سلامه ينفي ذلك. لكن المواقف الاعلامية أكدت استمرار التباين حول الارقام، وأظهرت استعداد جمعية المصارف للمواجهة، وذلك في بيان ضمنته رفضها لخطة الحكومة واستعدادها للدفاع عن نفسها. وقد أظهرت هذا الاستعداد عندما رفضت الاشتراك في الجلسة التي عقدها مجلس الوزراء في السرايا الحكومية برئاسة الدكتور حسان دياب يوم الجمعة الماضي في حضور حاكم “المركزي” والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، علماً أنها عادت واشتركت في الجلسة بعد بدئها بنصف ساعة بعد اتصال دياب برئيس الجمعية سليم صفير. طبعاً شهد الاجتماع مناقشات حادة تمسّك فيها الاخير بمواقف جمعيته “آخذاً شقلة” عن حليفه سلامه “الذي بدأ يشعر ومنذ مدة أنه مستهدف، وأن هناك ميلاً لتحميله وحده مسؤولية الانهيار الحاصل ومعه المصارف. علماً أن هذه المسؤولية تتحملها معهما الدولة المعطَّلة والفاشلة بكل الذين يحكمونها ويحققون الفوائد المتنوعة منها. لكن بدا في نهاية الاجتماع أن سلامه أظهر مرونة معينة بالاستجابة الى مطلب ضخ دولار في السوق بعدما بلغ ارتفاعه مستوى قياسياً في الأيام القليلة الماضية. رغم معرفته أن ما في حوزة مصرف لبنان من أموال بالدولار الأميركي قد لا تكون كافية لخفض سعر الدولار نظراً الى تعدد أسباب ارتفاعه وتناقضها، والى عدم قدرة حكّام الدولة على معالجة هذه الأسباب التي ليست كلها تقنية. إذ فيها السياسي المحلي والسياسي الاقليمي والطائفي والمذهبي كما فيها الجشع المتأصل في كل القطاعات وفي نفوس الناس.




انطلاقاً من ذلك يبدأ “الموقف هذا النهار” بنشر معلومات عن الاجتماعات غير الناجحة بين صندوق النقد الدولي وسلامه في حضور الوفد الحكومي اللبناني. إذ ربما يفسر ذلك ما حصل في الأيام الماضية من تظاهرات صاخبة شارك فيها منتمون الى “فريقي” الصراع الطائفي والمذهبي في البلاد بعد تظاهرات حصلت يوم السبت الأسبق اختلف فيها الفريقان فوضعا لبنان مرة جديدة قاب قوسين أو أدنى من عودة الحرب الأهلية أو على الأقل من دخوله مرحلة فوضى لا يمكن تلافي تحولها دموية.

جاء في المعلومات المشار اليها “أن البحث بين “صندوق النقد” وحاكم “المركزي” في حضور الوفد الحكومي ومعه لم تكن ناجحة. إذ اعتبر ممثلو الأول أن مصرف لبنان واقع في خسارة جسيمة وأن حاكمه لا يظهر ذلك في تقاريره الدورية إذ يضعها تحت عنوان (Other Assets) موجودات أخرى. في حين ردّ هو بأنه وضعها على هذا النحو من أجل العمل لتعويضها مستقبلاً مشيراً الى أنه لا يخترع جديداً. إذ أن هذا أمر تفعله بنوك مركزية عدة في العالم. لكن ممثلي الصندوق اعتبروا ذلك غير جيد وغير فعّال، وسألوا كيف سيعوّض الخسائر المتنوعة التي تكاد أن تبلغ 160 الى 170 ألف مليار ليرة لبنانية؟

