//Put this in the section

مراجعات تاريخية وأضعف الإيمان! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

منذ انطلاقة الاحتجاجات المناهضة للتمييز العنصري في الولايات المتحدة تحديداً وفي دول مختلفة حول العالم عموماً، وهناك حالة من المراجعة التاريخية بحق رموز وشخصيات تاريخية في العالم الغربي، كانت لها المكانة والهيبة الخاصة في الذاكرة الوطنية، إلا أنه اليوم ومع فتح «الملفات» التاريخية يتبين التاريخ العنصري القبيح لها، وتخرج الأصوات المنادية بإزالة أسمائهم من الميادين والشوارع والمنشآت العامة والنصب التذكارية والتماثيل التي أقيمت تخليداً لهم. وشملت قائمة الأسماء شخصيات كبيرة ومهمة، مثل مكتشف القارة الأميركية كريستوفر كولومبوس، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، وملك بلجيكا ليوبولد الثاني.

إنها العنصرية التي مجّدت ذات يوم ها هي لعنتها تلاحق أبطالها اليوم. ولا تقتصر العنصرية بمفهومها ضد أصحاب البشرة السوداء من أصول أفريقية فحسب، ولكنها تشمل أي عنصرية كانت. وللمثقف الهندي والنائب البرلماني المعروف شاشي ثاروور كلمة مشهودة حيال الاستعمار البريطاني في بلاده، فهو يقول: «إن بلاده كانت قبل الاستعمار البريطاني تمثل 27% من الناتج الاقتصادي العالمي في 1700، و23% في 1800، وبعد 200 عام من الاحتلال والاستعمار الممنهج و(شفط) كل الأموال والموارد الطبيعية تحولت إلى إحدى الدول التي يشار إليها بالفقر، ولم تعد تشكل أكثر من 3% من الناتج الاقتصادي العالمي و90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ونسبة التعليم تحت 17% ومعدل حياة الإنسان لا يتجاوز 27 عاماً».




وإذا لم تكن هذه أقسى أشكال العنصرية وأقبحها فلا أدري ما هي. ولكن الحديث يفتح الآن إلى أي مدى تاريخي يجب العودة لإجراء المراجعات التاريخية، فهل كان إبراهام لينكولن (محرر العبيد) نصيراً لحقوق المرأة، وإذا لم يكن هل تجب معاقبته على ذلك أيضاً؟!

صندوق باندورا الفكري التاريخي يُفتح ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر. واليوم كما تحرك اليسار الحقوقي في الغرب بإجراء هذه المراجعات التاريخية، هناك في العالم العربي قوى من اليمين العنصري المتطرف وتحت شعار «الوطنية» تقوم بنبش الماضي الافتراضي لشخصيات مختلفة، فتبحث عن تغريدات أو تعليقات قديمة له أو «تختلق» له ذلك بغرض اغتيال الشخصية وإثارة الشك والريبة إزاءه، وهي أساليب جاهلية تتم بوسائل عصرية.

حركة إصلاح التاريخ مطلوبة ولا شك، وذلك بإزالة القدسية عن الشخصيات التاريخية والسماح بقراءة موضوعية ومجردة للأحداث وأبطالها من دون شروط مسبقة، وألا يتم «حذف» للتاريخ المسيء والمثير للجدل، ولكنه يبقى ضمن الإطار التعليمي الذي يقدَّم كمادة للاستفادة مما حصل، وهذا ما يحصل مع كتاب مذكرات الزعيم النازي أدولف هتلر «كفاحي» الذي يُمنع بيعه تجارياً، ولكنه يدرّس أكاديمياً ضمن مناهج مكافحة العنصرية.

الجنّي خرج من الفانوس ومكافحة العنصرية ستصبح شأناً حقوقياً عالمياً ولا بد من الاستعداد الجاد والتحضير القانوني لها، ويخطئ كثيراً من يعتقد أنها مسألة نخبوية فقط أو موضوع يخاطب الدول الغربية بشكل حصري. ليس كافياً أبداً أن تكون غير عنصري non racist ولكن مطلوب أن تكون anti racist معادياً للعنصري. فالوصف الأول وصف سلبي والثاني حركي وفعال، وشتان الفارق الكبير ما بين الاثنين بطبيعة الحال.

من المتوقع أن تكون هناك مجموعة من الأنظمة والقوانين التي سيتم إصدارها بشكل أممي والتي ستفرض واقعاً أخلاقياً من المفروض أن تجعل الممارسات العنصرية المعتادة مسألة أصعب ولا شك، وهذا أضعف الإيمان.