//Put this in the section
راجح الخوري

رسالة إلى ملحم خلف! – راجح الخوري – النهار

أنا من الذين وجدوا في النجاح المبهر لملحم خلف نقيباً للمحامين، طليعة سرب من السنونو أطلقته الثورة ليعاون في جعل هذه الصحراء السياسية العفنة سهولاً ربيعية، ويعمل لجعل الخرائب التي تتزاحم فيها طيور بوم المسؤولين السارقين والناعقين، منطلقاً جديداً وممكناً لإحياء الأمل والرجاء، ورؤية ملامح نور وضوء، يلوحان في نهاية ذلك النفق الأسود الطويل، الذي يزدحم بإشلاء أحلام اللبنانيين، وبجثث أمل الشباب، الذي يقتل مستقبله وأحلامه في كل لحظة على تتابع الثواني في عصفورية الفساد المتوحش التي نسميها وطناً !

وأنا من الذين سمعوا ملحم خلف في كلمته الوجدانية، خلال الوقفة الرمزية التي نفذتها نقابات المهن الحرة والجامعات أول من أمس، “لتشهد لإرادة لبنان الوطن من عمق عقل الحكمة وقلب المحبة، على نبذ العنف بالإحتكام الى الدستور مظلة آمنة وعلى التعاضد بالقيم”، قائلاً إنه حان الوقت لنحرر وطن الإبجدية والإنسان من الاستخدامات الخبيثة.




ولهذا، وبكل هدوء وألم ومن دون أي يأس، وبكل إقتناع عميق عندي، هو نتيجة سلسلة هائلة من الخيبات، أسقَطَت كل حبري وتفّهت كل كلماتي التي طالما كتبتها بالروح والحماسة اللتين وردتا في كلام النقيب، أقول له:

لا يا صاحبي اسمع مني، حان الوقت لتحزم الحقيبة، حان الوقت لتحرر نفسك من وجع المعنى النبيل للرداء الذي تضعه على كتفيك وفي قلبك، والذي يمكن أي أفّاك سياسي تمزيقه. حان الوقت بعد كل هذه الرحلة الجريحة التي سار عليها الذين سبقونا ونسير عليها نحن، لأن نتذكر ونعي ونستيقظ، لنتذكر جيداً ان جماعات “الإستخدامات الخبيثة” الذين ذكرتهم، خناجرهم في ظهورنا تذبح ما بقي من حطامنا وهذه الدولة، إن بنادقهم متأهبة لصراعات عبثية، ونحن الذين ورثنا ثم عشنا ما هو أكثر رعونة وأقصد الحروب العبثية، نعود إليها دائماً، ونتحدث عن لا غالب ولا مغلوب وعن التعايش ووطن الأبجدية والتنوّع النموذجي !

وفّر حنجرتك يا صديقي فلن نستطيع كلنا ان نفعل شيئاً، في وجه من يريد تصديع سلمنا الأهلي فحسب، وتصديع لبنان او ما بقي من خرائبه، ودعنا نتذكر جيداً كم مرة رفعنا بطاقاتنا الحمر في وجه الفتنة، التي نقول مع الرئيس نبيه بري لعن الله من يوقظها، لكأنها نامت يوماً او تعرف النوم، وفّر أذنيك لئلا تضجا برنين جرس الإنذار الذي تحدث عنه الرئيس ميشال عون، بعد ذلك السبت، ولكم عرفنا من سبت سود ولم نتعلّم او نتذكر !

اعذرني يا صديقي الذي ما عرفته بعد، إذا قلت لك أحزم حقائبك او نظّف بنادقك أو أهلاً بك في صفوف الصالحين الخائبين، فأنت في لبنان، أبكِ أنت في لبنان، هذا ان كنت تملك بعد قليلاً من الدموع، لإنك مثل كثيرين من الذين سبقوك لن تنجح في ان تحوّل او تحبط خطط من يعملون لدفعنا الى صراعات عبثية.

صدقني لا أدعوك الى قراءة الأخبار الكارثية للسلطة الحاكمة أمس الثلثاء واليوم تحديداً، ولا الى التأمل ملياً في كل هذا الغسيل الناصع الذي تنشره الدولة على سطوح العالم، إعرف مثلك تماماً أي معنى عظيم كان لقصيدة الرقي والحضارة، في ثورة ١٧ تشرين الأول الماضي، وما بثته من أمل حطّ مع طائر الفينيق في قلوبنا وفي ساحة الشهداء وحلّق مع كل عبارة وجع على جدار بيروتي، لكن الفتنة كما كتبتُ أمس عمياء لا تنام، وجرس الإنذار لن يتوقف عن “الدوي” … وأعذرني فعلاً لأنني مطعون حتى الصميم، إذا كانت سماؤنا المزعومة تمنع الجوع من ان يوحدنا !