وجاء في المعلومات نفسها أيضاً، أن الصندوق يعتبر مصرف لبنان عبر حاكمه طبعاً في جبهة واحدة مع المصارف التي تمثلها جمعية منتخبة منها. فسأل ممثلوه كيف يمكن تعويض الخسائر وكان الجواب من “موجودات” الدولة (أملاك ومؤسسات عامة يفترض أن تكون منتجة رغم أن بعضها خاسر من زمان وأحد أسباب الوضع السيئ الحالي) ومن السياح الذين سيتوافدون الى لبنان كما من المغتربين اللبنانيين. وأكد صاحب الجواب أن الحال ستتحسن خلال سبع سنوات جرّاء إيداع هؤلاء أموالهم بالدولار الأميركي في المصارف اللبنانية. لكن رُدَّ عليه بالقول أنك تطبع عملة لبنانية في مقابل ذلك وقد طبعت 15 مليار ليرة لتلبية السوق بعد فقدان الدولار. وذلك يزيد التضخم ولا سيما في ظل قيود تجعل سحب الدولار مقنناً وتسمح بسحب ما يوازيه قيمة بالعملة اللبنانية. ومن شأن ذلك خفض قيمة الودائع بحيث تصبح 25 في المئة من قيمتها الأصلية. وهذا يعني أنك تنفذ ما يسمى “هيركات” بطريقة غير مباشرة. علماً أن الـ”هيركات” المباشر أفضل لأنه يُبقي للمودعين 50 في المئة من ودائعهم على الأقل، وذلك يشكل أساس رساميلهم.

وجاء في المعلومات ثالثاً أن “صندوق النقد الدولي لن ينتظر طويلاً، وان اجتماعاته مع حاكم “المركزي” كانت سلبية رغم محاولة مستشارين كانوا معه الدفاع عنه. فغادر الاجتماع غير مرتاح بعدما قال أن اللجان من عندي وعندكم تجتمع للتوصل الى حل. طبعاً بدا في الاجتماع أنه والمصارف فريق واحد. وقد سئلت الأخيرة مباشرة ومداورة كيف ستعالجين الدين؟ فتجميده وإبقاؤه يعنيان انكم لن تسعوا الى تخفيفه. فعلى ماذا تتكلون؟ وأعطوا جواب الحاكم نفسه: السواح والمغتربون وأضافوا الى ذلك مؤتمر “سيدر”. وخلال سبع سنوات ننتهي من الدين. وعنى ذلك في رأي الصندوق: تكون خلصت ودائع المودعين”.

وجاء في المعلومات رابعاً أن “صندوق النقد” ليس جهازاً أميركياً رغم أن أميركا تؤثر عليه وفيه. لكن عنده قواعد وأصول لا يستطيع تجاوزها. لو يستطيع كان ساعد الأردن حليفة أميركا وموقعة سلم مع إسرائيل. لم يستطع ذلك. هناك حاجة الى ضرورة الاصلاحات. كيف ستنفذونها؟ تجيبون: نأخذ من “موجودات” الدولة. كيف ذلك؟ إذ لم تعد لديكم ودائع بعدما “ديّنتوها” لمصرف لبنان الذي “ديّنها” للدولة. أنتم لا تستطيعون أن تقولوا لتُعِد لنا الدولة الأموال لأنها “صُرفت”. والمودعون “أكلوا الضرب” وجاء في المعلومات خامساً أن الطبقة السياسية انضمت الى الفريق الذي يضم مصرف لبنان وجمعية المصارف. فهي تؤكد أن لا “هيركات” ولا مسّ بأموال الموعدين. كيف يتم ذلك في ظل تجميد المصارف و”المركزي” الدين وانتظار السياحة والمساعدات الخارجية؟”.

وجاء في المعلومات نفسها أخيراً أن مستشاراً اقتصادياً – مالياً، لمرجع سابق التقى وفد “صندوق النقد الدولي” بناء على طلبه هو فسأله رئيس الوفد: هل لديكم خطة؟ فأجاب متسائلاً: “لماذا”؟ نحن عندنا مؤتمر “سيدر”. فقيل له: “انكم دولة على حافة الانهيار”. ردّ: نحن دولة عندها نفط وغاز. ما هذا الحكي؟” فردّ عليه المسؤول الدولي: “نحن لا نضع النفط غير المُنقَّب عنه والمؤكد في حساباتنا. أنت تحكي عن نفط غير مؤكد وإذا أُكد فإنه يحتاج الى تسع سنوات كي يُستخرج ويُستثمر”. فضلاً عن أن اجتماعاً مع شخصية نيابية تعمل على الشؤون المالية لم يكن مقنعاً للوفد إذ اعتبر في سياق النقاش أن ما جرى كان خفضاً وهمياً لأرقام الواقع الكارثي”.

