//Put this in the section

معابر التهريب مستمرة الشرعية وغير الشرعية!

سركيس نعوم – النهار

عاد الناس الى الشارع بعدما “صَوْرَخ” سعر الدولار وتدنى سعر الليرة اللبنانية في مقابله الى حد كبير. وسينزلون بكثافة أكثر عندما يرون أن توقف غالبيتهم عن العمل سيصبح نهائياً، وعندما تنزل قيمة راتب من لا يزال يعمل منهم الى 25 في المئة من قيمته الأصلية، وعندما يتأكدون أن دولهم الثلاث لا تهتم فعلاً لأمرهم، ولا يزال كل من حكامها ومساعديهم وحاشيتهم ومرتزقتهم يسعى الى تعزيز قبضته على دولته، والى الاستمرار في مصادرة حقوق مواطني كل منها وفي تعبئتهم طائفياً ومذهبياً استعداداً ربما لما هو آت اعتقاداً منهم أنه قريب. علماً أنه ليس كذلك وأن مستقبلهم كما مستقبل دولهم وشعوبها سيكون قاتماً جداً وأن من يبقى منهم فيها، باعتبار أن الهجرة صارت الملاذ الأخير لهم ولعائلاتهم، سيلعنهم وربما يقضي عليهم إذا عجزوا عن إقناع السادة الجدد للمنطقة المعيّنين من الكبار جداً في العالم بإبقائهم حكّاماً على فتات وطن وأرض وشعوب ودولة. علماً أن العجز مشكوك فيه وإن بنسبة غير كبيرة لأن هؤلاء الكبار لا يهتمّون للشعوب وحقها في تقرير المصير ولا للإنسان فيها وحقوقه المشروعة. ومشكوك فيه أيضاً لأن تاريخ لبنان الذي يُفرط أبناؤه وحكّامهم في التغنّي به حافل بسيطرة الكبار في حينه على شعبه كما على قادته وخصوصاً الذي برعوا منهم في الانتقال من خدمة كبير الى خدمة كبير آخر على حساب ناسهم ومصالحهم ولقمة عيشهم.




طبعاً لا يعني ذلك أن الشعوب اللبنانية ستتوحّد رغم التحرّك الشعبي المتنوّع بعد ظهر أول من أمس وليله الذي جعل الحالمين بغد أفضل يغرقون في أحلامهم، ويستمرون في البناء عليها وفي الدعوة الى “قلع” الطبقة السياسية وقلب الدولة وحكّامها والطبقة السياسية فيها ولا ييأسوا من دعوة الثوار الى الوحدة قيادةً وتحركاً والى وضع مشروع. فضلاً عن أنهم لم يمتلكوا يوماً شيئاً من ذلك كله. طبعاً لا أحد إلا ويرحّب بالتنوّع الثوري أول من أمس واعتبر الجميع ذلك دليلاً على نجاح حتمي للثورة. لكنهم يجهلون أو يتجاهلون أن “الثورة” لن تنجح إلا إذا تخلّت عن الطائفية والمذهبية، والا اذا تخلّى حاكمو الطوائف والمذاهب والقابضون عليها بالسلاح والمال والمواقع والمناصب والفساد عن مشروعاتهم غير المتماهية مع مصلحة الوطن. واذا كان “شُبِّه” لهم أن الجوع بدأ توحيد الشعب فعليهم أن يعرفوا أن الشرط الوحيد لذلك وتالياً لتحقيق النجاح هو التخلّي عن المطالب الاقليمية – الدولية المستحيلة التحقيق اليوم والتسليم بدور الجهة أو الجهات القادرة في أكثر من مجال. إذ أن نجاحاً من دونها بالغ الصعوبة لأن الثورة ستتحوّل فوضى متصاعدة تنهي الدولة والنظام وقبل تأسيس بديل منهما مقبول من شعوبها كلها.

في أي حال الموضوع الأساسي الذي حرّك الناس قبل يومين ويستمر في تحركهم هو الارتفاع الصاروخي لسعر الدولار والانهيار المريع للعملة الوطنية وللمداخيل وارتفاع نسبة البطالة على نحو مخيف. ومعالجة هذه الأمور كلها في هذه العجالة ليست متيسّرة. لذلك سنكتفي فيها بتناول موضوع المعابر غير الشرعية التي يحمّلها، وليس وحدها طبعاً، سياسيون و”الثوار” والذين صاروا تحت عتبة الفقر من اللبنانيين مسؤولية ارتفاع سعر الدولار وفقدانه مع المحروقات وسلع كثيرة أخرى من السوق اللبنانية. فـ”دول” لبنان الثلاث تطالب بإقفالها وقادة الطوائف والمذاهب يطالبون بذلك أيضاً مع الناس. والحكومة ومجالس الوزراء كما مجالس الدفاع الأعلى طالبت بذلك بل وعدت بتنفيذه. فهل سينفّذ الوعد؟ وما هو “وضع” هذه المشكلة تحديداً؟

