//Put this in the section
وسام سعادة - القدس العربي

وصف «البوليارشيّة» على الطريقة اللبنانية – وسام سعادة – القدس العربي

عندما لا يعود مسار تدبير وتسوية الأمور من خلال المؤسسات يفي بغرضه يصير النزول إلى الشارع موجباً، وعندما لا يعود تقويم عمل المؤسسات تحت ضغط الشارع أو إصلاحها أو استبدالها متاحاً، ترتفع كلفة الحفاظ على «سلمية» الاحتجاج.

إذّاك، تصير الموازنة قائمة بين تسعير كلفتين: كلفة «السلمية» وكلفة «العنفية» التي قد تجيء باهظة أكثر، لكنها تفرض نفسها لا محالة كلّما تكرّر تسديد كلفة «السلميّة» بلا طائل، أي بلا مردود ملموس مادياً أو معنوياً في أمد منظور.




يمنّي أهل «السلميّة» النفس بتحقيق العدد الأكبر: جماليّة «المليونيات» والصور الملتقطة لها بكل الأبعاد. «المليونيّة» الأولى تغري بالثانية، فالثالثة. فإذا استمرّت المؤسسات غير جاهزة لاستيعاب المشهد، والسعي إلى تقويم ذاتها لتأطيره داخلها، أو كانت غير جاهزة أساساً، حينها، سيجد التحفّظ على «السلميّة» ضالّته.

وسيقوى هذا التحفّظ بالنتيجة كلّما تراجعت القدرة على التحشيد الاحتجاجي السلمي المتتابع. ستكفل «العنفية» لاحقاً بإضعاف التحشيد السلميّ بعد أكثر، حتى إلى وصلت إلى طريق مسدود هي الأخرى، ضجرت من نفسها، وعلقنا في متاهة من يسعى إلى المزاوجة والتخليط بين السلمية والعنفية، وبين من يكمل أيامه في مبارزة لا تنتهي بين «جماليّة التخريب» وبين الوعظ الأخلاقوي حيناً، والمهموم باحتساب النقاط حيناً آخر.

يعيش لبنان منذ الخريف الماضي قبساً من كل هذا. فقنوات التفاوض الاجتماعي معطّلة في الجمهورية الثانية يكاد يكون منذ قيامها، والقضاء أبعد من النهوض فيها بدوره كسلطة دستورية، وهذا شرط أوليّ لإصلاحه أو تفعيله. في الوقت نفسه، لم تندثر لعبة الفصل بين السلطات كلّياً بل مسخت نفسها. حكومة يقابلها برلمان، انما حكومة ضائع من رأسها، وبرلمان برأس «أبديّ» أكبر منه كمجلس عارض.

مسخ المؤسسات لا يعني أنها لم تعد موجودة، ولا أنها كرتونية. بل إنّ الشكل الذي ستظهر به «البوليارشية» (تعددية المرجعيات في نظام ما) في الجزء «الدولتي – المدستر» منها، في حين أنّ هذه «البوليارشي» لا تكتمل إلا بالمرجعيات الموازية من داخل جهاز الدولة، انما من خارج مؤسساتها الدستورية، أو من خارج هذا الجهاز أو هذه المؤسسات معاً، وغني عن البيان أن التراتبية في هذه البوليارشية اللبنانية تبدأ بأمين عام «حزب الله» لكنها تضم إلى جانب الرؤساء الثلاثة قيادة الجيش، وحاكمية المصرف المركزي، ومدير عام الأمن العام، وجمعية المصارف، ويمكن الإطالة بعد أكثر.

والبوليارشية أو «ملأ المرجعيات»، اذا ما استعدنا مع شيء من التحوير هذا المفهوم الذي ركّز عليه مطولاً عالم السياسة الأمريكي روبرت دال (ت 2014)، هو النظام القائم على الاختلاف في النخب المتحكّمة، بين التي تملك الحصة الأكبر من الثروة وتلك التي تملك القوة وتلك التي تمسك بالإدارة. واقعية دال المحافظة دفعته لشبه المرادفة بين البوليارشية وبين الديمقراطية. فبدلاً من النظر بمعايير الديمقراطية من تحت (درجة ونوع مشاركة المواطنين) اعتمد منظار النظر من فوق. يكفي عند دال أن لا يكون الرهط نفسه الذي يملك الحصّة الأكبر من الثروة هو نفسه الذي يملك أسباب القوة، أو أن لا يكون هذا هو نفسه المتغوّل في الإدارة، كي نقول أنّ هناك ديمقراطية، وعلى هذا الأساس سيظهر أن في لبنان نوعا من الديمقراطية، وسيظهر عندها الفارق الأساسي بين انتفاضة لبنان وبين ثورات «الربيع العربي»: فأصعب المسائل لا تنحصر في لبنان في أن هؤلاء الشباب يواجهون استعصاء مشكلة سلاح «حزب الله»، أو استعصاء الطائفية واستفحالها، أو غطرسة المصارف، أو صلف الإمبريالية الأمريكية. هناك كل هذا، لكن كل هذا يمرّ من خلال قدرة النظام «البوليارشي»، أي الديمقراطيّ بالمعنى الذي قصده روبرت دال، على المراوغة حيناً، وعلى التصلّب حيناً آخر، على الانكماش على نفسه حين يجد ذلك مناسباً، وعلى إغراق المعترضين عليه بتناقضاته الداخلية هو حين يروق له ذلك.