أما في المعلومات التي حصل عليها “الموقف هذا النهار” عن الذي حصل في الأيام القليلة الماضية، ومن مصادر متابعة بدقة الوضع الاقتصادي – النقدي – المالي – المصرفي، فإن فيها ما يدعو الى القلق. ذلك أنها تشير الى قرار اتخذ بإقالة حاكم مصرف لبنان من موقعه اتخذ بالتوافق بعد التشاور بين رئيس الحكومة حسان دياب ورئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل و”حزب الله”. ولهذا السبب تمت الدعوة الى جلستي مجلس وزراء واحدة قبل ظهر يوم الجمعة الماضي في السرايا الحكومية وثانية في القصر الرئاسي في بعبدا بعد الظهر. طبعاً لا أسرار عصية على الكشف في لبنان. إذ عرفت بذلك جهات عدة لا توافق على هذا الأمر وإن من منطقات مختلفة، فاتصل بعضها بأحد أقرب مستشاري رئيس مجلس النواب نبيه بري إليه وأطلعه على الموضوع. فاتصل ببري وقصده حيث كان خارج بيروت وأطلعه على هذا الأمر بعدما كان تأكد مباشرة من أحد أصحاب قرار العزل من صحة المعلومات. فعقد رئيس المجلس اجتماعاً مع “الحزب” واستفهم منه عن دوافع القرار وعن حقيقة تأييده له. كان الجواب: “قيل لنا أن إقالته تفتح طريق حلّ الوضع الحالي. أما ردّ بري فكان: أنتم ستتحملون مسؤولية ذلك إذا سمحتم بهذا الأمر. وفي رأيي أن ذلك لا يعني أبداً بداية حلّ. طبعاً أنا لا “أزعِّلِكم”، لكنني لن أصوّت معكم ومع الآخرين من أجل تنفيذ الإقالة. ومن الأسباب التي أشار إليها بري لإقناع “الحزب” بموقفه قوله: أياً كان الشخص الذي سيحلّ مكان سلامه يحتاج الى وقت لإثبات جدارته وكفاءته هذا إذا كانتا موجودتين. أما إذا كانتا غائبتين فإن “حمل المصرف المركزي” سيقع على النائب الأول للحاكم وهو الشيعي. وأي إخفاق سيتحمل وزره الشيعة ويكفيهم ما يُحمّلونه اليوم. علماً أن هناك خلافاً على من يخلف سلامه. فباسيل يريد ألان بيفاني المدير العام للمالية حاكماً لـ”المركزي” والرئيس دياب يريد الوزير دميانوس قطّار. طبعاً وافق “الحزب” على موقف بري. فانتقل من مقره الى قصر بعبدا واجتمع مع الرئيسين عون ودياب في الساعات الفاصلة بين جلستي مجلس الوزراء وأبلغ إليهما موقفه وموقف “حزب الله” فصُرف النظر عن التغيير على الأقل حتى الآن، ولا سيما بعدما شدّد بري على أن أرقام الخسائر في مصرف لبنان غير صحيحة ومبالغ فيها (240 مليار ليرة) وعبّر بري عن ذلك أمام وسائل الاعلام. هل يفسّر ذلك التظاهر الشيعي المنسجم مع تظاهر اللبنانيين الآخرين في الأيام القليلة الماضية خلافاً لقلة الانسجام آخر الأسبوع الأسبق والأسبوع الأخير؟ نعم على الأرجح. فالمتظاهرون جائعون والغضب على سلامه لا يزال موجوداً والتعبير عنه بالتظاهر مستمر. لكنه لا يعكس قراراً بعزله الآن بل ربما بالاعداد لذلك لاحقاً. طبعاً الكثيرون في لبنان وخصوصاً الفريق الواحد المؤلّف من “المركزي” والمصارف وغالبية الطبقة السياسية، اعتبروا أن لبنان تجنّب بذلك “انقلاباً” لا يتحمّله وربما نظاماً عالمثالثياً بوليسياً ولا سيما في تعامله مع غلاء كل شيء في البلاد، إذ يتجاهل العوامل الموضوعية للغلاء ولا يسعى الى حلّها ويعتمد القوة تحقيقاً لهذا الهدف.