//Put this in the section

الحريري-الكتائب: الصعود دَرجَة… ولا استعجال

مجد بو مجاهد – النهار

كان لـ”الغَمْز” الذي رسمه الرئيس سعد الحريري من قناة حزب الكتائب على شاكلة إشارات في تقويمه العلاقة الثنائية من مرتبة “جيدّة” رغم الاختلاف في وجهات النظر، أن نقش علامات استفهام حول مدى التطوّر المُحرَز بين حليفيْ قوى الرابع عشر من آذار سابقاً، بعد افتراقٍ وفراقٍ بين تقاطعات “بيت الوسط” والصيفي خلال مرحلة التسوية الرئاسية. تشير المعطيات المُستقاة في هذا الصدد إلى أنّ إعادة بثّ الروح التحالفيّة لا تزال مرحلة سابقة لأوانها ومُرتبطة بصعود درجات سُلّمٍ من أولويّات لا بدّ لها أن تكون جامعاً مشتركاً لا محلّ اختلاف كما هي اليوم.




ماذا عن حدود التواصل بين “الكتائب” و”المستقبل” في هذه المرحلة؟ وعلى أيّ درجة من سلّم التقدّم في خطوات العلاقة استقرّت الاتصالات الثنائية؟ تفيد المعلومات التي تعبّر عنها لـ”النهار” مصادر كتائبيّة مسؤولة، أنّ البحث في هذه القضايا لا يزال مسألة سابقة لأوانها، باعتبار أنّ ليس ثمّة من نقاش سياسي عميق مع تيار “المستقبل”، رغم أنّ ليس هناك من عداوة بين الفريقين، لكن التوصيف الدقيق لتطوّرات العلاقة يمكن حصره باتصالات مفتوحة وتفكير مشترك وتبادل للآراء – أحياناً – في بعض المواضيع. وإذا كان ليس من حديث في العمق مع الحريري، إلّا أن “الكتائب” يرى أنّ البلاد تمرّ في وضع داخليّ كارثيّ، ومن الضرورة أن يعمد “بيت الوسط” والصيفي إلى التحدّث وفتح قنوات التواصل، لكن لا يزال من المبكر جدّاً الكلام عن أيّ تطوّرات في التموضع السياسي الواضح والمعروف من ناحية “الكتائب” في هذا المجال.

يرصد الكتائبيّون حركة الحريري السياسية، فإذ بهم يُدوّنون ملاحظات من شأنها تحديد درجات سلّم الأولويّات التي يستوجب السير في خطاها بغية تطوير العلاقة مع “التيار الأزرق”. وتكمن الملاحظة الكتائبيّة الأولى في أنّ الحريري باشر مراجعةً كبيرة لقضية التسوية الرئاسية، وهي درجة إلى الأمام في رسم مستقبل العلاقة الثنائيّة، لكن الملاحظة الكتائبية الثانية المدوّنة تتمثّل في أنّ الحريري لم يعمد إلى مراجعة موضوع علاقته بـ”حزب الله” حتى الساعة (الخطوة الأهمّ المطلوبة).

ويطلب “الكتائب” استعادة الخطاب السيادي الذي تبنّته قوى الرابع عشر من آذار سابقاً، بحسب ما تؤكّد مصادره، إذ يعتبر استعادة الخطاب السياديّ بمثابة قاعدة لا بدّ من التحصّن بها كشعار وعنوان للعبور إلى الدولة الذي لا يمكن أن يتحقّق إلّا عبر دمج شعاري التغيير والسيادة والاتّجاه نحو التغيير السياديّ. ولا يمكن الإصلاحات ذات الطابع الاجتماعي – الاقتصادي أن تحقّق نتائج، إذا ما غاب بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها. إنّ الدمج بين الاصلاحات وتغليب منطق الدولة بمثابة توليفة متكاملة، في وقت يرى “الكتائب” أنّ أحد مكامن الضعف في حقبة الرابع عشر من آذار، كانت في التركيز على الهدف السياديّ فحسب من دون التطرّق إلى الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.

يُترجم الدليل على العلاقة التكاملية بين المطالب السيادية والشعارات الإصلاحية، في أنّ قوى الرابع عشر من آذار كانت شكّلت لجاناً قبل مرحلة السابع من أيار الأسود للأخذ في المواضيع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمساهمة في استيلاد نظرة جديدة للبنان، إذ يرى “الكتائب” أنّ مرحلة ما بعد السابع من أيار والدخول في اجتماع الدوحة، هي تطوّرات أنهت القوّة التغييريّة للمحور السياديّ في لبنان، والذي أصبح أشبه بتحالف من دون أفق حقيقيّ للتغيير وصولاً إلى الدخول في منطق التسوية السياسية، في وقت كان لا بدّ من الدخول في تسوية تاريخية تتخطّى موازين القوى لتذهب إلى تثبيت قيم لبنان المشتركة بين كلّ أبنائه.

لا يغيب عن المشهد الكتائبيّ الاغتيالات والقمصان السود التي ألقت بثقلها على واقع المحور السياديّ، ما أنتج سكينة أصواتٍ مكمومة أمام معادلة الحديد والنار التي لا تزال قائمة في لبنان. ويستدعي هذا الواقع الاحتكام إلى مراجعة يراها “الكتائب”ضروريّة للمساهمة في استعادة الخطاب السياديّ، في وقت تستمرّ فيه لعبة التخويف والترهيب وسط ارتباط وثيق بمشروع توسّعي لا يربط لبنان بصِلة.

ماذا عن المؤشّرات والدلالات التي يمكن استخلاصها من على مقلب تيار “المستقبل” في موضوع “الغمز” لناحية العلاقة مع الكتائب؟ طبعاً الحدّ المقبول حاضر في العلاقة بين المكوّنين، لكن الرؤية السياسيّة غائبة عن الجمع بين الفريقين، في توصيف قياديين في “التيار الأزرق”. ويبدو أن الاتفاق على “القطعة” يجمع بين المكوّنات السياسية أو يفرّق بينها تكتيًّا، لكن الرؤى متشعّبة في وقت تثير بعض الطروحات تساؤلات لدى تيار “المستقبل”، بحسب ما تعبّر الأوساط القياديّة التي ترى أن الكتائب أقرب إلى اللامركزية الموسّعة التي تثير علامات استفهام. وإذا كان الهدف الأوّل من تصريح الحريري التعبير عن تطوّرات ايجابية في العلاقة مع الكتائب، إلّا أنّ الهدف الثاني الذي استخلصته الأوساط “المستقبليّة”، هو على طريقة “الزكزكة” السياسية الموجّهة أوّلاً إلى “التيار الوطنيّ الحرّ” ورئيسه النائب جبران باسيل، ما يؤكّد معارضة الحريري الواضحة للعهد وخياراته، و”الزكزكة” التكتيّة الموجّهة ثانياً الى رئيس “القوات” سمير جعجع في وقت لا بدّ فيه من إعادة البحث في سُبل استنهاض العلاقة مع “القوات” بعدما تحقّق القفز فوق فصل التباين الأخير.