عمق التحدّي اللبناني يكمن هنا، في صعوبة الإطاحة بنظام ديمقراطي مسخ. نظام لا تلغي مسخيته ديمقراطيته. نظام يستوعب هامشاً معتبراً من الحريات العامة والخاصة مقارنة بالأنظمة التسلطية المخابراتية العربية، وعندما تجري فيه الانتخابات تكون تنافسية وغير صورية مهما كانت الطبيعة المشوهة للقانون الانتخابي نفسه. نظام يمسخ قاعدتي تداول السلطة والفصل بين السلطات دون أن يهجرهما كليّاً… وفي نفس الوقت نظام غير قابل للمداواة، غير قابل للإصلاح من داخله، وقادر في نفس الوقت، حتى الآن، على تطويق حالات الخروج عنه، وإرجاعها إليه، طالما أنّ هذه الحالات لا تبحث عن بديل عن «مسخ الديمقراطية» إلا «مسخ ديموقراطية» من نوع آخر.

من الأمثلة الصارخة على هذا استبداد شعور «حكومة التكنوقراط» بالانتفاضة في الخريف الفائت، وصلي الميديا وناشطي المجتمع المدني جموع الناس به ليلاً ونهارا. والجميع كان يعلم وقتها أنّ المقصود به شعار يحمل «حزب الله» على عدم التمثل في الحكومة بعد تلك المخلوعة. حاول سعد الحريري أن يسخّر هذا الشعار أيضاً لصالح عودته، على رأس حكومة تكنوقراطية باستثناء رئيسها ـ هو ـ فكان موقف «حزب الله» مع عودته انما ليس بحكومة تكنوقراطية، وكان موقف «القوات» عدم تسميته… فكانت النتيجة أن مطلب «حكومة التكنوقراط» الذي كان في الأساس تطويقياً لـ«حزب الله» أعاد الحزب تدويره لحسابه، من خلال حكومة حسّان دياب، لنكتشف من ثم أننا في الواقع أمام «نظام حكومتين تكنوقراطيتين لا واحدة»، واحدة برئاسة دياب، وثانية برئاسة حاكم المصرف المركزي رياض سلامة ولها موطئ قدم في حكومة دياب نفسها. وكلما انخفض سعر الليرة عند الصرافين تأزمت الأوضاع بين الحكومتين، وانقسم المحتجون أكثر فأكثر بينهما، بين أخصام سلامة أولاً، وأخصام دياب أولاً، ليستفحل نظام الحكومتين بعدُ أكثر. وبدلاً من أن تعيد نخب «التغيير» المرغوب النظر في أساس طرحها، عادت إلى طرح شعار «حكومة مستقلين ذات صلاحيات تشريعية استثنائية»، في مناقضة لمبدأ فصل السلطات، وغفلة عن أن حال الاستثناء لا يمكن أن يكون إلا تجاوزاً للقانون ولا يمكن ايجاد تغطية قانونية له، ولا بأس بالاستعانة بالقول المفتاحي لعمدة الفكر الدستوري اليميني المحافظ الألماني كارل شميت «صاحب السيادة هو من يقرّر حال الاستثناء».

وإذا كان روبرت دال قد ميّز بين أوليغارشية وبين بوليارشية، فإنّ النموذج اللبناني يغري على العكس تماماً بالمزاوجة. فهذه البوليارشية (ملأ المرجعيات المختلفة، والمتداخلة والمتخبطة بعضها ببعض، وفي الأساس اختلاف مركز تركز الثروة عن مركز تركز العنف) يوحدها المبدأ الأوليغارشي بشكل عضوي، أولاً من خلال نموذج لرأسمالية الدولة الأوليغارشية، بقطاع عام منتفخ، وبحاكمية مصرف مركزي منتفخة، انما رأسمالية دولة لا اجتماعية منحازة لصالح كبار الأغنياء، وأساساً لصالح الأوليغارشية بالمعنى الضيق، أي النواة المصرفية لها، وما يتشابك معها من كبار تجار وكبار مقاولين وكبار ملاكين عقاريين، بالضد من الطبقات الشعبية، وثانياً من خلال التناقض العميق بين الأوليغارشية من حيث هي حكم القلة وبين الديمقراطية من حيث هي حكم الكثرة، وبما يعنيه ذلك في حال لبنان من تظهير كم أن الطبقات الشعبية بقيت مستبعدة عن جادة التمثّل السياسي في مؤسساته الدستورية، منذ قيامها، حتى وهي تمنح الاقتراع العام، وهو اقتراع عام غير متساوي بين المواطنين، نظراً للقيد الطائفي الذي يجعل صوت ناخب من طائفة يعادل ناخبين من طائفة مقابلة.

لا يمكن أن يختزل استحضار مفهوم الأوليغارشية إلى ثنائية واحد بالمئة بازاء الأكثرية الساحقة، فهذا يقوّض أيضاً القدرة على استيعاب خارطة الاستقطابات الطبقية اللبنانية. نحن في نهاية الأمر في بلد تختلف فيه معيشة مئتي ألف مواطن منه عن الستة ملايين الآخرين بشكل مهول، وتختلف فيه معيشة مليون من مواطنيه عن معيشة الخمسة ملايين الآخرين بشكل حاد أيضاً. ومهما بلغ الانهيار المالي والاقتصادي من حدّة فإنّه لن يذهب إلى الغاء هذين الفاصلين الكبيرين، بل الأرجح أنّه ذاهب إلى تجذيرهما. حكم القلة هنا ليس واحد بالمئة في مجابهة 99 بالمئة، بل أنه يشبه تعددية الدمى المحتواة داخل الدمية الروسية (الماتريوشكا). العنف الذي تختزنه هذه الماتريوشكا محتبس أكثر بكثير من عنف الاحتجاجات، والغوص في من يستثمر فيها ومن يمتنع.