//Put this in the section

هكذا ”انطَفَأت في أرضها” بين الحريري وجعجع؟

مجد بو مجاهد – النهار

يُخطئ من يراهن على جرّة مكسورة بين “القوات اللبنانية” وتيار “المستقبل”، فقد “انطَفَأت” شرارة التباين في أرضها بين الرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع، في وقت لم تتوافر فيه نيّة لدى المُكوّنين في تحميل الأمور أكثر من حجمها الذي هو أشبه بعتب متبادل أو “تصفية قلوب” على الطريقة اللبنانية. تؤكّد “القوات” أن “قصة التصريح والتغريدة خلصت”. ولا يتردد “المستقبل” في التأكيد على أن مصلحة الطرفين تقتضي التفاهم بين الفريقين.




ماذا حصل بعد ظهر الأربعاء من تطوّرات مهمّة تستدعي التوقف عندها، ساهمت في تقريب المسافات وتهدئة الأوضاع بسرعة كبيرة؟ لا بدّ من التَوقّف عند مُعطيين أساسيين من شَأنهما تلخيص ما جرى من أحداث متسارعة. ويَكمن المُعطى الأوّل في أنه لم يكن ثمّة من نيّة لدى الفريقين في البِناء على التفصيل الذي شكّل مصدر التباين. وعلمت “النهار” أن جعجع والحريري كانا حريصَيْن على عدم تَفلّت الأمور بين المناصرين والقياديين على المنابر أو على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتبرت مصادر مُواكبة أن ردّة فعل “القوات” كانت ممتازَة بطلب عدم تداول الموضوع بين المحازِبين، في وقت أكّدت فيه أجواء الحريري لقياديي “التيار الأزرق” بأن الموضوع انتهى ولا يجوز الغوص به. وعُلم أن الحريري تمنّى على أحد نُوّاب كتلته سحب تغريدة كان كتبها على حسابه في “تويتر”.

وتشير مصادر قيادية في تيار “المستقبل” إلى أن تغريدة الحريري لم يكن الهدف منها قطع العلاقة مع “القوات”، والكلام المكتوب (بونجور حكيم) كان يريد الحريري منه التعبير عن عتب بطريقة لطيفة ولذلك بدأ التغريدة بعبارة “بونجور” ، من دون أن يكون هناك نية لافتعال إشكال مع “القوات”، مع اقتناع راسخ بأن مصلحة الطرفين تقتضي التفاهم بينهما خصوصاً في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد.

ما هو المعطى الثاني المهم الذي استجدّ أيضاً بعد تصريح جعجع وتغريدة الحريري وساهم في تهدئة الأوضاع على وجه السرعة بين المكوّنين؟

علمت “النهار” أن تدَخّلاً مصريّاً سريعاً على خطّ ترطيب العلاقة بين “القوات” و”المستقبل” ساهم أيضاً في التهدئة السريعة، وكان له دوره الإيجابيّ في إطفاء شرارة العتب المتبادل، إذ نشط التَحرّك المصريّ على خطّ معراب – “بيت الوسط” من خلال اتصالات حصلت مع الوزير السابق ملحم الرياشي ومستشار الرئيس الحريري الوزير السابق غطاس خوري، هدفها تنفيس الموضوع كليّاً، وتوجيه دعوة للطرفين عنوانها ضرورة التهدئة الكاملة لأنه يكفي ما يدور حولنا من نيران ولا يجوز إطلاق نيران صديقة. وعُلم أن التحرّك المصري كان فاعلاً وعَاجلاً ولقي تجاوباً من المُكوّنين اللذين لم تكن في نيّتهما أيضاً توسيع بيكار التباين أو شرذمة الوضع.

“لا تكرهوا شيئاً لعلّه خيرٌ”، قناعة راسخة لدى قيادات في “المستقبل” و”القوات” يرون في هذه المرحلة الدقيقة ضرورة قصوى لتقريب وجهات النظر، لما لأي خلاف من انعكاسات سلبية على المكونين ما سيؤدي إلى إضعاف الفريقين معاً، ولما لأي شرذمة من انعكاسات سلبية تُضعف الخطّ الاستراتيجي الذي لا يزال يجمع بين الحزبين.

لم يسبق أن انكسرت الجَرّة بين جعجع والحريري في المراحل التاريخية التي جمعتهما رغم التباينات والحزازات التي ظهرت في غير مرحلة. فقد جمع تحالف 14 آذار بين الرجلين بعدما دخل الحريري ميدان السياسة بُعيد اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005، وخروج جعجع من السجن في تموز من العام نفسه. واستطاع الحريري وجعجع حصد نجاحات سياسية وانتخابية تحت مظلّة تحالف 14 آذار الذي فاز بالأكثرية النيابية في دورتي 2005 و2009 الانتخابيّتين. أبرز تباينات العلاقة حصلت في ذكرى 14 شباط 2016، بعدما توجّه الحريري مخاطباً جعجع من على المنصة في قوله “يا ريت هالمصالحة مع التيار الوطني الحر صارت من زمان”. أتت هذه التطورات بعد الإعلان عن “تفاهم معراب” في كانون الثاني 2016 ودعم جعجع العماد ميشال عون لسدّة الرئاسة الأولى، فيما كان الحريري قد دعم الوزير السابق سليمان فرنجيه للمنصب نفسه. استمرت السجالات المتقطعة منها تصريح لجعجع في مقابلة تلفزيونية مطلع حزيران 2016، اعتبر فيها أن تيار “المستقبل” ضد تحالف معراب، ما استدعى أخذاً وردّاً مع الحريري. التحوّل الكبير كان مع إطلالة الحريري من “بيت الوسط” مرشحاً النائب ميشال عون لرئاسة الجمهورية في تشرين الأول 2016.

بعُدت المسافات بين المُكوّنيْن في مرحلة ما بعد استقالة الحريري من رئاسة الحكومة الأولى في عهد الرئيس عون ثم عودته عن الاستقالة، كما سادت بعض التباينات بين الفريقين في مرحلة تشكيل حكومة الحريري الثانية في عهد عون، حول عدد المقاعد والحقائب الوزارية، فيما حسم الحريري أمره بتشكيل الحكومة بالصيغة التي وجدها مناسبة وانتظر جواباً من “القوات” التي أكدت مشاركتها أواخر تشرين الأول 2018 معتبرة أن أسهل حلّ كان البقاء خارج الحكومة. محطات تباين وتوتّر عابرة شابت العلاقة أيضاً خلال حقبة حكومة الحريري الثانية في عهد عون في ملفات عدة منها الموازنة والتعيينات وعدد من الخطط. لم تُسمِّ “القوات” الحريري لرئاسة الحكومة بعد انطلاق انتفاضة 17 تشرين الاوّل واستقالة حكومته، بعدما اعتبرت أن المرحلة لم تكن مناسبة، ما بعّد المسافات وشَكّل عَتباً مُتبادلاً ووجهات نظر متباينة استمرّت وتُرجمت بتصريح جعجع وتغريدة “بونجور” حكيم، التي يأمل الغيارى على العلاقة بين المُكوّنيْن أن يتبعها صباح جديد.