//Put this in the section

خسائر مدوّية لتجّار اللحوم: صرخات مَن يصارع للبقاء ومَن استسلم وأقفل محلّه… “بتنا نشتهيها”!

لم تعد اللحمة طبق العيد أو حتى طبق الأغنياء. بعد ارتفاع سعر الدولار، أصبح القصّابون غير قادرين على إيفاء مستحقاتهم لتجار المواشي. فتسديد الفواتير هو إمّا بالدولار وإمّا بالليرة على سعر الصرف اليومي. وهنا تكمن الأزمة. وأصبحوا يدفعون فرق سعر صرف الدولار من جيوبهم، في وقت يعجزون فيه عن رفع سعر البضاعة التي يبيعونها. ومع ذلك انخفض الطلب على اللحوم بشكل مدوٍّ، ولم يعد يدخل على أصحاب هذه التجارة ما يحوّلونه إلى الدولار ليشتروا فيه البضاعة. حال قد تجبر بعضهم إلى الإغلاق.

تشهد محلات بيع اللحوم تراجعاً مدوّياً، منها مَن لا زال يبيع ولو بأقل بكثير من قبل، ومنها مَن يرى المارة في الشارع ويتمنّى أن يزوره أحد منهم ليشتري. الحالة الثانية تنطبق على حالة محمد الزند، صاحب ملحمة في منطقة الصنوبرة، الذي أكّد أنّ الطلب على اللحمة لديه تراجع بنسبة حوالي 70% منذ ثورة 17 تشرين الفائت، ووصل إلى ذروته حالياً جراء كورونا. وأكد أنّ الناس كانوا يشترون بالكيلو، أمّا الآن فيشترون بـ 5000 ليرة أو بـ 10000 ليرة، فالبيع أصبح “شبه معدوم”. ويضيف الزند أنّه لم يشترِ البضائع منذ بضعة أيام، لأنّ سعرها ارتفع كثيراً جراء ارتفاع سعر الدولار، فتعامله مع المسالخ يعتمد على سعر صرف الدولار اليومي، موضحاً أنّه “لم يعد باستطاعة الناس شراء اللحوم، فنحن نشتري كيلو اللحمة بسعر مرتفع ونضطرّ إلى بيعه بسعر أرخص مما اشتريناه، ولا يمكننا أن نرفع السعر، فهناك سقف لا يمكننا تجاوزه، ورغم ذلك انخفض الطلب كثيراً”.




وبأسى، يختم “لم أسمع بقرار نقابة القصّابين، لكنّي تكبدت خسائر بحوالي 8 ملايين ليرة من الشهر الماضي بين إيجارات وموظفين وفرق أسعار صرف، واضطررت إلى أن أسرّح موظفين اثنين وأن أقوم أنا بالعمل كلّه، ولا زالت الخسائر مستمرة، وإذا ما بقينا على هذا الوضع فنحن نتّجه إلى الإغلاق أكيد”.

أمّا عزت شاتيلا، ابن صاحب ملحمة ومديرها في منطقة ساقية الجنزير، فيشرح: “الواقع صعب، انخفض الطلب على اللحوم نحو 50% وأصبح الناس يتحوّلون إلى استهلاك الدجاج لأنه بات أرخص من اللحم، فكلّما ارتفع الدولار انخفض الطلب”. ويتابع: “لم أسمع بقرار نقابة القصّابين، ربّما هو فقط للضغط على الدولة، لكن ما أعرفه هو أنّنا نشتري بخسارة على سعر صرف الدولار يومياً، والتجار لا يقبلون الدفع إلاّ نقداً بالدولار أو حسب سعر الصرف. فمثلاً إذا ما اعطاني التاجر فاتورة اليوم بألف دولار وكان الدولار بـ4 آلاف ليرة وذهبت لسداد الفاتورة بعد يومين فأنا ملزم بدفعها على سعر السوق أيّاً كان”. ويلفت شاتيلا إلى أنّ هامش الربح انخفض كثيراً لديه ويبيع بخسارة أحياناً، ولذلك خفَّض التحفيزات والعطل للموظفين لكنّه لم يسرّح أحداً منهم.

لكنّ حال حسين عباس لا تشبه حال من سبقه. فقال: “قررت أن أغلق الملحمة وأن أحدّد خسارتي”. كلمات عبّر من خلالها عن حالته الكارثية. عباس، صاحب ملحمة في منطقة المريجة، كان زبائنه يقفون بالصف، حسب قوله، اضطرّ مرغماً إلى أن يغلق مصدر رزقه الذي بات يستنزفه ويوضح: “بدأنا برفع الأسعار تدريجياً إلى أن وصل الدولار إلى أكثر من 5 آلاف ليرة، وأصبحنا نبيع بخسارة ونضع فرق الدولار من جيوبنا، فأنا أغلقت المحل لأني خسرت منذ شهرٍ ونصف حتى الآن ما يقارب 15 مليوناً و900 ألف ليرة. انخفض الطلب كثيراً، إذ كنّا نبيع يومياً بين 80 إلى 100 كيلو من اللحم وأصبحنا نبيع اليوم حوالي 20 كيلو فقط “شي بهدلة””. ويتابع عباس: “صرت أقدّم عروضات للزبائن، فقط كي أستطيع تغطية مرتبات الموظفين، لكن لم أعد قادراً. أعطيت موظف المحاسبة إجازة مفتوحة وخفّضت الدوامات إلى النصف لكل موظف وحاولت ألّا أسرّح أحداً، لكن منذ يومين أخذت قراراً بإغلاق الملحمة بانتظار السعر الذي سيستقر عليه الدولار. المشكلة، وفق عباس، تكمن أيضاً في عدم قدرة الزبائن على شراء اللحمة بسعر مرتفع، ولم يعد يحصّل مدخولاً بالليرة كي يحوّله إلى الدولار ويشتري فيه المواشي لذبحها وبيعها.