تعتبر جهات لبنانية عدّة أن “حزب الله” يسيطر على المعابر غير الشرعية البرية بين لبنان وسوريا، أولاً لأنه يسيطر على المنطقة الحدودية مع الأخيرة الممتدة من البقاع الشرقي الى الشمالي. وثانياً لأن حركة مقاتليه وقياداته وسلاحه مع سوريا حيث يقاتل الى جانب نظامها ورئيسه يومية. وثالثاً لأن لسوريا هذه مصلحة في التهريب وخصوصاً في الآونة الأخيرة بعدما انهارت الليرة السورية في مقابل الدولار، وبعدما احتاجت الى المحروقات المتنوّعة وبعد استمرار سيطرة أميركا على حقول النفط فيها. وكان ذلك من أسباب فقدانهما من لبنان. لكن متابعي حركة “حزب الله” من قرب في لبنان يقولون إن “للحزب” معبَرَيْن أو ثلاثة وهما مخصصان لتنقل عسكره وسلاحه وتموينه المتنوّع. ويؤكدون أن لا علاقة له بالمعابر الأخرى غير الشرعية طبعاً التي يراوح عددها بين 100 و150، كما يلفتون الى أنها لا تقتصر على الحدود البقاعية مع سوريا، إذ أنها موجودة على حدود لبنان الشمالية مع سوريا حيث لا وجود رسمي وفعلي له. وهي في معظمها “راجلة” أي لا تقطعها الآليات أي الشاحنات الكبيرة والمتوسطة وحتى الصغيرة أحياناً. ويشير هؤلاء الى وجود قرى لبنانية داخل الأراضي السورية غير بعيدة كثيراً من الحدود منذ أيام الاستقلال، وانها بقيت هناك بسبب عدم مبادرة البلدين الى ترسيم حدودهما منذ الاستقلال حتى اليوم. لكنهم يشيرون في الوقت نفسه الى أن أبناء البقاع والشمال اعتبروا دائماً مدينة حمص السورية أقرب إليهم جغرافياً من بيروت فكانوا يقصدونها لهذا السبب وأيضاً لأن أسعار كل ما يحتاجون إليه موجود فيها و”رخيص” الثمن. وهذا أمر مارسه دروز البقاع الذين اعتبروا الشام أقرب جغرافياً من بيروت فكانوا يقصدونها للسبب نفسه. طبعاً يقول هؤلاء أن على الجانب الآخر من الحدود جيش سوريا، لكنه لا يوقف العابرين من لبنان الى بلادهم لأنه صار يعرفهم ولأن بعضهم يزور أقاربه في المقلب الآخر. وهو لا يوقف الا “الغريب” غير المعروف منه وخصوصاً اذا كان يستقل آلية معينة. ومن هنا سؤال الاعلاميين الذين يحاولون استكشاف الوضع الحدودي عن هوياتهم وأهدافهم. في أي حال يرى المتابعون أنفسهم أن إقفال المعابر ليس سهلاً وكذلك وقف التهريب ومع الاثنين ترسيم الحدود الذي يحتاج الى قرار سياسي من الدولتين. والجيش اللبناني والقوى الأمنية المتنوعة عاجزة عن ذلك لانشغالها بالداخل المتراوح وضعه دائماً بين التوتر والالتهاب. في البداية كان التهريب يتم من سوريا الى لبنان (طحين مدعوم ومحروقات مدعومة وخضار وفواكه وسلع متنوعة). الآن انعكست الآية. ولا يستطيع أحد وقفه لأن من يقومون به من الجهتين تسهل مهماتهم جهات وأفراد من القوى العسكرية والأمنية من على جانبي الحدود. وهو لن يتوقف. أما “الحزب” فإنه لا يتعاطى التهريب. لكن ربما تتعاطاه عائلات وأفراد وعشائر على صلة جيدة به. انطلاقاً من ذلك على دول لبنان الثلاث أن تبحث عن وسائل أخرى لوقف التهريب أو بالأحرى لمنع اختفاء المحروقات والطحين والدولار من لبنان بعد تهريبها الى سوريا. وعليها أيضاً قبل أن تقفل المعابر غير الشرعية أن تضبط الشرعية منها التي تشهد حركة التهريب الأوسع.