تصوير حسن عسل.

“تجار المال لا يرحمون…هذا كفر!”

على خطٍّ موازٍ، وبعد قرار إيقاف استيراد المواشي الحية الذي صدر يوم أمس عن النقابة، صرّح نقيب مستوردي اللحوم وتجار المواشي الحية، معروف دكاش، أنّ الأسعار الجنونية التي وصل إليها الدولار فرضت رفع أسعار اللحوم، فاتخذت النقابة القرار بالإضراب، لكن بناءً على القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء بضبط سعر صرف الدولار وتدخُّل وزير الزراعة عباس مرتضى عبر التواصل معه اليوم لمعالجة الموقف، قرّرت النقابة التراجع عن الإضراب. وعن تخصيص ميزانية لهذا القطاع، أشار دكاش إلى أنّ “هذا شيءٌ مستحيل فهذا القطاع ميزانيته ضخمة جداً”.

من ناحيته، قدّر علي يزبك، تاجر مواشٍ، تراجع عمله بنسبة 60 إلى 70 %، شارحاً: “كنت أوزّع يومياً بحدود 50 رأساً من البقر و100 رأس من الغنم، حالياً أصبحت أوزّع 5 إلى 7 رؤوس من العجل و10 من الغنم، فالعمل توقّف بغالبيته، وتجار العملة لا يرحمون نهائياً ومصرف لبنان كان من المفترض أن يضعنا ضمن المواد الأولية والسلة الغذائية للشعب لكنهم استثنونا منها”.

ويردف يزبك: “الدولة لا تخصص ميزانية لهذا القطاع، من المهزلة مثلاً أن تدعم العلف وليس هناك مزارع لتربية المواشي”، مضيفاً: “خسائرنا فادحة، فثمن 20 رأساً من البقر يساوي 25 ألف دولار، أبيعها بالليرة اللبنانية، لكنّي ملزم بدفع ثمنها بالدولار، فيوم الثلثاء صباحاً كان الدولار حوالي 4200 ليرة وارتفع بعد الظهر إلى حوالي 5600 فخسرت في يوم واحد 25 مليون ليرة، لا يمكننا أن نستمر في العمل بهذه الطريقة”.

ووفق يزبك، “القصّابون يشترون البضاعة لكنّهم عاجزون عن بيعها فيبيعونها بخسارة، ولا يستطيعون تسديد الفواتير وكسب الربح، ونحن كتجار مواشٍ لسنا قادرين على تسديد مستحقاتنا من ايجارات ومرتبات وبرادات وعلف ويد عاملة بالمئات في المزارع، إذ وصلنا إلى مرحلة لا نستطيع أن نمشي، بعنا بعض عقاراتنا، والمصارف لا تقدم التسهيلات ولا تقبل إلا بالدفع النقدي”. وينهي حديثه بالقول: “هذا كفر! لنا ديون في السوق بمليارات الليرات، وإن حصّلناها، فهي فقدت من قيمتها الشرائية ولم يبق لنا سوى ربعها”.

انخفاض الطلب على اللحمة… “بتنا نشتهيها”

لربات المنزل أيضاً حصّتهنّ من هذه الأزمة، فهنّ إجمالاً من يقصدن محلات بيع اللحوم لشرائها. “لم نعد نأكل اللحم منذ فترة طويلة، انتقلنا إلى الدجاج لأنه أرخص، فلم يعد باستطاعتنا الشراء حتى بالأوقية، فصرت أطبخ مثلاً يخنة اللوبيا دون لحمة”، تقول هدى إبراهيم. وتتحسّر بهذه العبارات: “كنا نشوي اللحم كثيراً، أمّا الآن فبتنا نشتهيه ونقول رزق الله”. ومن جهتها، تفيد إلهام ياسين، إنها خفّضت كثيراً شراء اللحوم وصارت تشتري حاجتها منها فقط مع استبدال النوعية عالية الجودة بأخرى أرخص منها. وتلفت إلى أنها كانت تملأ الثلاجة سابقاّ باللحوم، أمّا الآن فتشتري حسب ما تودّ أن تطبخ، “فزوجي لا يعمل حالياً والأسعار جنونية وعلينا أن نتقشف”.

في جولة سريعة على بعض السوبرماركات، اعتبر موظف براد اللحوم في سوبرماركت “كو أوب” في فرع المصيطبة أنّ “طلب الناس على شراء اللحوم مقبول، كان الناس يشترون بالـ3 أو 4 كيلوات من اللحوم ويثلّجونها، أمّا الآن فأصبحوا يشترون بالأوقية وللطبخة فقط، وأصبحوا يفضّلون اللحم البلدي على المستورد ولا يتقبّلون ارتفاع الأسعار”. ووفق الموظف في سوبرماركت “سبينيس” في فرع الجناح، فالإقبال جيّد نوعاً ما، وهناك أشخاص باتوا يبحثون عن أنواع أرخص”.

المصدر: النهار